اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الفطرة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:34 AM

    المشاركات
    4,891
    العمر
    41

    الفطرة

    فطرة التأله تقضي أن يعبد كل إنسان إلها يعتقده حقا ، فهو قوة عليا لها من وصف الكمال : كمال الذات فلا يعلل ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلى سبب من خارج ، كما هي الحال في الإنسان المخلوق المحدث فإن فَقْرَهُ الذاتي يوجب افْتِقَارَهُ إلى الأسباب فإنه لا يَنْفَكُّ في كل حال يحتاج من يَرْعَاهُ ويسدده إلى الحق وَيُعِينُهُ على سلوك جادته ، فلا بد من قوة عليا تتصف بالكمال الذاتي عند عابدها وإن لم تكن كذلك في نفس الأمر فذلك فرقان التصور الصحيح من الباطل وذالك إنما يرجع إلى مستند الإنسان في الاستدلال من فطرة لم تتبدل ووحي لم يحرف ، فوصف الذات يقارن الذات فَلَا يُبَايِنُهَا ، فلا تتصور الذات إلا به ، فإذا ارتفع ارتفعت الذات ، فإذ حصل هذا الافتقار الجبلي في النوع الإنساني ، مهما أظهر الإنسان من رسوم الغنى فليس ذلك إلا دعوى يكذبها شاهد الحال والحس ، فإنه لا بد أن يتوجه بالدعاء إلى إله يعبده ، فيصلي له صلاة الافتقار والحاجة ، فهو يفتقر إليه أن يمده بأسباب الدنيا ، وهو ، من وجه آخر ، يجد حاجة مركوزة في النفس أن يتأله ويتدين بأي دين ليشبع جوعة النفس التي لا تسكن إلا أن تتعبد فتلك فيها غريزة ترجح غرائز الحس من طعام وشراب ونكاح ....... إلخ ، فلا بد أن تدعو إلها ، وذلك أمر قد جرب بالحس فإن إجابة الدعاء وما يكون منه من آثار في الكون ، بالنفع أو الضر ، بالإنجاء أو الإهلاك ..... إلخ من أفعال الربوبية ، كل أولئك مما أجمع عليه عقلاء الأمم ، وإن أشركوا ، فـ : (إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) ، وذلك شرط حد على جهة الكثرة فذلك من إقامة الحجة الصحيحة إذ يَتَكَرَّرُ ، فيدعون الإله الحق ، جل وعلا ، إذ يعلمون أنه لا مُؤَثِّرَ في الكون إلا هو ، وإنما أشركوا به في التأله لحظ نفس ، فليس إلا استحسانا واستقباحا بالعقل ، فيخلصون في العبادة والطاعة ، فتلك حال تعرض في أوقات الشدة دون أوقات الرخاء التي يغلب على الناس فيها الغفلة والنسيان ، فليس الإخلاص في دعائهم صفة تدوم ، فحسن إِيرَادُ الوصف على حد الحال العارضة لا الصفة الثابتة التي تقارن الموصوف فلا تنفك عنه ، والإخلاص مئنة من النصح ، فَيُجَرِّدُ العامل أو الداعي عمله أو دعاءه من شَوَائِبِ الشرك ما ظهر وما خفي ، وثم طباق ولو باللازم بين الفلك والبر ، فإن الفلك تجري في البحر ، فحصل الطباق بالإيجاب بين البحر وهو مظنة الهلكة والبر وهو مظنة النجاة ، فَلَمَّا ، وَدِلَالَتُهَا دلالة التَّوْقِيتِ ، حصلت النجاة رجع القوم إلى سابق العهد ، وتلك حال تثير في الناظر العجب ، فحسن إيرادها على حد المفاجأة ، فتلك دلالة "إذا" الفجائية ، وليس ذلك ، بداهة ، في حق الله ، جل وعلا ، فَهُوَ يَعْلَمُ السر وأخفى ، وهو يعلم ذلك في الغيب قبل أن يصير حقيقة في الشهادة ، ودلالة المضارعة في : "يُشْرِكُونَ" مئنة من الديمومة والاستمرار ، فالحال يلائمها المضارعة ، ولا يخلو الأمر من اسْتِقْبَالٍ فَيُدَاوِمُونَ على الشرك بعد أن حصل لهم توحيد عارض في الدعاء وهو مئنة من توحيد ضروري في النفس وإن جحده من جحد ، فتلك دلالة الفطرة على وجود رب قدير يوجد الأسباب بالمشيئة ويجريها بالحكمة ، فاجتمع في هذا الموضع : دلالة الفطرة التي أرشدتهم وإن جحدوا وأنكروا أن يتوجهوا بالدعاء إلى الرب ، جل وعلا ، فيلجأون إليه وحده حال الشدة ، ويشركون به حال الرخاء ، ودلالة الحس فإجابة دعائهم وإنجائهم إلى البر دليل آخر عاضد على وجود الرب الخالق ، تبارك وتعالى ، فإنهم لا بد أن يتوجهوا إلى إله يدعونه ، فإن لم يتألهوا للإله الحق تألهوا لغيره ، والدعاء من آكد صور العبادة ، وأثره في حصول النفع وكشف الضر ظاهر ، حتى عند الفلاسفة الذين جردوا الذات من أوصافها فعطلوا في الإلهيات تعطيلا عاما ، فليس الإله إلا ذاتا مطلقة ، ومع ذلك فتأثيرها في الكون عندهم ثابت إن في خلق الكون ، وإن ضلوا أيما ضلال في عِلَّةِ خلق الكون ، ولكنهم أثبتوا لهذه الذات المجردة تأثيرا في خلق الكون ، وأثبتوا للأفلاك المؤثرة إذ أشركوا في باب الربوبية ولازمه الإشراك في الألوهية فلما كانت هذه الأفلاك مؤثرة في الكون بالنفع والضر ، فالكائنات تتحرك تبعا لها إذ تجتهد أن تَتَشَبَّهَ بها ، فصار للنجوم والأفلاك تأثير في الكون ، ولازمه الإشراك في التأله بدعائها ، فلسان مقالهم كما ينقل بعض المحققين : "ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات" ، فذلك في حد ذاته إثبات لمعنى التأله الذي جبل عليه الإنسان فلا بد أن تتحرك النفس بما جبلت عليه من الحياة والحس والحركة الإرادية ، فلها إرادة واختيار وجودي ، فلا عدم في المحل ، فإن اختار الترك فلازمه أن يَتَلَبَّسَ بضد المتروك أو غَيْرِهِ ، إن كانا ضدين يرتفعان ، أو نقيضه إن كانا لا يرتفعان ، كالإيمان والكفر في الباطن ، والحركة والسكون في الظاهر ، فليس ثم قسيم ثالث ، فَكَذَلِكَ الشأن في التأله والعبادة ، فإما الإيمان بالإله المعبود بحق على وجه صحيح ، وإما الإيمان بآلهة الباطل ، فإما تجريد التوحيد لرب العبيد تبارك وتعالى ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا باقتفاء آثار الرسالة ، فلا معبود يستحق العبادة والتأله إلا الرَّبُّ الخالق المدبر ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، ولا يعبد إلا بما شرع على ألسنة رسله ، ولذلك كانت الصلاة ، وهي من الشعائر التي حدها التَّوْقِيفُ ، كانت مما يجب فيه الاتباع ، فلا يجوز فيها الابتداع بما يستحسن العقل أو يستقبح ، أو بما تجد النفس من ذوق ، فكل ذلك حظ نفس إلا ما ولج صاحبه باب الوحي ، فاتبع الرسالة في الفعل والترك ، فذلك مدلول الإطلاق في قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فيعم الاتباع الباطن في التصور والعقد والإرادة والحب والبغض .... إلخ من الحركات الاختيارية الباطنة ، ما كان منها تصورا للحقائق وما كان منها تصديقا فهو حكم يتبع التصور ، فلا يكون حكم على شيء إلا أن يتصوره العقل ، فإن تصوره صحيحا كان الحكم صحيحا ، وإن تصوره باطلا كان الحكم باطلا ، فالحكم يطرد وينعكس ، فإذا حصل التصور في القلب ، سواء أكان :
    التصور الضروري الذي لا يحتاج إلى نظر ، كتصور الواحد والاثنين ، وتصور التوحيد فهو من آكد العلوم الضرورية ، فلا يفتقر إلى نظر إلا عند من فسدت فطرته ، فإنه ينظر حتى يحصل له اليقين ويزول عنه الشك ، فَلَا يَتَقَصَّدُ النَّظَرَ فِي أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ إذ ذلك من السفسطة في الاستدلال .
    أم التصور النظري الذي يفتقر إلى الاستدلال بترتيب مقدمات ضرورية تفضي إلى ناتج نظري ، إذا حصل هذا التصور حصل الحكم الباطن ، فإن الإنسان إذا هدي وسدد أن يسلك سبيل الفطرة الأولى في التوحيد فجمعت له دلائل الربوبية : الشرعية والعقلية والفطرية والحسية ، فهو يَتَدَبَّرُ في آي الكون فيحصل له يقين ثان يواطئ يقين الفطرة الأولى أن لا رب يخلق ويدبر إلا واحد في الذات والوصف والفعل ، قد ثبت له الكمال أزلا وأبدا ، فيفضي به ذلك إلى حكم ضروري أن لا إله يستحق العبادة إلا هو ، فَيُخْلِصُ لَهُ عُبُودِيَّاتِ الباطن والظاهر ، فالنظر ينتفع به في التصورِ والحكمِ فيما يحتاج إلى نظر ابتداء ، وأما الضروري فلا ينفع فيه النظر إلا أن يكون مصدقا للفطرة الأولى مبينا لما أجمل منها بالاجتهاد في النظر في آي الكون فذلك يؤيد خبر الربوبية ، ويجتهد في المقابل في النظر في آي النبوة التي جاءت بما يفصل إجمال التوحيد والتشريع ، فذلك يؤيد حكم الألوهية ، فذلك القياس الصريح إذ التمانع في الربوبية فلا رب خالق إلا هو ، تبارك وتعالى ، يستلزم التمانع في الألوهية فلا معبود بحق إلا هو ، عز وجل ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا باقتفاء آثار الرسالة ، فهي التي خطت طريق الهداية ، بيانا وإرشادا ، فجاءت بما يواطئ الفطرة الأولى قبل طُرُوءِ التبديل ، وجاءت بما يكمل الفطرة من الأحكام العادلة والأخلاق الفاضلة التي توافق استحسان العقل الصريح فَلَهُ قُوَّةٌ أن يحسن ويقبح ، ولكنها لا تصلح مناطا للوعد والوعيد ، فذلك مما لا يثبت إلا بخبر الرسالة ، فضلا أن إدراك العقل إدراك مجمل لا ينفك يفتقر إلى بيان الرسالة فَلَهَا دَوْرٌ أن تُقَوِّمَ الفطرة إذا اعوجت ، وأن تُبَيِّنَ ما أجمل منها ، فَلَا تَنْفَكُّ فطرة العقل في التصور تفتقر إلى أخبار الرسالة ، وَلَا تَنْفَكُّ فطرة العقل في الحكم تفتقر إلى أحكام الرسالة ، فالنظر العقلي لا يحسن ، كما تقدم ، إلا تأييدا لما ركز في الفطرة من توحيد وما أيدته النبوة بأخبارها الصادقة ، وما ركز فيها من عدل وما أيدته النبوة بأحكامها العادلة ، فضلا أنه يجتهد في النظر اسْتِنْبَاطًا للأحكام من النصوص بما أُوتِيَ من آلة نطق صحيحة فَيَجْتَهِدُ في إدراك دلالات الألفاظ ومناطات الأحكام ليقيس عليها ما استجد من نوازل ، فيجتهد في التصديق والتبيين فلا يكون حظه من ألفاظ الرسالة أماني لا تنفع ، وإنما يتعبد باللفظ والمعنى جميعا ، فهو يتلو اللفظ تعبدا ، ويتلو المعنى تدبرا وَتَنَسُّكًا ، فذلك حق التلاوة في قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) ، فجاء النائب عن المصدر مُبَيِّنًا للعامل ، فالتلاوة مئنة من الاتباع ، وذلك لا يكون إلا بالاتباع في القراءة بأداء اللفظ كما نَزَلَ وَنُقِلَ فإسناده قد تَوَاتَرَ واتصل ، وأداء المعنى كما بُيِّنَ ، والرسالة قد استوفت الشطرين : البلاغ والبيان جميعا فحصلت بها الكفاية في تلاوة الألفاظ والأحكام جميعا .

    والشاهد أن النظر العقلي يصح في أحوال :
    فيصح استدلالا للرسالة ، فالعقل يجتهد في إقامة الدلائل الصحيحة الصريحة السالمة من المعارضة على صدق الرسالة الخاتمة ، وذلك من أنفع ما يشتغل به العقل النظري فهو يواطئ ما ركز في العقل الضروري الفطري ، فلا تجد حرجا في تصديق أخبار الرسالة ، ولا تجد حرجا في امتثال أحكامها ، فهي مما وافق الفطرة الأولى ، فذلك تأويل الأمر في قول الرب جل وعلا أن : (أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك ، أيضا ، من إخلاص الدين ، إذ يقيم الوجه له ، وذلك الإيجاب ، ويميل عن ضده وهو الشرك ، وذلك السلب ، فهو حنيف إلى التوحيد حنيف عن ضده ، وذلك لازمه في النقل والعقل جميعا ، فهو يوجب التأله لله ، جل وعلا ، وحده ، ويوجب سلبه عمن سواه من الآلهة الباطلة ، فكماله الذاتي الذي لا يعلل علة صحيحة في إيجاب التوحيد ، ونقصها الذاتي الذي لا يعلل في المقابل علة صحيحة في تحريم الشرك ، فالحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ، فإذا وجد الكمال الذاتي الذي لا يفتقر إلى سبب وجد التوحيد ، وإذا انتفى ووجد ضده انتفى التوحيد وصار صرف شيء من العبادة دعاء أو صلاة ..... إلخ ، صار شركا محرما ، فالأمر بالتوحيد والميل إليه حنيفا ، يستلزم في النقل والعقل والفطرة جميعا النهي عن الشرك والميل عنه حنيفا ، فالحنف مئنة من الميل المطلق ، وهو مما يقع فيه الاشتراك على جهة التضاد ، فيدل على المعنى وضده ، وذلك إجمال يَزُولُ بالتقييد بالحرف ، فإذا عدي بـ : "إلى" كان مئنة من القرب ، وإذا عدي بـ : "عن" كان مئنة من البعد ، والسياق هنا يشهد لكلا الوجهين إذ هما ، كما تقدم ، متلازمين ، فالحنف إلى التوحيد يستلزم الحنف عن الشرك ، وذلك مما يشهد لمن جوز دلالة المشترك على كلا وجهيه ولو في سياق واحد فيستغرقهما على جهة الشمول وذلك خلاف الأصل لا سيما في الأضداد فإن ثبوت أحدها يقضي ضرورة بارتفاع الآخر فلا يجتمعان في محل واحد في آن واحد ، فاجتمع المعنيان في سياق واحد إذ لا تعارض بينهما في المعنى المقيد ، وإن كان ثم تضاد بالنظر في المعنى المطلق ، القرب والبعد ، ولكن القيد ، بالقرب من الحق وما يلزم منه من البعد عن الباطل سوغ دلالة اللفظ على كلا الوجهين ، فتلك فطرة التوحيد ، كما تقدم ، والتي لا تنفك تفتقر إلى الرسالة توكيدا للأصل وتأسيسا للبيان الذي لا يدركه العقل ، وإن كان له حظ مجمل من النظر في التحسين والتقبيح ، فلا ينفك يفتقر إلى بيان الوحي ، فضلا أن يضل بالتبديل فتأتي النبوة بالتعديل .
    ويصح استدلالا في البيان ، إذ للعقل منه حظ ، لا سيما في موارد التعليل الصحيح فهو يجتهد في إدراك المناط بالتنقيح أو التخريج ثم هو يجتهد في تحقيقه في الخارج .

    ويصح النظر في وجه ثالث يطرأ ، إذا ورد شك فهو يدافعه بالذكر والاستغفار ، فـ : "إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»" ، ويجتهد أن يدفعه بنظر صحيح يُزِيلُ ما يجد من شك فلا يشك ابتداء إذ ثم يقين أول : يقين الفطرة فلا يزول بالشك الطارئ ، فلا حاجة لمن حصل له اليقين أن يخادع نفسه باسم التجرد والموضوعية في البحث ، فينكر ما استقر في وجدانه ضرورة ! ، فهبه ، كما يقول بعض المحققين ، يستطيع أن يتجرد من الموروث الديني ، وليس بمستطيع إلا أن يكون مبغضا جاحدا فافتقد شرط التجرد الذي يزعمه فما ذلك إلا غطاء لما يحمله في نفسه من إحن وحقد على الوحي وإن كان من أبنائه فقد فتن بأضداده فكيف يحكم بموضوعيته وقد صار خصما ؟! ، فهبه على سبيل الفرض والتنزل مع المخالف ، هبه يستطيع التجرد من الموروث الديني فينسلخ من الدين ويتجرد من الهوية فلا يزيده ذاك إلا ضياعا يفرح به الخصم الذي استدرجه إلى هذا الفخ وباع عليه بضاعة كاسدة فصار يروج لها بلسانه فقال أستاذه يوما يتهكم : هذه بضاعتنا ردت إلينا ! .
    فلم يزد إلا أن خرج عن تقليد الوحي إلى تقليد أعدائه فلم تحصل له الموضوعية التي يزعمها فإنها تقضي أن يتجرد من قول الوحي ومن قول خصومه لا أن يتجرد من الوحي وينطق بحجة خصومه ! ، فهبه استطاع ذلك ، أفيسعه أن يَتَجَرَّدَ من الموروث اللغوي ، وهو عند التدبر والنظر ، لسان دينه الذي به ينطق إذ اختلط بلحمه وعصبه ومازج دمه فهو آلة النطق التي تبين ما استقر في الوجدان والشعور وما جبل من الأخلاق وعرض من الأحوال ، فذلك التجرد المزعوم : منهاج يخالف المنقول والمعقول جميعا ، ويخالف ما جبل عليه البشر فلا يوجد حياد تام يجعل الفؤاد هواء لا شيء فيه ! ، فذلك ، كما تقدم ، خلاف ما جبلت عليه النفس ، التي خلقت حساسة متحركة بالإرادة ، فإن لم تشتغل بالحق اشتغلت بضده ، فهي كالرحى التي تطحن ما يلقى بَيْنَ شقيها فإن ألقي حب أنتجت طحينا ينفع ، وإن ألقي حصى أنتجت تُرَابًا لا ينفع ! ، وليختر كل إنسان لرحاه ما تطحن ، فمن واطأ الفطرة الأولى : (فِطْرَتَ اللَّهِ) ، التي نصبت على حد الإغراء بالتزامها إما بتقدير فعل كـ : "الزموا" ، أو اسم فعل كـ : "عليكم" ، فمن سدد وأعين أن يواطئها فنظر في الوحي فطحينه نافع مريء وإن ثقل على النفس بما جبلت عليه من الرُّكُونِ إلى الدعة والترف والميل إلى الشهوات وحب الظهور فلها فيه حظ الرياسة ولو بابتداع ما لا يعرف فهو منكر في الدين والعرف كسائر المقالات المحدثة التي لا تَنْبَنِي عند التدبر والنظر إلا على محض أوهام ! فليس ثم إلا فُرُوضٌ عقلية ، غايتها أن تكون من الجائز الذي يفتقر إلى مرجح من خارج ، سواء أكان ذلك في الإثبات أم في النفي ، فلا مستند لها ، عند التدبر والنظر ، فليست إلا دعوى تفتقر إلى الدليل فيكفي في إبطالها رد الدعوى بمثلها فإن ادعى الثبوت بلا دليل فيكفي أن يُدَّعَى عليه النفي بلا دليل أيضا ! ، ويعجب الناظر ، كما يقول بعض المحققين ، أن نشأت بدع في الدين والأدب من محض فروض عقلية صيرها أصحابها نظريات قطعية وليس لها أي مستند بل إن الأدلة الصحيحة الصريحة تشهد بضدها ، وذلك ، أيضا ، من موضوعية البحث التي سرت في الأوساط الفكرية المتأخرة لما فتنت بمناهج الآخر ! ، فصارت تقتفي آثاره وتجتهد في إرضائه بمتابعته في كل موضع ، فهي تردد كلامه في تقليد مذموم وإن اتشحت بثوب التجديد في الآداب والفنون ، فلم تصنع شيئا إلا أن خرجت عن تقليد الوحي المعصوم والتراث المحقق إلى تقليد غيرهما من كلام البشر الموضوع ومذهبه المنحول الذي لا نسبة له صحيحة فهو لقيط هجين من مذاهب شتى لا يمتد نسبه إلى قول صحيح أو مذهب شريف ، فأين التجديد في قول هو عين التقليد ؟! ، وأين العقل في ترك التقليد للأعلى والسعي في تقليد الأدنى ، وهل ذلك إلا محل الإنكار والذم في حق من تقدم من الأمم : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ، فتوجه الإنكار إليهم في أمر المطعم والمشرب وغايته أن يقيم الأبدان ، فكيف بأمر الوحي وهو الذي يقيم الأديان ، وحياة القلب أشرف بداهة من حياة الجسد ، فيتوجه الإنكار إليه من باب أولى ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، خروج عن الفطرة والعقل ، بل قلب لقياسه الصريح الذي يقضي أن يستبدل ما هو أعلى بالذي هو أدنى ، فضلا أن يكون خروجا عن الشريعة والوحي ، فمن نظر في نصوص الأخبار والأحكام ، فطحينه ، كما تقدم ، نافع مريء وإن ثقل ابتداء فعاقبته الخير ، ومن نظر في غيره فطحينه ضار وبيء وإن خف ابتداء فعاقبته الشر ، والعاقل ينظر في العواقب ولا يغتر بالعاجل ، كما يغتر أصحاب المذاهب المحدثة فهم فرحون بما استحسنوا واستقبحوا بعقولهم قد أصابهم العجب أن تشدقوا في اللفظ وتفيهقوا ، وكثير من الناشئة يغتر بهم إذ يروم الخروج عن التقليد فلا عقل له قد نضج لينظر ما ينبغي هجره من تقليد الآباء ، وما ينبغي اقتفاؤه من الحق القديم الذي يفتقر إلى تجديد أقواله وأحكامه لا طمس آثاره ، كما يروم من يروم اليوم باسم التجديد الزائف فهو انتكاسة في الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها وأمر أن تحفظ فلا تبدل ، فدلالة الخبر : (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) دلالة الإنشاء ، و : (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ، ودلالة الإشارة بالاسم الدل على البعيد : "ذلك" مع انقضاء الكلام قَرِيبًا هو مما أُثِرَ في لسان العرب المنقول وله دلالة في المعقول فذلك من التنويه بالفطرة والإشادة بأمرها فأشير إليها إشارة البعيد تعظيما وتشريفا فمنزلتها منزلة رفيعة فضلا عن دلالة القصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر حقيقي إذ إقامة الوجه للدين حنيفا هي الدين القيم الذي لا يقبل الله ، جل وعلا ، دينا غيره ، فبه يحصل القدر الواجب من الإيمان وهو ما يستغرق جميع الأحوال الباطنة والأقوال والأعمال الظاهرة ، وذلك أمر يَعُمُّ إذ أطلق العامل فَأَفَادَ إقامة الوجه في كل أمر ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، ما لا يكون إلا باقتفاء آثار الرسالة ، ، فضلا عن دلالة : "أل" في الدين فهي مئنة من العموم فيستغرق اللفظ جميع موارد الطاعة والخضوع ، ما بطن منها عقدا وإرادة ، وما ظهر منها قولا وعملا ، فعلا وتركا .

    والله أعلى وأعلم .

    يتبع إن شاء الله .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:34 AM

    المشاركات
    4,891
    العمر
    41

    ومن دلالات الفطرة في الخلق ، فهي تندرج في فطرة التكوين ، فطرة الله ، جل وعلا ، التي فطر الماء عليها ، فـ : "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" ، وثم تخصيص في خبر آخر ، فـ : "لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِلَّا مَا غَيَّرَ رِيحَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ" ، وألحق بالريحِ والطعمِ اللونُ ، وهي زيادة تكلم فيها أهل الشأن وإنما ارتقت إلى مرتبة الاحتجاج أن أجمع الفقهاء على العمل بها ، كما حكاه ابن المنذر ، رحمه الله ، في "الإجماع" ، ودلالة : "أو" : دلالة التقسيم ، فهي تَسْتَغْرِقُ أوصاف الماء التي يدركها الحس فهو آلة يحقق بها مناط الحكم ، وقد صَدَّرَ الخبر : "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" ، بمحمول يواطئ الموضوع ، كما يقول المناطقة ، فالموضوع هو المحكوم الذي ابتدئ به الكلام وأسند إليه الخبر ، والمحمول هو الحكم الذي أسند وأخبر به فهو ينطبق على كل أفراد الموضوع ولذلك كان الحمل فيه على جهة المواطأة ، وهو يتوجه إلى الجنس فجنس الماء الباقي على أصل فطرته فلم يتبدل ، جنسه : طهور ، ودلالة : "فعول" ، مئنة من الطهارة ، فهو : "طاهر" ، وذلك وصف مشبه وهو مئنة من لُزُومِ الوصف لِلْمَوْصُوفِ فَتِلْكَ حَالُهُ بأصل خلقته ، إذ خلقه الله ، جل وعلا ، طاهرا في نفسه ، وهو ، من وجه آخر ، مُطَهِّرٌ لغيره ، فتلك دلالة الاشتقاق من الفعل المضعف ، فطهر بلا تضعيف مئنة من اللُّزُومِ في الفعل فَلَا يَتَعَدَّى فِي اللَّفْظِ فهو من أفعال السجايا والأوصاف الملازمة للموصوف ، ولا يتعدى في الأثر فلا يطهر غيره ، بل طهارته تلازم ذاته ، وأما طَهَّرَ المضعف فهو مئنة من التعدي في اللفظ ، إذ الفعل اللازم يتعدى بالتضعيف ، كخرج فإنه إذا ضعف أوسطه تعدى بنفسه ، وكذلك إذا دخلت عليه همزة التعدية ، فيقال : أخرجت فلانا من الدار ، فتعدى بنفسه بلا واسطة ، في اللفظ ، وتعدى في الأثر ، فكذلك التضعيف في طَهَّرَ فهو مئنة من التطهير ، وذلك فِعْلٌ يَتَعَدَّى إلى المطهَّرِ ، وتلك خاصة الماء الطهور ، فهو طاهر لازم في نفسه ، مطهِّرٌ مُتَعَدٍّ إلى غيره ، ومن ثم جاء الإطناب في الوصف ، فهو يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التفسير ، فتفسير الطهو أنه : "لا ينجسه شيء" ، فثم طباق إيجاب بين معنى الطهارة الذي اشتق منه لفظ طهور ، ومعنى النجاسة الذي اشتق منه لفظ الفعل : "ينجسه" ، فذلك يجري مجرى التعريف بالضد ، فثم سؤال مقدر : وما الطهور ؟! ، فجاء الجواب : الطهور لا ينجسه شيء ، فحذف الموضوع وهو محل الحكم أو المسند إليه ، لدلالة السياق عليه ، فقد تقدم ذكره ، فحسن الحذف إيجازا ، فذلك من إيجاز الحذف الجاري على سنن العربية ، إذ يحذف المتأخر لدلالة المتقدم عليه ، ثم أطنب بالمسند أو المحمول وهو انتفاء النجاسة على جهة العموم ، فقد تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فَضْلًا عن تسلطه على النكرة : "شيء" ، فالنكرة في سياق النفي مئنة من العموم ، كما قَرَّرَ أهل الأصول والنظر ، وقد يقال بأن الموضوع هو الماء ، الذي صُدِّرَ بِهِ السياق ، فثم محمولان : وصفه بالطهور ، فهذا محمول أول ، ووصفه بأنه لا ينجسه شيء ، فهذا محمول ثان ، فَيَكُونُ ذلك من الإطناب بِتَعَدُّدِ الأخبار المسندة إلى المبتدأ : "الماء" ، فماهية الماء لا ينجسها شيء إذ خلقت على أصل الطهارة ، وذلك الأصل في الأعيان جميعا ، وإن امتاز الماء بخاصة تزيد ، فهو مادة التطهير التي فطرها الله ، جل وعلا ، وإن زالت النجاسة بغيره من الموائع الطاهرة ، على تفصيل في ذلك ، إلا أن الطهارة الشرعية المخصوصة الرافعة للحدثين الأكبر والأصغر لا تحصل إلا به ، فذلك أمر امتاز به ، فَتِلْكَ من فطرة الخلق الأولى ، فَفِطْرَةُ التكوين الأولى قد قضت أن الماء طهور ، فهو طاهر في نفسه ، مطهِّرٌ لغيره ، فَخَاصَّةُ الماء الذاتية أنه طاهر مطهر ، فذلك من الوصف الذاتي الذي لا يعلل ، فلا يسأل عن علته ، كما لو قيل : إن الإنسان حيوان ناطق ، فالنطق فِيهِ جِبِلَّةٌ ، إذ فطره الله ، جل وعلا ، أن يَنْظُرَ ويتدبر ، ويعقل ويتفكر ، فذلك معنى النطق الباطن ، وما اللِّسَانُ إلا آلة بها يحصل الْبَيَانُ عَمَّا يَقُوم بِالنَّفْسِ من معان ، فالكلام يتألف من : نطق الفكر إذ يتدبر ، ونطق اللسان إذ يتلفظ ، فالكلام : لفظ ومعنى ، فذلك وصف ذاتي ، كما تقدم ، لا يسأل عن علته ، وأما الضحك فهو خاصة تعرض ، فَلَيْسَتْ ذَاتِيَّةً وإنما هي عَرَضِيَّةٌ يُسْأَلُ عَنْ عِلَّتِهَا ، فكذلك الماء ، فطهارته هي الفطرة الأولى ، والوصف الذاتي الذي لا يَنْفَكُّ عنه فَهُوَ جزء من ماهيته في الخارج ، فخلق وصف الطهارة ملازما لحقيقة الماء ، وذلك أمر يشترك فيه مع الماء جملةٌ من المائعات والسوائل ، إما بالإجماع ، فَاللَّبَنُ ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ ، طاهر في نفسه ، بل هو مئنة من الفطرة الأولى الصحيحة ، فذلك ، أيضا ، من موارد الفطرة الرَّبَّانِيَّةِ ، فهو في مقابل الخمر كما في خبر جبريل مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ قَدَّمَ اللبن على الخمر لما قُرِّبَا إليه ، فاللبن قد خلق طاهرا نافعا ، وَبِهِ ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ أهل العلم ، يَنْبُتُ اللحم وَيَنْشُزُ العظم ، فهو داخل في فطرة التكوين من هذا الوجه ، وقال آخرون بأنه كناية عن فطرة الدين وهي الإسلام فهو غذاء نافع مريء للأبدان وكذلك الدين الصحيح غذاء نافع مريء للجنان ، فضلا أنه الحلال ، والحلال هو الذي فُطِرَتِ النفس على تَنَاوُلِهِ سَائِغًا بلا كلفة ، وأما الخمر فهي أم الخبائث ، وخلقتها نجسة فهي خلاف الفطرة في خلق الأعيان ، وذلك على القول بنجاستها الحسية ، فتخالف الفطرة في الخلق ، إذ الأصل الطهارة والحل ، وما خَرَجَ عن الأصل فَبِدَلِيلٍ ، فمن أتى بالدليل الصحيح الصريح السالم من المعارضة قُبِلَ قوله ، فهو ناقل عن الأصل فيقدم على من استصحب البراءة الأصلية في باب الطهارة ، إذ معه زيادة علم توجب الانْتِقَالَ عن الأصل ، فثم من حكم بنجاسة عينها فهي تخالف أصل الفطرة في الخلق ، وهو الطهارة ، وذلك لازم دلالة الامتنان بالاختصاص في قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فَاللَّامُ مَئِنَّةٌ من الاختصاص ، والمنة لا تكون إلا بمباح طاهر العين فلا منة بمحرم أو خبيث نجس العين ، بل ذلك مما نهي عنه ، فبعث النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتحريمه ، فوصفه في الكتاب الأول أنه : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فثم مقابلة بين الشطرين ، وطباق بين الألفاظ ، العوامل : "يحل" ، و : "يحرم" ، والمعمولات : "الطيبات" ، و : "الخبائث" ، ودلالة : "أل" في جميعها : دلالة العموم الجنسي الذي يبين الجنس والماهية ، من وجه ، ويستغرق آحاد المعرف في الخارج ، فهو جامع لأفراده مانع لأضداده من الخبائث في الأول والطيبات في الثاني ، فلا تخلو دلالة : "أل" ، من هذا الوجه ، من دلالة الوصل ، فيكون الوصف الذي اشتق من الطَيِّبُ أو الْخَبِيثُ هو مناط التحليل أو التحريم ، إذ أنيط الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة ، على تقدير الكلام بـ : ويحل لهم مَا طَابَ مِنَ الأعيانِ والأفعالِ ، وذلك أولى من تقديره بـ : "الذي" ، إذ دلالة : "الذي" : دلالة اختصاص في الوضع فهو يدل على المفرد المذكر وينصرف ، بادي الرأي ، إلى العاقل ، وأما دلالة : "ما" فهي دلالة اشتراك وإن انصرفت إلى غير العاقل فهي موصول مشترك وضع لغير العاقل إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى العاقل ، كما قرر النحاة ، فدلالته دلالة اشتراك وذلك أعم في المعنى ، فدلالة : "ما" : دلالة غير العاقل فتعم الأعيان التي ينتفع بها والأوصاف التي تستجاد سواء أكانت صفات عاقل أم غير عاقل إذ الصفة في نفسها معنى والمعنى لا عقل له وإنما يعقله الناظر فيه فذلك وجه إلحاقه بغير العاقل كما في قوله تعالى : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) ، وذلك العموم آكد في الامتنان بالإباحة ووضع الآصار التي كانت على الأمم السابقة إذ عوقبوا بتحريم بعض الطيبات ، فجاءت المنة برفع التحريم ، والإباحة يقابلها التحريم ، فتلك دلالة الطباق في اللفظ ، كما تقدم ، فيحرم عليهم ما خبث ، فأنيط الحكم بوصف الطيب ووصف الخبيث ، وحد على جهة المضارعة فلا يخلو من استحضار للصورة ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المنة ، والإباحة والتحريم ، من وجه آخر ، لا تتوجه إلى الأعيان نفسها ، فإنما خلقت للانتفاع بها ، ولكل عين وجه انتفاع يلائم خلقتها ، فإباحة الطيبات : إباحة لتناولها ، وذلك ، كما تقدم ، يقيد بطبيعة العين فثم وجه انتفاع بها بما جبلت عليه الطبائع ، ففي المطعوم يكون الفعل هو الأكل ، فـ : (عَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) ، أي : حرمنا أكله ، فذلك الفعل الذي دل عليه السياق اقتضاء ، فوجه الانتفاع بالمذكورات هو الأكل ، وهو مباح في الأصل ولكن عرض له ما يحرمه وهو ما ورد في سياق آخر ، فـ : (بِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) ، فدلالة الباء : دلالة السببية ، وقد أجملت الطيبات التي حرمت بسبب الظلم العارض ، وأبين عنها في آية المائدة ، فـ : (عَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) ، فكل آية تبين إجمالا في الأخرى ، فآية النساء كشفت عن السبب ، وآية المائدة كشفت عن الطيبات التي حرمت بالظلم وهو ، أيضا ، خروج عن فطرة التوحيد والعدل ، سواء أحمل على الظلم الأكبر فهو خروج عن فطرة التوحيد أم حمل على الظلم الأصغر فهو خروج عن فطرة العدل ، والأصل أن يحمل على المعنى الأعلى حتى ترد قرينة تصرفه إلى المعنى الأدنى ، وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، أصل في باب الأسماء والأحكام ، فلما خرجوا عن فطرة الدين فخالفوا عن أمره ونهيه ، واقترفوا المحظور من الظلم المذموم ، كانت العقوبة بالخروج عن فطرة الإباحة بتحريم جملة من الطيبات عقوبة لهم أن بدلوا فطرة الدين ، فالأصل في المولود التوحيد ، فتلك فطرته الأولى ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ" ، والأصل في الطيبات الإباحة ، فتلك فطرة الخلق للأعيان ، فالأصل فيها ، كما تقدم ، طهارة العين وإباحة التناول كل بحسب وصفه وحاله ، فالطعام أبيح أكله ، والحليلة أبيح وطؤها ، فالإباحة أصل في الأعيان المأكولة ، فذلك ، كما تقدم ، وصف ذاتي لا يعلل ، وتلك الحال الغالبة على المطعومات والمشروبات ، فإن ورد عارض فهو خلاف الأصل الذي يستصحبه الناظر ، بادي الرأي ، فهو على البراءة الأصلية ، وتلك الفطرة الأولى في الأعيان والأحوال إلا ما استثني من الأبضاع والذبائح ، فالاحتياط فيها حتم لازم ، فالأصل فيها خلاف الأصل في غيرها ، فالأصل فيها التحريم حتى يرد الدليل المبيح ، كما أن الأصل في غيرها الإباحة حتى يرد الدليل الحاظر ، فوصف الطيب ذاتي في الأعيان إلا ما استثني من الأبضاع والذبائح فلا يسأل عن علته ، وإنما يتناوله المكلف ، بادي الرأي ، إلا إن عرض له ما يخرجه عن الأصل ، فذلك ما يستوجب السؤال ، فالعرضي يسأل عن علته ، فهو دعوى تستوجب الخروج عن الأصل ، فلا تقبل إلا بِبَيِّنَةٍ هي العلة المحرمة ، فإذا عرض وصف النجاسة على الماء فقد خرج عن فطرته الأولى إذ خالطته نجاسة على وجه غير أحد أوصافه فأخرجه عن حد الماء المطلق ، فصار ماء مقيدا بوصف النجاسة ، إذ الإطلاق والتقييد في هذا الباب على وجوه ، فثم الإطلاق الذي ينصرف إليه لفظ : "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" ، إذ دلالة : "أل" تَنْصَرِفُ إلى الماهية المطلقة ، فهي طهورة لا تنجس ، بل هي التي تطهر غيرها ، كما تقدم ، فهي باقية على الخلقة الأولى ، أو الفطرة الأولى فلا يسأل عن علتها حتى يرد العارض فله علة يسأل عنها ، فجاء الاستثناء فهو من التخصيص المتصل : "لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِلَّا مَا غَيَّرَ رِيحَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ" ، فعلة العارض هي حصول التغير في الوصف الظاهر من اللون والطعم والريح فهو مئنة من تغير العين ، فلم تَبْقَ على الفطرة الأولى التي تحكم بطهوريته فهو ، كما تقدم ، الطاهر في نفسه المطهر لغيره ، فدلالة الإطلاق إما أن تقيد بما يخرج العين عن أصل الخلقة الطاهرة إلى حال أخرى طاهرة تزول بها خاصة التطهير دون الطهارة ، كما لو أضيف إلى الماء طاهر غلب عليه فصار مقيدا بوصف المضاف ، كماء الورد وماء الطبخ ..... إلخ ، وهذا القيد :
    إما أن يكون باللفظ كما تقدم من إضافة لفظ الماء إلى لفظ الورد فقد أخرجه عن الماهية المطلقة إذ الإضافة مئنة التعريف في اللفظ والتقييد في الماهية فخرج عن ماهية الماء المطلق وذلك أصل فطرته التي لا يسأل عنها ، إلى ماهية عارضة يسأل عن علتها وهي إضافة الورد أو المطبوخ فيه .... إلخ من العوارض ، فمثله كمثل التوحيد فهو ذاتي في المولود لا يسأل عن علته ، فلا يقال لم صار فلان مسلما ؟! ، فذلك الأصل الذي يستصحب ، وإنما يتوجه السؤال إلى الخصم ما الذي هَوَّدَهُ أو نَصَّرَهُ أو مَجَّسَهُ ؟! ، إذ ذلك خروج عن مقتضى الفطرة الأولى ، وذلك مما يَعْرِضُ للفطرة الأولى بِتَأْثِيرِ الأبوين أو البيئة التي ينشأ فيها فيتخلق بأخلاقها الدينية ، كما أن عامة الأخلاق مما يدخل في حد الفطرة الأولى التي تقضي بتحسين الصدق والكرم والشجاعة والمروءة ، وتقبيح أضدادها من الكذب والبخل والجبن والنذالة ، فإذا طرأ عليها ما يفسدها استحسنت القبيح فسمت الجبن عقلا ، والبخل حرصا .... إلخ ، من تسمية الأشياء بغير أسمائها فلا يخرجها ذلك عن ماهياتها الأولى ، كما أن إطلاق اسم غير الخمر عليها لا يبيحها ، إذ التحسين والتقبيح في المعاني ، والتحليل والتحريم في الأحكام إنما أنيط بالأسماء لدلالتها على الأوصاف التي اشتقت منها ، فالخمر اسم لما خامر العقل وغطاه ، فذلك عارض يطرأ على العقل الناصح الذي فطر الله ، جل وعلا ، عليه الإنسان ، فدلالة الخمر على حَقِيقَتِهَا المعهودة في الذهن ليس دليل الْعَلَمِ على مسميات في الخارج يقتصر عليها دون غيرها مما تحققت فيه العلة وهي الإسكار وتغطية العقل ، سواء أقيل بالقياس في اللسان بالنظر في المعنى الذي اشتق منه الاسم ، أم قيل بالقياس في الشرع بالنظر في العلة التي ثَبَتَتَ في الأصل إما بالنص أو بالسبر والتقسيم .... إلخ ، من وجوه تعيين المناط نصا أو تنقيحا من جملة أوصاف طردية لا تؤثر أو تخريجا لمعنى تصح إناطة الحكم به ، فمن قال بالقياس في اللسان فإن مادة : "خمر" تدل على التغطية ، فكل ما خامر العقل وغطاه فهو عارض طرأ على فطرة العقل الأولى فَسَتَرَهَا ، فيعم جميع أجناس الخمر ما كان أيام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما كان بعده من الخمر الحادثة ، وكذلك الشأن في مادة : "سكر" ، فإنه يدل على السد والإغلاق ، وفي اللسان : " سَكِرَ النَّهْرَ يَسْكُرُه سَكْراً: سَدَّ فَاهُ. وكُلُّ شَقٍّ سُدَّ، فَقَدْ سُكِرَ، والسِّكْرُ مَا سُدَّ بِهِ. والسَّكْرُ: سَدُّ الشِّقِّ ومُنْفَجَرِ الْمَاءِ، والسِّكْرُ: اسْمُ ذَلِكَ السِّدادِ الَّذِي يُجْعَلُ سَدّاً لِلشِّقِّ وَنَحْوِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ : أَنه قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ لَمَّا شَكَتْ إِلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ: اسْكُرِيه ، أَي سُدِّيه بِخِرْقَةٍ وشُدِّيه بِعِصَابَةٍ، تَشْبِيهًا بِسَكْر الْمَاءِ" ، فَكُلُّ ما سد باب النظر والفهم من المسكر الذي يذهب العقل فهو حرام ، فهو ، أيضا ، عارض يسد منافذ الفهم التي فَطَرَهَا الله ، جل وعلا ، في العقل .
    ومن قال بِالْقِيَاسِ الشرعي فإنه ينظر في المعنى المؤثر في التحريم وهو الإسكار فتقاس الخمر الحادثة على الخمر المعهودة زَمَنَ الرسالة سَوَاءً أكانت من نفس الأجناس الخمسة : العسل والتمر والحنطة والشعير والعنب ، أم كانت من أجناس أخرى ، خلافا للحنفية ، رحمهم الله ، الذين قصروا الخمر المحرمة على الأجناس الخمسة المتقدمة ، ودلالة الخبر لا تخصيص فيها فلا تقصر الخمر على هذه المذكورات ، فكانت الخمر تُتَخَّذُ في عهده عليه الصلاة والسلام من هذه الأصناف ، إذ هي المعروفة المتداولة ، فذلك أمر يخص البلد التي كانوا فيها ، فإن اتخذت بلاد أخرى الخمر من غيرها لم يمنع ذلك من تحريمها إذ تسكر كما تسكر هذه الخمسة سواء أكان إسكارها أشد فتحرم بقياس الأولى ، أم كان إسكارها يعادل فيكون من القياس المساوي ، أم كان دونها فيكون من قياس الأدنى فضلا عن النص في القليل الذي لا يسكر ، فـ : "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" ، فكذلك ما كانت قوة الإسكار فيه دون الأجناس المذكورة في الخبر فقد لا يحصل السكر به كما يحصل بها فإذا تجرع منه الكثير أسكره فيحرم القليل سدا للذريعة فثم نص يحرم وأصل يشهد عند من جعل سد الذرائع أصلا بنفسه ، كما عند المالكية رحمهم الله فهم من أكثر الناس عملا به حتى أفضاهم الاحتياط في مواضع أن يحظروا بعض المباحات سدا لذريعة الوقوع في المحظور وإن كان الاحتمال فيها نادرا والنادر لا حكم له ولكنهم احتياطا اعتبروا هذا النادر فالمعارض لهم لا يخالفهم في الأصل وإنما يخالفهم في الزيادة عليه بسد الذرائع إلى أمور تَنْدُرُ فليست مشهورة في عرف البلاد وعادتها ، فلا يقتصر التحريم على الأصناف المذكورة أن كانت هي المعروفة زمن الرسالة ، كما أن البلاد الأخرى قد تطعم ما لا نطعم من المباحات فلا يكون عدم تناولنا لها مئنة من تحريمها ، وأكل الضب على مائدته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن عافته نفسه الشريفة أصل في هذا الباب فلم يكن امتناعه تحريما إذ أقر بالسكوت وما كان ليسكت عن محرم وما كان الوحي ليقره إن سكت عن محرم والبيان في وقت الحاجة واجب فكان السكوت في موضع البيان بيانا لحل ذلك لمقتضى ما تقدم من فطرة الخلق الأولى في المطعومات والمشروبات فهي من آكد ما تحصل به المنة الرَّبَّانِيَّةِ على عُمُومِ البرية فلا تخص إلا بدليل إذ التخصيص في هذا الموضع تنغيص يكدر المنة فلا تخص إلا لحق رب العزة جل وعلا كما في تحريم الصلاة في المقبرة ، وإن كانت أرضها طاهرة بمقتضى الفطرة الأولى في خلق الأعيان ، فالأصل في الأرض الطهارة إلا أن يعرض لها عارض نجاسة فهو مما يسأل عنه كما تقدم في عارض النجاسة الذي يطرأ على الماء ، فمن تحول عن الأصل لزمه الدليل الناقل فإن أقامه فقوله هو القول الصحيح الناصح ، أو يعرض لها ما ينتقص من حق الله ، جل وعلا ، كما هي الحال في المقبرة ، فأرضها طاهرة على أصل الفطرة ولكن الصلاة فيها ذريعة إلى الغلو في المقبور وذلك ما يقدح في فطرة التوحيد الأولى ، فالغلو ، هو أيضا ، ذريعة إلى الوقوع في الشرك الذي يقدح في فطرة التوحيد ، فقدمت فطرة الأديان على فطرة الأعيان ، فلا عبرة بطهارة أرض إن كانت الصلاة فيها تقدح في طهارة القلب .
    فما سكت عنه في موضع البيان فهو داخل في عموم : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فلا يسأل عن علته ومن أراد التحريم فعليه الدليل ، فلا يكون عدم الأكل من طعام بلد بعينه إذ عافته النفس لا يكون مئنة من تحريمه ، بل هو على أصل الفطرة إلا أن يرد الدليل على التحريم كأن يعلم الآكل أن الطعام في نفسه رجس فهو من المنصوص على تحريمه من الميتة والدم ولحم الخنزير ...... إلخ مما فصله الوحي ، وذلك من رحمة الرب ، جل وعلا ، إذ فصل المحرمات فحصرها يسير إذ هي الاستثناء الخارج عن حد الفطرة الأولى التي أباحت جنس المطعوم فذلك العموم الذي لا يخص إلا بنص يدل على تحريم المحظور ، وهو الأقل فحسن ذكره فهو الذي يمكن حصره ، أو يعلم الآكل أن ثَمَّ نجسا قد مازج الطعام وإن كان أصله مباحا كإضافة لحم الخنزير أو شحمه إلى مطعوم مباح ، فالطعام في أصل فطرته ، كما تقدم ، مباح وإن عافته النفس ، وإنما يرجع في ذلك إلى عرف البلاد فهو ، أيضا ، أصل ، فقد يعاف طعام في بلد وتشتهيه النفوس في آخر ، وهو في كلتا الحالين طاهر مباح على أصل الخلقة الأولى ، فالعرف في هذا الموضع يعتبر ما لم يفسد فيحل حراما أو يحرم حلالا فكل عرف خالف النص فهو فاسد ، كما أن كل قياس أو ذوق خالف النص فهو فاسد الاعتبار كما ذكر أهل الأصول في قَوَادِحِ القياس .

    والشاهد أن التقييد الذي يخرج بماهية الماء المطلقة عن إطلاقها الأول إلى ماهية أخرى مقيدة ، إما أن يخرجها عن حد التطهير دون الطهارة ، فصار الماء طاهرا في نفسه غير مطهر لغيره ، وذلك إما أن يكون باللفظ كما تقدم من إضافة لفظ الماء إلى الورد أو يكون بالعهد كما في إطلاق لفظ الماء في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ" ، فدلالة العهد في الأول صرفته إلى الماء المطلق ، الماء الطهور ، الطاهر في نفسه المطهر لغيره ، ودلالة العهد في الثاني صرفته إلى ماء المني ، وهو طاهر ، خلافا لمن قال بنجاسته فهو أصل خلقة الإنسان ، والإنسان طاهر ، كما دل عليه خبر أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وفيه : "إِنَّ المُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ" ، وإنما يغسل استقذارا طَبْعِيًّا كالبصاق ، فالاستقذار الشرعي فيه مُنْتَفٍ ، وإذا جف فالفرك فيه يجزئ كما أثر عن عائشة رضي الله عنها .

    والتقييد ، من وجه آخر ، قد يخرج بماهية الماء المطلقة عن إطلاقها الأول إلى ماهية أخرى مقيدة تخرج به عن وصف التطهير والطهارة جميعا ، كأن تخالطه نجاسة على وجه يغلب على أحد أوصافه أو أكثرها أو كلها فيكون نجسا من باب أولى ، فتلك دلالة التخصيص المتصل بالاستثناء ، كما تقدم في خبر : "لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِلَّا مَا غَيَّرَ رِيحَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ" .

    وقد يستثنى في هذا الباب ، من وجه آخر ، ماء البحر فقد مازجه طاهر على حد غير أحد أوصافه وهو الطعم ، فهو ملح أجاج ، ومع ذلك جازت الطهارة به بالنص ، فـ : "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" ، وقد يقال ، من وجه آخر ، بأنه باق على فطرته الأولى فقد خلقه الله ، جل وعلا ، ملحا ، كما خلق ماء المطر والأنهار والآبار عذبا .

    فكلا الوصفين في الآية : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، كلا الوصفين ذاتي لا يعلل ، فوصف الطيب ذاتي لا يعلل ، فما تحقق فالحل له تبع ، وفي المقابل ، وصف الخبث ذاتي لا يعلل فما تحقق فالتحريم له تبع ، فالحكم يطرد وينعكس ، فإذا طرأ عارض فالسؤال عَنْ عِلَّتِهِ يَجِبُ ، كطيب في الأصل قد خالطه خبيث طارئ على وجه غلب على وصفه اللازم ، فصار الحكم للأغلب ، كما في تنجس الماء ببول أو نحوه ، وقد يغلب جانب التحريم احتياطا كما في تحريم البغل إذ تولد من حلال وحرام ، من الخيل المباحة والحمر الأهلية المحرمة ، فغلب جانب التحريم في هذا الموضع بعينه احتياطا إذ الأصل في الأبضاع والذبائح كما تقدم الحرمة ، وكذلك الشأن في الخبيث فلا يسأل عن علة تحريمه فوصف الخبث فيه ذاتي لا يعلل ، فإذا طرأ طارئ يطهر ، كما في حديث بول الأعرابي في المسجد فأمر عليه الصلاة والسلام أن يُرَاقَ عليه ذنوب من ماء ، إذ مكاثرة البول بالماء تطهر المحل ، فالحكم ، أيضا ، للأغلب ، وكما في الخمر ، على القول بنجاستها ، سواء أكانت نجاسة عين أم نجاسة معنى ، فإذا استحالت بنفسها فصارت خلا فقد طرأ عارض يسأل عن علته أخرج الخمر عن الماهية النجسة المحرمة إلى أخرى طاهرة مباحة ، أو طرأ عارض من اضطرار يبيح المحظور ، فذلك أيضا ، استثناء يبيح الخبيث فلم يعد في حق المضطر محرما ، بل وأبيح على جهة الترفيه بل وقد يجب على جهة الإسقاط فيسقط حكم الأصل بل وينقلب إلى الضد فيصير تناوله واجبا حفظا للنفس فإن امتنع حتى هلك فقد أثم إذ الطارئ قد بدل الحكم في حقه ، وإن لم تَنْقَلِب عين الخبيث فتصير طاهرة فالعارض في الحكم لا في العين ، خلافا للخمر إذا استحالت إلى الخل ، فالعين نفسها قد تبدلت ، وإن قال بعض المحققين بمعنى لطيف أن البدن حال المخمصة ينتفع بالخبيث فقوة الهضم والامتصاص فِيهِ حال الجوع الشديد تستخلص الفائدة من الخبيث فهو طيب من هذا الوجه وإن كان خبيثا يضر في الحال المعتادة فَقُوَّةُ الهضم والامتصاص آنذاك لا تَقْوَى على استخلاص الفائدة كما هي حال المخمصة .

    والأعيان عموما ، لا توصف بحل أو حرمة ، وإنما يوصف الفعل الذي يقع عليها ، فالإباحة والتحريم هنا يقتضيان محذوفا دل عليه السياق في هذا الموضع على جهة العموم ، على تقدير : ويحل لهم تَنَاوُلَ الطيبات ويحرم عليهم تناول الخبائث ، وفي مواضع أخرى على جهة الخصوص ، كما في قوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) ، أي : نكاحهن ، و : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) ، أي : أكلها ، و : (الدَّمَ) : أي : شربه ، ولكل موضع خاص عامل محذوف يقدر بما يلائم السياق .

    والله أعلى وأعلم .

    يتبع إن شاء الله .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •