ومن قوله تعالى : (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) ، فجاء التوكيد بالناسخ : "إن" ، فضلا عن دلالة اللَّامِ التي أخرت لئلا يجتمع مؤكدان لفظيان في موضع واحد فاجتماع الأجناس المتشابهة في محل واحد يثقل اللفظ فحسن تأخيره إذ المحل الواحد لا يحتمل إلا حالا واحدا وإلا ضاق وازدحم بلا جديد يرتجى فمعنى التوكيد حاصل بأحدهما والتوكيد الزائد يؤدي غرضه إذا نقل إلى الموضع الآخِر ، ولفظ العذاب قد أضيف إلى اسم : "ربك" ، وذلك موضع جلال يُلَائِمُهُ لفظ الرُّبُوبِيَّةِ فهو مئنة من كمال التصرف بالقدرة النافذة والحكمة البالغة ، فهو تصرف كمال فيه من جلال الفعل وجمال الوصف ما يحصل به تمام الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، وجاء الإطناب بالخبر : "مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ" ، فذلك حكم آخر على المحكوم : "عذاب ربك" ، فثم أكثر من حكم أو محمول على محكوم أو موضوع واحد فهو من جنس اتصاف الموصوف الواحد بأوصاف عدة ، فكلها معان أو أحكام يصح إسنادها إلى الموصوف ، فذاته المحكومة واحدة ، والأوصاف الحاكمة عليها كثيرة متعددة ، وذلك آكد في الثناء إن بالخير وإن بالشر ، وذلك أصل في باب الإلهيات ، فالله ، جل وعلا ، قد سمى نفسه في وحيه ، كتابا أو سنة ، سمى نفسه بجملة من الأسماء الحسنى ووصف نفسه بجملة من الصفات الكاملة ، إن جلالا وإن جمالا ، إن ذاتا وإن فعلا ، إن معنى وإن خبرا ، والموصوف ، مع ذلك ، واحد ، وهو الرب الأحد الصمد ، تبارك وتعالى ، فصح تعدد الأخبار والمبتدأ واحد ، وصح تعدد الأحكام والمحكوم واحد ، أو الموضوع والمحمول متعدد ، كأن تقول على سبيل المثال : الله هو الرحمن الرحيم .... إلخ من الأسماء الحسنى فكلها أحكام يحسن الإطناب في ذكرها في باب الثناء بالمدح ، ومثله الثناء بالذم وذلك ما يليق بمقام التنفير من المذموم كأن تقول : الشيطان رجيم طريد من الحضرة آيس من الرحمة .... إلخ ، فعذاب ربك : واقع ، فذلك حكم أول ، و : ما له من دافع فذلك حكم ثان ، وحسن هنا ، أيضا ، الإطناب فالمقام مقام تحذير وتخويف ، وقد أكد النفي في الخبر الثاني : (مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) ، أكد بـ : "من" فهي مئنة من التَّنْصِيصِ على العموم ، فضلا عن تقديم الجار والمجرور ، وحقه التأخير فذلك مما يعضد معنى التوكيد ، وقد يقال بأن هذا العموم مخصوص بما صح من الشفاعات ، فإن من العذاب ما وجب ، ولكن المانع منه قد رفع ، كسائر موانع نفاذ الوعيد ، فيكون العذاب جِنْسًا أعم ، مِنْهُ : عَذَابُ الكفار والْمُنَافِقِينِ فهو عذاب واجب مؤبد ، ومنه عذاب بعض أصحاب الكبائر فمنه واجب مؤقت ، ومنه عذاب بعض أصحاب الكبائر فهو مِمَّا وجب بالنظر في أسبابه ، ولكن ثَمَّ مَانِعٌ فصاحب الكبيرة في الجملة تحت المشيئة ، فلا يجزم أحد بعذاب صاحب كبيرة بعينه إن مات على التوحيد فمعه أصل الإيمان الذي ينجي من الخلود في العذاب وإن لم ينج من مطلقه ، وهذا التوحيد قد يتمحض في مواضع فيقوم بقلبه من الإخلاص ما تطيش لأجله صحائف الذنوب ، كما في حديث صاحب البطاقة ، فهو في الجملة متوعد ، والوعيد في الجملة كائن ، وذلك بالنظر في جنس الفاعل لا آحاد الفاعلين ، فقد يقوم في حق أحدهم من المانع ما يرفع العذاب قبل وقوعه كالشفاعة في أقوام قد استحقوا النَّارَ أَلَّا يَدْخُلُوهَا ابتداء ، أو حسنات ماحيات كانت منهم في دار التكليف رفعت ما استحقوا من الوعيد ، أو مصائب مكفرات ، أو عذاب في القبر ، أو هَوْلٍ في المحشر ..... إلخ ، وقد يقوم في حق أحدهم ما يدفع العذاب بعد وقوعه ، إذ معهم ، كما تقدم ، أصل الإيمان الذي ينجي من الخلود في النار دون كمال الإيمان الواجب الذي يُنْجِي من دخول العذاب ابتداء ، فمعهم أصل الإيمان الذي يوجب من الحب والموالاة بقدره ، ومعهم من شعب الكفر والعصيان ما يوجب البغض والمعاداة بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ منهم من مخالفة الحق ، فالقياس يطرد وينعكس في هذا الموضع ، فكلما زاد الإيمان وحصلت الطاعة حصل لهم من الحب والموالاة بقدره ، وكلما نقص حصل لهم من الضد بقدره ، حتى يبلغ الأمر حد الإيمان الواجب طردا الذي يوجب الحب والموالاة التامة ، أو حد الكفر الأكبر الناقض للأصل الذي يوجب البغض والمعاداة التامة ، سواء أكان بأصل الكفر أم بشعبة من شعبه دل الدليل على انْتِقَاضِ الإيمان بها ، سواء أكانت باطنة في العقد أم ظاهرة في القول والعمل ، وسواء أكان فيها عذر أم لم يعذر صاحبها فَهِيَ من الْمُتَوَاتِرِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدين بالضرورة ، لا سيما في دار الإسلام التي ظهرت فيها أعلام الديانة والسنة ، وذلك أمر يتفاوت تبعا لتفاوت الأعصار والأمصار ، وهو أصل في إطلاق الأسماء والأحكام ، على جهة التعميم أو التعيين ، خلافا لمناط الحكم المطلق فهو واحد لا يَتَغَيَّرُ وإنما يحصل التغاير في تحقيق المناط في الخارج فقد يجتهد الناظر فَيَغْلِبُ على ظنه أو يَتَيَقَّنُ قِيَامَ الحجة الرسالية على وجه تزول به الشبهة ، فيكون صاحبها جاحدا معاندا قد أبى واستكبر فيحكم بكفره في هذه الدار ، ويجرى عليه السلطان ذو الشوكة أحكامَ الرِّدَّةِ ، وإن كان ثم شبهة لم تزل فذلك قد ينفعه في أحكام الآخرة ، فمثله كمثل آخر أهل النار خروجا منها ، فلم يعمل خيرا قط ، فإن حمل اللفظ على الحقيقة لا المبالغة ، وذلك الأصل في أي كلام أن يحمل على الحقيقة إلا إذا تعذر ذلك لمانع شَرْعِيٍّ أو قَرِينَةٍ من السياق تَشْهَدُ ، فلقائل أن يحمله على المبالغة لمانع شرعي قد علم من استقراء النصوص إذ حصول جنس العمل الظاهر شرط صحة في الإيمان وإن تخلفت جملة من آحاده ، وأما تركه مطلقا فلا يعمل خيرا قط ! ، وهو مع ذلك مؤمن أن اعتقد بجنانه ونطق بلسانه وهو مع ذلك قد فارق جميع شعب الإيمان العملية ! ، فذلك فرض في العقل لا وجود له في الخارج ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إيمان لا يظهر من آثاره في الخارج أي شيء ! ، فذلك ما لا حقيقة له في الخارج ، إذ يُخَالِفُ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ فَهِيَ جبلت على الفعل لا الترك فإذا لم تفعل الخير تلبست بضده من الشر ، وإن تَرَكَتْ شُعُبًا من الإيمان تلبست بأضدادها من شعب الكفران ، فكيف يتصور في الأذهان أن يترك الإنسان جميع شعب الإيمان ويبقى المحل شاغرا من كل خير أو شر ، فهو غفل ! ، ويكون صاحبه مؤمنا وقد انْتَفَى في حقه جزء رئيس من أجزاء الحقيقة الإيمانية في الخارج ، فَضْلًا أَنَّهَا ، من وجه آخر ، لازم من لَوَازِمِ القول والعمل الباطن ، فهي قسيم الباطن ، من وجه ، وهي لازمه في الظاهر ، من وجه آخر ، وهي ثمرته ، فدلالة الباطن على الظاهر : دلالة تصديق ، فالظاهر يُصَدِّقُ ما يقوم بالقلب من التصورات والإرادات ، فإن العلم مبدأ العمل ، فإذا حصل التصور تَوَلَّدَ في القلب هم ، فإذا قوى الهم انقلب جزما ، فهو إرادة تامة ، وهي تَتْبَعُ التصور صحة أو فسادا ، فإذا صحت الآلة لم يَتَخَلَّفِ العمل الظاهر ، بقيد المشيئة الإلهية النافذة فكل مشيئة لها تبع ، فإن لم يشأ الرب ، جل وعلا ، لم يسدد الناظر أن يَنْهَجَ الحق في التصور ، وقد يحصل له التصور ولا تحصل له الإرادة الجازمة فيضعف عن الفعل ويقصر ، وقد تحصل الإرادة ولكن الآلة فاسدة أو ضعيفة لا تَقْوَى أن تفعل ، فلا بد من صحة التصور ، وجزم الإرادة ، وصحة الآلة ، فتلك شرائط رئيسة في أي فعل ، إذ الْفِعْلُ المختار لا يصدر على جهة الاضطرار ، فالإنسان فاعل بالشعور والإرادة لا الطبع والجبلة ، وإن كان ثم من حركات بدنه ما يقع اضطرارا كحركات القلب والمعي .... إلخ ، فَتِلْكَ لا تكليف بها ، ولا ثواب ولا عقاب عليها إذ لا يطيقها بشر ، فضلا أن معنى التعبد فيها غير حاصل ، فهي من أفعال الجبلة التي يشترك فيها جميع البشر ، فَمِنْ أفعال الاختيار ما يقع اضطرارا ، ومنها ما يقع اختيارا كالطعم والشرب والنكاح ، فالمدح إنما يكون بأفعال الاختيار التي تصدر من تصور وعلم سابق ، ثم مشيئة وإرادة ، وإذا كان ذلك كمالا مطلقا في حق البشر ، فهو في حق رب البشر ، جل وعلا ، كمال من باب أولى ، فإن خالق الكمال أولى به ، فأفعال الرب ، جل وعلا ، أفعال قُدِّرَت في الأزل بالعلم الأول ، ثم شاءها الرب ، جل وعلا ، فهو فاعل بالعلم والحكمة والقدرة والإرادة ، لا فاعل بالطبع ، فهو فاعل بالوصف الذي تظهر آثاره في الكون بِكَلِمَاتِ التَّكْوِينِ النَّافِذَةِ ، فعلة هذا الخلق هو ما وجب بالمشيئة النافذة ، فهو ، تبارك وتعالى ، موجب بوصفه الفاعل ومشيئته النافذة ، فليس موجبا بالطبع أو الذات كما زعم الفلاسفة الذين عَطَّلُوا فِي بَابِ الأسماءِ والصفاتِ وقصروا في باب الربوبية والخلق ، وذلك لازم التعطيل في الوصف والفعل ، إذ الربوبية : اختراعا وعناية ، خلقا وتدبيرا ورزقا ..... إلخ ، كل أولئك آثار الأسماء والصفات ، فالأسماء أعلام على الذات الإلهية ، وأوصاف اشتقت من مصادرها ، فهي مشتقة من جهة المقابلة اللفظية ، فالاسم المشتق يجانس المصدر الذي اشتق منه ، فذلك يجري مجرى الجناس الاشتقاقي ، فالمادة واحدة وإن اختلفت مشتقاتها ، فالخلق : مادة يشتق منها اسم الفاعل : "الخالق" ، واسم المفعول : "المخلوق" ، ومثال المبالغة : "الخلاق" ..... إلخ ، وَلِكُلٍّ دلالة تغاير الأخرى وإن اشتركت في المصدر الذي اشتقت منه ، فالخالق غير المخلوق بداهة ، فلا يشابهه كما زعم المجسمة ، ولا يخالطه كما زعم الحلولية والاتحادية ، ولا يقارنه كما زعم الفلاسفة الذين قالوا باقتران العلة بالمعلول ، وجعلوا الذات الإلهية علة صدور هذا الكون على جهة الاضطرار فَهِيَ عِلَّةٌ ساذجة بسيطة لا وصف لها ولا فعل ، فيصدر عنها المخلوق اضطرارا لا اختيارا بمشيئة نافذة ، فيجري فعلها مجرى الفعل الطبعي في النار فهي تحرق اضطرارا لا اختيارا ، فالاختيار فعل من أشعلها وأما هي فتشتعل رغما عنها ! ، فكيف يسوى الرب ، جل وعلا ، الخالق ذو المشيئة النافذة والإرادة التامة كيف يسوى بفاعل مضطر قوة الطبع فيه هي الفاعلة بلا علم أو تصور ، فوصفه دون وصف البشر الذي يفعل بالإرادة والاختيار ، فكيف يكون المخلوق الأدنى فاعلا بالاختيار والإرادة ، ولا يكون الخالق الأعلى كذلك ، فذلك ، كما تقدم ، قياس أولى ، فاتصافه ، جل وعلا ، بوصف الكمال المطلق يَثْبُتُ مِنْ بَابِ أولى .

والشاهد أن انتفاء عمل الخير مطلقا في حق آخر الناس خروجا من النار ، إما أن يحمل على الحقيقة ، فيكون ذلك من النادر الذي لا حكم له ، فضلا أن ذلك يستوجب الحكم عليه بالكفر في أحكام الدنيا ، وإن كان له من وصف الإيمان قدر ، ولو ضئيلا ، فذلك ينفعه في أحكام الآخرة ، فحاله كحال من اجتهد القاضي في تحقيق مناط الكفر في حقه ، فأقام السلطان عليه الحد ، فهو في أحكام الدنيا كافر ، وقد يكون له من العذر شبهة ، ولو ضعيفة ، فهي من التأويل الذي يرفع الحكم وإن لم يرفع الإثم فيكون ذلك ابتداء مما يدفع عنه عذاب الخلد ، فمعه أصل إيمان ، ويكون ، مع ذلك تحت المشيئة ، فَقَدْ يَغْفِرُ الله ، جل وعلا ، له ابتداء ، فيكون ثم دافع للعذاب ابتداء ، وإذ ثبت له أصل إيمان صحيح ، ولو ناقصا ، فهو يرفع العذاب بعد وقوعه ، سواء أكان ذلك بشفاعات الملائكة والبشر ، أم بشفاعة الجبار ، جل وعلا ، فهي آخر الشفاعات الَّتِي تَرْفَعُ العذاب عن آخر أهل النار خروجا منها ، وآخر أهل الجنة دخولا لها ، فلا بد من وقوع جنس الوعيد ، ولو في حق آحاد ، فذلك العدل ، وأما الفضل فهو ارتفاع الوعيد في حق آحاد ، فذلك مخصص يدفع العذاب ابتداء ، ولا يكون ذلك بداهة العذاب المؤبد فلا دافع له ، إذ أخبر ، جل وعلا ، بذلك ، فضلا أنه لازم الحكمة والعدل ، فإن الشرك أعظم الظلم فلا يحسن بداهة أن يُسَوَّى بَيْنَ الموحد الذي عدل في التصور والحكم ، والمشرك الذي ظلم فسوى بين أعظم متباينين : الإله المعبود بحق لكمال وصفه الذاتي ، وكمال فعله الاختياري ، اختراعا وعناية ، فتظهر فيها آثار القدرة والحكمة والرحمة ، فهو الذي أحسن إلى عِبَادِهِ بلا سابق يد ، وهو المستحق للعبادة والتأله وإن لم يحسن إلى عباده لكمال وصفه الذاتي ، فكيف وقد أحسن إليهم وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة جميعا ، فقياس الأولى ، وهو من عمد الاستدلال الرئيسة في هذا الباب ، فَقِيَاسُ الْأَوْلَى يَقْضِي أن يوحد بالعبادة والتأله ، فقد اجتمع في حقه ، كمال الذات ، وكمال الفعل بالإيجاد من العدم ، فلو اقتصر الناظر على ذلك في باب الإحسان إلى الخلق لكفى ، إذ أوجدهم من العدم ، وجنس الوجود خير من جنس العدم ، ولذلك كان الثناء في باب الإلهيات بالإثبات مقصودا لذاته ، وأما النفي فهو عدم محض ، يسلب وصف النقص من المحل فيقصد لغيره ، إذ لا يكمل الثناء إلا بإثبات كمال ضده ، فَالثَّنَاءُ لا يكون بِالْعَدَمِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ ، فلا يثنى على إنسان أنه ليس ببخيل حتى يثبت له الضد من وصف الكرم ، ولا يحسن الإطناب في النفي ، وإنما يجمل إجمالا إلا إذا كان في سياق نفي الشبهة أو رد قول باطل قد قيل وانتهى الأمر فلزم الرد ، فـ :
قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا ******* فما اعتذارك من قول إذا قيلا .
كما قالت يهود : إن الله ، جل وعلا ، قَدْ خَلَقَ السماوات والأرض ثم أصابه التعب ! ، فجاء الرَّدُّ بالنفي : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) ، فما مسه ، جل وعلا ، تعب أو فساد كما يمس البشر إذا طَالَ بِهِمُ العمل ، فَيُصِيبُهم الكلل والإعياء ، ويفسد الرأي بفساد المزاج إذا أطال صاحبه النظر والفكر ، فذلك خير يمدح به الناظر ، وَمِمَّا أُثِرَ فِي وَصْفِهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان : طويل الفكرة دائم العبرة ، ولكنه أمر لا يدوم فليس ثم إنسان إلا ويجهد عقله فيفتقر إلى الراحة والترويح ، وذلك ، بداهة ، ما تنزه عنه الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فهو نقص مطلق ، وإن كان في حق البشر كمالا من وجه فالذي ينام ويستريح خير ممن لا يغمض له جفن بأرق أو مرض أو خوف فلا يهنأ في يقظة أو نوم إذ لا عيشة لخائف وذلك مما عمت به البلوى في زماننا فاشتد الخوف وَسُلِبَ الناسُ الأمنَ بما كسبت الأيدي واقترفت الجوارح ، وذلك أمر يعم الصالح والطالح فالجميع خائف يحذر ، وأمر الدنيا قد صير الأفئدة هواء فهي تفزع لأدنى عارض من نقص في أمر الدنيا ، وذلك ما لا مندوحة عنه فهو من القدر الكوني النافذ ، فـ : (لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، فالنوم ، كما تقدم ، لا ينفك عن نقص إذ يصدر من تعب ونصب ، ولازمه الغفلة ، والله ، جل وعلا ، قد اتصف بالضد فهو القوي الذي لا يضعف ، وهو المدبر لهذا الكون فلا يفتر ، فضلا أَنْ تأخذه سنة أو نوم فمن يدبر الكون نِيَابَةً عنه ؟! ، فضلا أن يزعم من زعم ممن أصاب عقله الخطل ! ، أنه ، تبارك وتعالى ، قد قتل وصلب ثم قام بعد ذلك ، فَوَصَفَهُ بما هو أشد امتناعا من السنة والنوم فانتفاء السنة والنوم يدل من باب أولى على انتفاء ما هو أعلى من الموت ونحوه فذلك من المحال في حق ربنا ، جل وعلا ، إذ هو نقص مطلق ، فلا يوصف ، جل وعلا ، بنقص مقيد فيه وجه كمال كالنكاح والأكل والشرب فتلك صفات كمال في الجبلة الآدمية ولكنها ، من وجه آخر ، لا تنفك عن نقص ذاتي يلازمها إذ لا ينقطع افتقارها إلى المذكورات فهي السبب في حفظ البدن وحفظ النوع معا ، والله ، جل وعلا ، هو الكامل في الذات فكماله الذاتي الذي لا علة له من خارج يقابل نقص المخلوق الذاتي ، فلا علة له ، أيضا ، من خارج ، وهو الأول والآخر ، الصمد الباقي بعد فناء خلقه فما حاجته إلى النسل وقد تفرد في الوصف أزلا وأبدا ، فلا يوصف ، جل وعلا ، بهذا النقص المقيد ، فضلا أن يوصف بنقص مطلق لا كمال فيه من وجه ، كالموت والفناء ، فذلك ينتفي من باب أولى لكمال اتصافه بضده من الحياة الكاملة ، فـ : (تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ، فهي الحياة الكاملة الأزلية الأبدية التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء ولا يتخللها نقص أو مرض أو نصب أو لغوب ..... إلخ من عوارض النقص التي تلحق المخلوق ، فهو الحي الذي اتصف بكمال الحياة فدلالة : "أل" التي اتصلت بالوصف المشبه : "الحي" قد أشربت معنى الاستغراق المجازي لمعاني الكمال في هذه الحياة ، وجاء الإطناب بِنَفْيِ الضد احترازا إذ به يحصل الفرقان بَيْنَ الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فالمخلوق قد سمي حيا فهو حي بالفعل ولكن حياته دون حياة الخالق ، جل وعلا ، إذ يلحقها الموت والفناء ، فجاء الإطناب على حد الوصل فلا تخلو : "أل" في : "الحي" من دلالة وصل إذ دخلت على اسم مشتق ، فضلا عن : "الذي" فهو نص في باب الموصول ، وذلك يجري مجرى إناطة الحكم بالعلة ، فالتوكل حكم وعلته ما اشتقت منه الصلات من كمال الحياة التي انتفى ضدها من عوارض النقص فجاء الموت في هذا السياق على جهة الطباق في اللفظ بين الحياة والموت ، ولا يخلو من دلالة التزام في المعنى فمن اتصف بكمال الحياة فقد انتفى عنه ضدها من الموت ، وجاء ، من وجه آخر ، على سبيل التمثيل لوجوه النقص التي انتفت في حق الرب ، جل وعلا ، فلا يخصص المثالُ العمومَ ، إذ ذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل لا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وإنما انتفى الموت وغيره من السنة والنوم .... إلخ وذلك ما يعلم باستقراء نصوص النفي في هذا الباب وإن لم يُرَدْ لذاته فلا بد أن يشفع نفيها بإثبات كمال ضدها ، فالخالق ، جل وعلا ، قد تنزه عنها لاتصافه بكمال الضد ، من وجه ، ولِكَمَالِ المباينة بَيْنَ ذاته ووصفه ، فذلك معدن الكمال المطلق ، وذات المخلوق ووصفه ، فذلك ، في المقابل ، معدن النقص المطلق ، فَلَا تَحْسُنُ المفاضلة بين الكامل والناقص ، فمجرد الاقتران بينهما في الذكر حط من شأن الفاضل ، فهل من المدح أن يقول قائل : إن الخالق ، جل وعلا ، خير من المخلوق ! :
ألم تر أن السيف ينقص قدره **** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

ولذلك كان الصحيح في تأويل قوله تعالى : (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) ، أن دلالة التفضيل منزوعة فلا وجه مطلقا أن يفاضل في الخيرية بين رب البرية ، جل وعلا ، والمخلوقات الحادثة ، فكيف يفاضل بين الأول الأزلي ، الآخر الأبدي ، الكامل في الوصف الذاتي والفعلي ، كيف يفاضل بينه وبين المخلوق الناقص ، وقد يقال إن ذلك من باب التنزل مع الخصم إذ فسد تصوره فَأَشْرَكَ مع الله ، جل وعلا ، غَيْرَهُ من الآلهة الباطلة ، فسوى بين أعظم متباينين ، وذلك من فساد القياس وبطلانه بمكان لا يخفى فهو من آكد الضرورات العقلية التي لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، وذلك أمر يعم سائر وجوه الشرك ، الشرك في الربوبية ، كمن اعتقد في هذا الكون أربابا غير الله ، جل وعلا ، قد فوض الرب القدير الحكيم ، تبارك وتعالى ، إليها أن تدبر أمر هذا الكون ، أو بعض أمره بما لها عنده من جاه ! ، فذلك ، أيضا ، من القياس الفاسد في باب الشفاعة ، إذ قيست شفاعة الملائكة والنبيين عند الله ، جل وعلا ، على شفاعة المتزلفين عند الملوك ، فالملوك تَفْتَقِرُ إليهم أن ينصروهم بالقول والعمل ، فَيُعَاوِنُوهُم في تَثْبِيتِ أركان ملكهم ! ، فيضطر الملك أن يهب الشافع بعضا من التصرف إذ له جاه وسلطان ، فيحكم الشافع بهذا الجاه فهو ينازع الملك بعض التصرف وإن كان دونه ، وهل ذلك إلا عين الشرك إن أطلق في حق الرب ، جل وعلا ، وإن كان أولئك الشركاء تحته فقد وكل إليهم بعض وجوه التصرف في الكون ! ، فالشرك لا يقتضي التسوية من كل وجه ، وإنما يحصل بالتسوية في بعض الوجوه سواء أكان ذلك في الربوبية أم في الإلوهية ، وسواء أكان ذلك في العبادة أم في الحكم ، فثم شرك في الباطن ، توكلا واستعانة .... إلخ ، وثم شرك في الظاهر ، في القول ، سواء أكان أكبر كالحلف بغير الله ، جل وعلا ، إن اعتقد أن للمحلوف قدرا يعظم قدر الرَّبِّ المعبود ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أم أصغر كالحلف بغير الله ، جل وعلا ، إن لم يعتقد ذلك ، فلا يَخْلُو من غُلُوٍّ في المحلوف ولكنه لا يبلغ حد الشرك الأكبر ، وثم شرك في الظاهر في العمل ، كصرف وجوه العبادة المعهودة ركوعا وسجودا ..... إلخ لغير الله ، جل وعلا ، وثم شرك في الطاعة في التحليل والتحريم وذلك مما عمت به البلوى ، غلوا في الأحبار والرهبان ، وما يضاهيه الآن من غلو في وضاع القوانين المحدثة التي تخالف الشرعة المنزلة ، إما في مصادر الاستمداد الكلية أو في بعض التشريعات الجزئية في المعاملات أو الجنايات ..... إلخ ، فثم حضارة تأرز إلى الوحي في الاستمداد والاستدلال في كل دقيق وجليل ، فهي تتأول العموم في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، وثم حضارة تأرز إلى العقل أو الذوق أو أي مرجع ذاتي فهي تجحد المرجع المتجاوز من الخارج من شرع ربنا ، جل وعلا ، النازل ، فكيف تلتقيان ، والأولى على رسم التوحيد في الطاعة والتشريع ، فهي تَنْهَجُ سبيل الرسالة في التصور والإرادة والحكم الظاهر ، سواء أكان قولا أم عملا ، فعلا أم تركا ، عبادة أم حكما أم سياسة أم رياضة وذوقا .... إلخ ، فكل أولئك لا يستقيم إلا أن يجرى على سنن الوحي المحفوظ في الكتاب المسطور ، والثانية على ضدها قد خالفت الشريعة في الأصل فضلا عن جملة من المناقضات في الفروع إذ تحكم بالهوى والذوق فهو مستندها في إباحة ما استحسنت ولو قبحه الوحي وحرمه ، وحظر ما استقبحت ولو حسنه الوحي وأوجبه ، فهي تضاده بل وتناقضه في الأصل فكيف يجتمعان في إهاب واحد ، وهل ذلك إلا ما يرى الآن في وجوه من التجديد ، زعم أصحابه أنهم يجتهدون قدر استطاعتهم أن يُقَرِّبُوا الحق من الباطل فالحق هو الذي ينتقص منه إرضاء لخصومه ، فتجد من التأويلات والتخريجات المتكلفة في تفسير الآيات وتعطيل الشرائع باسم المصلحة تارة ، وباسم الحاجة والضرورة أخرى ، مع امتناع الرخصة التي تجيز ذلك ، فليس إلا تصيد الشبهات بل واختلاقها من العدم بقياس عقل وذوق نفس وإن شئت فسمه هوى يحسن ما استقبح الوحي ، ويقبح ما حسنه ، وإن وافقه فاتفاقا بلا مواطئة أو تقصد ، فذلك آخر ما يسعى فيه العقل والذوق إذ خرجا عن سلطان الوحي ، فطغيا في التأويل والتشريع إذ ظنا الغنى بأسباب متوهمة تحصل بها الهداية والسداد وإن نَهَجَا نَهْجًا يخالف نهج الحق والرشاد ، نهج الوحي ، فهو ، كما تقدم مرارا ، العاصم في النظر والاستدلال ، في التصور والحكم .

فكل ما تقدم من صور الشرك الصريح ، وفيه التسوية بين أعظم مُتَبَايِنَيْنِ ، وذلك من قبح القياس بمكان ، فكذلك الجزاء عليه ، فيقبح في القياس الصريح أن يسوى بين الموحد الذي أخلص توحيده لرب العبيد ، تبارك وتعالى ، والمشرك الذي أشرك به غيره ، إن في التصرف الكوني وإن في الحكم الشرعي ، فمقتضى الحكمة والعدل أن يسوى بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين ، ولا أعظم في الخلاف ، من الخلاف بين الموحد والمشرك ، فالحكمة تَقْضِي أن يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا في الحكم والجزاء كما افْتَرَقَا في الوصف والفعل ، والعدل يقضي ألا يسوى بينهما ، فالعدل وضع الشيء في موضعه وإعطاء كُلٍّ ما يستحق لا التسوية مطلقا مع اختلاف الوصف والحال ! ، وزد عليه الخبر الصادق الذي أخبر أن الشرك الأكبر لا يغفر أبدا ، فعذابه العذاب الدائم السرمدي ، فما له من دافع أبدا ، فالعموم في الآية في هذا الموضع محفوظ ، خلافا لدفع العذاب المؤقت الذي ثبت بالنص في حق مرتكب الكبيرة ، ووجب باعتبار الجنس لا الآحاد ، فجنس من ارتكب الكبيرة سوف يعذب قطعا فذلك لازم الإخبار بالوعيد وإلا كان كذبا وعبثا ، ولكن آحاد منهم سوف يدفع عنهم العذاب بما تقدم من موانع نفاذ الوعيد فضلا أن كل من دخل منهم النار ، ومعه أصل الإيمان ، فسوف يرفع عنه العذاب ، فكبيرته لا تنقض أصل الإيمان وإن نقضت كماله الواجب ، فرفع عنه بالشفاعة ، فهي ثابتة في حق عصاة الموحدين ، ثم بشفاعة الجبار آخر الأمر وذلك ما ثبت بالخبر الصحيح الصريح الذي بلغ حد التواتر المعنوي فهو يفيد العلم القطعي بذلك وإن أنكره من أنكره من الخوارج والمعتزلة ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، من شؤم الإعراض عن السنة ، إما بالتضعيف لما صح ، أو ردها في باب دون آخر بحجة أنها آحاد لا تفيد العلم القطعي فلا يحتج بها في الأمر العقدي وإن جاز الاحتجاج بها في الأمر الشرعي ! ، في تفريق آخر بين متماثلين ! ، أو تأويلها بما يوافق هوى المستدل الذي اعتقد أولا ثم راح يفتش في النصوص عما يؤيد قوله ومعتقده ! .

والله أعلى وأعلم .