البلاغة والخلفية المعرفية:
لاشك أن البلاغي في حاجة إلى أن يتسلح بالمعرفة الكافية؛ ليكون قادرا على سبر أغوار النصوص، وهذه المعرفة تبدأ بإتقان اللغة نحوا وصرفا وعروضا وبلاغة، ويكون قادرا على الربط بين التراث والحداثة، فلا يقاطع التراث إن كان حداثيا، ولا يخاصم الحداثة إن كان تراثيا، فعملية انتقال معرفة من سياق إلى سياق لا مناص فيها من الوقوف على السياقين.
فالأمر يتطلب إدراك الخلفيات المعرفية، والوقوف على الفلسفات الجذرية، والمعرفة التامة بالسياقات الثقافية، والإحاطة بالتصورات النظرية، حتى يتحقق لنا نموٌ معرفي لا يقف عند حد، تدعمه الاستراتيجية المعرفية والمسلك المنظومى فيأتي خطاباً متماسكاً في مقولاته، متجانساً حتى في اختلافاته، بما يحقق من استجابة لانبهارات المعرفة مهما كان موطنها، ومهما كان زمانها، ومهما كان منتجها.
أما الجهل بالخلفيات المعرفية وإهمال الجذور الفلسفية والاستهانة بمعرفة السياقات الثقافية والوقوف عند حدود التهويمات حول التصورات النظرية يتحول بالمشهد المعرفي العربي إلى خطاب التخلف والخرافة والهَذَيان.
وإن لنا من المعرفة موقفين متباينين:
- نقل الفكر الغربي وتقديسه.
- نقل التراث العربي وتقديسه.
مع ملاحظة أن الموقفين لا يصنعان مفكراً عربياً معاصراً ؛ لأننا فى الحالة الأولى سنفقد عنصر العربى ، وفى الحالة الثانية سنفقد عنصر المعاصرة " ، وسبق أن قاله د. جابر عصفور بمنظور آخر : " فإن أغلب الدراسات المتاحة عن التراث النقدى تكاد تتحرك فى منطقة واحدة ، محدودة ، من مناطق التراث النقدى ، وتنظر إلى مادتها نظرة جزئية ، تفصل الظواهـر عن سياقها ، وتعالج المعطيات معالجة نقلية ، اتباعية ، تقصر حتى عن الوصول إلى الآفاق الرائدة التى وصل إليها أمين الخولى أو طه حسين أو طه إبراهيم فى الثلاثينيات من هذا القرن ، والنتيجة هى ما يمكن أن نلاحظه من تلفيقية المنهج ، وعشوائية المنظور ، ونقلية الفهم على نحو لا يمكن معه أن تعد هذه الدراسات " قراءة " بالمعنى الدقيق ، لأسباب متعددة أبرزها أن هذه الدراسات تخلو من أى وعى نظرى بموضوعها ، خلوها من أى تأمل نقدى لمنهجها "
ونتج عن الاعتداد بالتراث ومحاولة الانتصار له ظهور فريق راح يفتش في التراث عن القضايا الحداثية، يقول د. صلاح فضل : " إن التماس المفاهيم العلمية الجديدة فى التجليات القديمة خطأ فادح منهجياً ؛ لأنها مرتبطة بالبنية المعرفية ذاتها " ، ولا شك فى أن هذه المواقف التعصبية والمتطرفة لاتخلو من خلل معرفى عظيم الخطر خصوصاً إذا هى استكانت لمحاولات إثبات فضل التراث أو سبقه ، وقنعت من هذا الربط بهذه النتيجة المتجمدة ، ورضيت بالتوقف والثبات غاية وحيدة لهذا الربط .
يقول محمد مندور : " وفى الحق إن فى الكتب العربية القديمة كنوزاً نستطيع ، إذا عدنا إليها وتناولناها بعقولنا المثقفة ثقافة أوربية حديثة أن نستخرج منها الكثير من الحقائق التى لا تزال قائمة حتى اليوم ، وإن كنا حريصين على أن لا يستفاد من دعوتنا إلى تناول التراث القديم بعقولنا الحديثة أى إسراف لم يخطر بعقول أولئك المؤلفين القدماء من نظريات وآراء ، كما أننا حريصون على أن لا نجهل أو نتجاهل الفروق الأساسية الموجودة بين الأدب العربى وغيره من الآداب الأوربية بما يستتبعه ذلك من تفاوت كبير فى مناهج النقد وموضوعاته ووسائله "
يظن بعض الدارسين أن الجديد يعني ترك القديم، ويعللون ذلك بأنهم يسلكون مسلك البلاغة الغربية، في حين أن البلاغة الغربية حينما اتجهت إلى التجديد لم تكن تعني أن تصف البلاغة القديمة – بلاغة أرسطو – بالعجز والتقصير، وإنما كانت تعني بالتجديد تتبع ظواهر جديدة، من خلال نصوص جديدة، وفق مقاصد وغايات جديدة، فقراءة الغرب قراءة تكاملية.
إننا في حاجة إلى ناقد متسلح بالمعرفة، يستطيع بذوقه أن يسبر أغوار النصوص ؛ليف على مطارح الجمال فيها، يقول جابر عصفور : "من المؤكد أن تراثنا أو تراث الآخر ، ليس جوهراً نقلياً ، اكتمل دفعة واحدة أو دفعات ، فى الماضى ، فلم يبق سوى تكراره ، أو إلغائه ، وإنما هو بعض خبرة النوع الإنسانى المرتبطة بشروطها التاريخية ، والتى تقبل احتمالات الزيادة والتطور ، أو التغير والتحول فى الوقت نفسه . "