من الأجناس العامة في اللسان ، جنس البشرى ، فهي ، بادي الرأي ، مما يَنْصَرِفُ إلى الوعد بالخير الذي يَسُرُّ وَيُبْهِجُ ، كما في قول صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يُبَشِّرُ الصديق ، رضي الله عنه ، فـ : "أَبْشِرْ ، فَأَنْتَ عَتِيقُ الله من النار" ، فكان من الأمر ما به تعجيل المسرة ، وبعده العطف بالسبب : "فَأَنْتَ عَتِيقُ الله من النار" ، فلا تخلو الفاء من دلالة السببية ، وهي ، من وجه آخر ، تجيب عن سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فحصل في ذهن الصديق من الاستفهام : وعلام البشرى ؟ ، فكان الجواب من صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : فأنت عتيق الله من النار ، ولا يخلو الجواب من توكيد باسمية الجملة ، فضلا عن الإضافة وهي مما يَحْمِلُ معنى التشريف فهو من إضافة المخلوق إلى الخالق ، ولا تخلو من وجه آخر أن تكون من إضافة المفعول إلى الفاعل ، فالصديق هو العتيق وذلك فعيل من مفعول ، وهو من أمثلة المبالغة القياسية ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فهو الْمُعْتَقُ أو المعتوق الذي وقع عليه فعل الإعتاق ، والله ، جل وعلا ، هو المعتِق ، وذلك ما ينصرف بقرينة البشرى إلى الإعتاق ابتداء من النار فلا يدخلها وإلا فما البشرى وكل مَنْ دَخَلَ النار فخرج منها فهو من عتقاء الله ، جل وعلا ، منها ، وتخصيص الصديق بالذكر يحمل قرينة بشرى زائدة وإلا فكلُّ مؤمن قد بُشِّرَ بذلك وَوُعِدَ فما الخصيصة في هذا الخبر إذن ؟! ، كما يقال في تخصيص بعض الصحابة أنهم في الجنة وأولئك هم العشرة في الخبر المشهور ، وغيرهم ممن أُفْرِدَ بالذكر في مواضع ، فأي تخصيص لهم إن كان الوعد عاما فهو يستغرق كل مؤمن ، فكل من آمن فهو ممن بُشِّرَ بالجنة بداهة .

فالبشارة في هذا السياق على الأصل ، إذ تحتمل في مواضع أخرى ضدها من السخرية والتهكم كما في قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فذلك أمر يفيد الإيجاب ، من وجه ، بالنظر في مقام التَّبْلِيغِ وَالتَّبْيِينِ ، فَيَجِبُ على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو المخاطَب الأول ، خطاب المواجهة ، يجب عليه أن يُبَلِّغَهُمُ الْخَبَرَ فَيُبَشِّرَهُمْ عَلَى حَدِّ السخريةِ وَالتَّهَكُّمِ بِمَا تُوُعِّدُوا به من العذاب الأليم ، فَيَجْرِي ذلك ، من وجه ، مجرى ما اصطلح أنه إخراج الذم مخرجَ المدح فذلك مما تعظم به النكاية وَتَزِيدُ إذ يَتَهَيَّأُ الذهن أَنْ يَتَلَقَّى معنى فإذا به يُفْجَأُ بضده ، وهو ، أي الأمر في قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، هو ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظر ، ما عم بدلالة المعنى وإن اخْتُصَّ صَاحِبُ الشَّرْعِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمبنى عَلَى حَدِّ الْمُوَاجَهَةِ ، فَيُبَشِّرُ غَيْرُهُ مَنْ كَفَرَ وَمَرَقَ ، يُبَشِّرُهُ بالعذابِ الأليمِ ، وهو ، أيضا ، مما اتسعت دلالته فَثَمَّ بُشْرَى تَهَكُّمٍ وَاسْتِهْزَاءٍ بِمَنْ قَارَفَ الكفرانَ الأكبرَ الناقضَ لأصل الدين الجامع فَتِلْكَ بشرى واجبة النفاذ ! ، فَيَحْصُلُ فِيهَا مِنْ جِنْسِ السخريةِ والتَّهَكُّمِ مَا لَا يحصل في غَيْرِهَا مِنَ الْبُشْرَى لأهل المعصية ، فَثَمَّ بُشْرَى مَنْ قَارَفَ العصيانَ الذي لا يَنْقُضُ أصلَ الملة وإن نقض كمالها الواجب ، فالسخرية والتهكم فيها دون الأول ، إذ عذاب العاصي دون عذاب الكافر ، فالأول جائز يحتمل وَإِنْ وَجَبَ فَهُوَ مُؤَقَّتٌ يَنْقَطِعُ ، والثاني واجب لا يحتمل وهو ، مع ذلك ، مُؤَبَّدٌ لا يَنْقَطِعُ ، فالبشرى ، من هذا الوجه ، تجري مجرى الجنس العام فَتَحْتَهُ أَنْوَاعٌ على حدِّ الاشْتِرَاكِ ، فَثَمَّ بُشْرَى على الأصل فَهِيَ مَئِنَّةٌ من الوعد بالخير كما في الخبر محل الشاهد ، في حق الصديق أبي بكر أَنْ : "أَبْشِرْ ، فَأَنْتَ عَتِيقُ الله من النار" ، فَهِيَ على الأصل الأول في معجم اللسان المحكَم ، فالبشرى ، بادي الرأي ، مَئِنَّةٌ مِنْ وَعْدٍ بالخيرِ أو تَفْرِيجٍ للكرب أو دَفْعٍ للشر ..... إلخ من المعاني المحمودة التي تَفْرَحُ بِهَا النُّفُوسُ وَتَبْهَجُ ، وثم بشرى ضدها فهي مئنة من وعيد بالشر ، فتجري ، كما تقدم ، مجرى السخرية والتهكم ، فذلك تأويل يخرج بدلالة البشرى من وضعها الأول في اللسان إلى ثَانٍ على ضِدِّهَا فَيَجْرِي اللفظ مجرى الأضداد وهي من أعوص الْمَحَالِّ وَأَشَدِّهَا إجمالا فَتَفْتَقِرُ إلى القرينة الْمُبَيِّنَةِ ما لا يَفْتَقِرُ غَيْرُهَا ، كما في الآي آنف الذكر ، فَقَدْ تَهَيَّأَ المخاطب إذ طَرَقَتِ الْبُشْرَى سَمْعَهُ ، تَهَيَّأَ لَمَا يَسُرُّ ، فَانْتَعَشَتِ الرُّوحُ ونشطت فإذا البشرى بِضِدِّ مَا يَأْمَلُ فَكَانَتِ الحسرة أعظم ، وذلك ، كما اصطلحت الدعاية المحدثة ، هو الدعاية سَلْبًا ، إذ يمرر الخبر المفرِح ولا أصل له فَتَبْهَجُ الروح وَتَنْشَطُ ثم يكون الخبر المفجِع فذلك ما ينحط بِهَا ما لم يكن لو فَجَأَهَا الخبرُ المفجعُ ابْتِدَاءً ، فأصل ذلك ، لو تدبر الناظر ، في التَّنْزِيلِ المحكم ، في خطابات السخرية والاستهزاء بِالْقَبِيلِ الكافرِ .
فكان الأمر الذي استجمع أكثر من معنى في قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فَثَمَّ معنى الإيجاب بالنظر في المخاطب بالتكليف وهو الْبَشِيرُ النَّذِيرُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وَثَمَّ معنى التهكم والسخرية بالنظر في حال المخاطَب بالبشرى الذي أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُبَشِّرَهُ ، وَأُمِرَ مَنْ بَعْدَهُ من حَمَلَةِ الوحيِ بَلَاغًا وَبَيَانًا ثانيا ، أُمِرَ أَنْ يُبَشِّرَ الكافرَ أو العاصي ، بُشْرَى التَّهَكُّمِ وَالسُّخْرِيَةِ ، فالأمر يجري مجرى الاشتراك إن بالنظر في المأمور بالبشرى ، فهو ، ابْتِدَاءً ، صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويدخل مَعَهُ عَلَى حَدِّ الاشْتِرَاكِ كُلُّ مَنْ تَحَمَّلَ الوحيَ بَلاَغًا وَبَيَانًا ثَانِيًا ، وهو ، أيضا ، يجري مجرى الاشتراك بالنظر في المبشَّر المتهكَّم به ، فالبشرى ، من هذا الوجه ، نَوْعٌ تحته آحاد ، فَهُوَ نَوْعٌ بِالنَّظَرِ فِيمَا عَلَاهُ من جنس البشرى العام الذي يستغرق البشرى بالخير وهي الأصل الذي يستصحب حتى يرد الدليل الناقل فلا بد ، كما تقدم ، من قرينة صارفة معتبرة ، كما في هذا الموضع ، فإن ثَبَتَتِ القرينة فَأَقَامَهَا المتأوِّل الذي يخرج باللفظ عن وضعه الأول في المعجم ، فإذا ثَبَتَتْ فَأَقَامَهَا المتأوِّل فهي زيادة علم توجب الانتقال عن الأصل المتحقِّقِ إلى الفرع المتأوَّلِ ، فَمَنْ مَعَهُ زيادة علم فَقَوْلُهُ يُقْبَلُ وإن كان خلاف الأصل إذ أقام عليه الدليل المعتبر ، فالبشرى ، من هذا الوجه ، نَوْعٌ بالنظر فِيمَا عَلَاهَا من جنس البشرى العام الذي يستغرق الخير وهو الأصل ، وضده وهو الفرع المتأوَّلُ الذي يَثْبُتُ بِقَرِينَةٍ من خَارِج ، والبشرى إن خرجت عن الأصل فصارت دليلا على الشر تهكما وسخرية من المخاطَب ، البشرى في هذه الحال وَإِنْ كَانَتْ نَوْعًا بالنظر فِيمَا علاها فهي جنس بالنظر فِيمَا دُونَهَا ، إذ ثَمَّ بُشْرَى بالعذاب المؤقَّت وعيدا يحتمل فهو وعيد العصاة الذين قَارَفُوا مِنَ العصيان ما لا يَنْقُضُ أَصْلَ الإيمانِ الجامع ، فإن نَفَذَ العذاب فذلك العدل ، وإن تخلف بمانع من مَوَانِعِهِ فَذَلِكَ الفضل ، وَثَمَّ بُشْرَى بالعذابِ الْمُؤَبَّدِ وَعِيدًا يَجِبُ فَلَا يَتَخَلَّفُ أبدا فهو وعيد الكفار الَّذِينَ قَارَفُوا مِنَ الجنايات ما يَنْقُضُ أصلَ الديانات ، فحصل الاشتراك من هذه الوجوه جَمِيعًا على وجه لا تَعَارُضَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ إذ الجهة قد انفكت وذلك ما به يستأنس مَنْ يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ الْمُشْتَرَكِ ، فكان الأمرُ بالتبشير في قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) : أمرَ الإيجاب بالنظر في أصل الدلالة ، ولا يخلو السياق من عموم يستغرق المخاطَبِينَ جميعا فتلك دلالة الضمير المجموع في "بَشِّرْهُمْ "، ضمير الجمع الغائب ، وذلك عموم يخصص بالصورة الجالبة للحكم ، في آل عمران : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فَثَمَّ عِلَّةٌ تَرَاكَبَتْ من أجزاءٍ ثلاثة : الكفرِ بالآيات وَقَتْلِ من جاء بها من الأنبياء عليهم السلام ، وَقَتْلِ مَنْ تحملها وأداها أداء الإصلاح الذي جاوز النَّفْسَ فَهُوَ يَمْتَثِلُ فِي نفسه ويأمر غيره ، فيخرج من دلالة الذم والتوبيخ في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، فذلك صلاح أول أَرْدَفَهُ صاحبه بالإصلاح وهو ما يضيق به المفسد ذرعا ، فَلَئِنِ احتمل كَرْهًا ! فهو يحتمل الصالح في ذاته إذ لم يجاوزها فيأمر غيره فيكون من المصلحين ، فالمفسد قد يهادن الصالح كما هادنت قريش آحادا من الصالحين تأولوا الرخصة فكان صلاحهم ما اقتصر على ذواتهم كما يضرب المثل بورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ، فلم يكن أولئك يعلمون الحق المفصل وإن كانوا على دين الخليل عليه السلام ، فلم تُنْكِرْ عليهم قريش وإن ضَيَّقَتْ عليهم في مواضع إذا جاوزوا الحد ! ، فناجزوا الإفساد بالإصلاح ولم يقتصروا على وصف الصلاح فإذا توجهوا بخطاب عام يُصْلِحُ فالمفسد في قُرَيْشٍ يُنْكِرُ وَيُوَبِّخُ ، فَكَانَ مِنْ علة التَّبْشِيرِ بالعذاب الأليم : قَتْلُ مَنْ يُصْلِحُ فَيَأْمُرُ بالقسط ، فالقاتل مُفْسِدٌ يَرُومُ ذيوع الشر وذلك ما يخالف عن مقاصد الوحي الذي جاء بالصدق والعدل .
وفي التوبة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، وفي الانشقاق : (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فَكُلُّهَا وجوهُ عصيانٍ أُنِيطَ بها البشرى بالعذاب الأليم تهكما وسخرية ، وهي مما تَرَاوَحَ بَيْنَ الجنس الناقض لأصل الدين تارة ، والجنس الناقض لكماله الواجب أخرى ، كَمَا فِي كَنْزِ الذهبِ والفضة وإمساكها فَلَا تُنْفَقُ فِي سبل الخير التي تحمد ، فإطلاق النفي في وصفهم أنهم : (لَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، هذا الإطلاق يحمل ، بداهة ، على عدم إنفاقها في وجوه الخير وإلا فالإنفاق يقبح بل ويحرم إذا كان في وجوه الشر بل ويكون فِي أحيان سَبَبًا فِي انْتِفَاءِ أصلِ الدين الجامع إذا كان الإنفاق صَدًّا عن سبيل الحق أن يُعْبَدَ الرَّبُّ ، جل وعلا ، وَيُقَامَ الوحيُ ويظهر على سائر الأديان والمذاهب ، فَثَمَّ مَنْ يُنْفِقُ فِي الصد عنه فلا يَنْفَكُّ يحرض تارة ، ويباشر أخرى ، فَيُنْفِقُ المال في دعاية التنفير والتشبيه ليزهد الناس في الوحي المحكم بما يثير من متشابهات لو رُدَّتْ إِلَى المحكم لَانْتَفَتِ الحجة الباطلة فهي داحضة مغلوبة وَإِنْ زُخْرِفَتْ بِأَقْوَالٍ معسولةٍ ، فالنظر المحققُ يُزَيِّفُهَا وإن أَخَذَتْ بِمَجَامِعِ الفكرِ ابتداء بِمَا لها من جرس يطرف ومعنى يلطف فَهِيَ خفيفة وهي مع ذلك وَبِيئَةٌ تَضُرُّ ، فلا يسارع فيها إلا ذو النفس الصغيرة التي لا تطيق المعاني الكبيرة ، فلا تحمل مَا ثَقُلَ مِنْ أَخْبَارِ الوحي وأحكامه ، وَيُنْفِقُ المال في حربِ الحق وأهله ، ويعد الذخائر والمؤن ، وَيَعْقِدُ الأحلافَ وَيَضَعُ الخطط ، ويجند الجنود ، كما صنع فرعون وثمود ، فكان من الاستفهام ما يُشَوِّقُ فَهُوَ يُلْهِبُ وَيُهَيِّجُ السامعَ أَنْ يَطْلُبَ الجوابَ الشافي فَثَمَّ شحذ للذهن واستحضار بما وَرَدَ مِنِ استفهام في قوله تعالى : (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من إجمال ثان في لفظ الجنود فهو مئنة من عموم قد استغرق ، والعام مظنة إجمال يَفْتَقِرُ إلى الْبَيَانِ ، فَكَانَ الْبَيَانُ بالبدل في قوله تعالى : (فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) ، فذلك إطنابٌ يَرْفَعُ إجمالَ العام بما كان من خاص يجري ، من وجه ، مجرى المثال فلا يخصص العام فالجنود كثير فلا يزال في كل جيل من الجند الضال من خُذِلَ وَاتَّبَعَ الطواغيت فلا يُعْذَرُ بجهل فقد عَمَّهُ وصف الخاطئ في قول الوحي الصادق : (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) ، فَثَمَّ من العموم ما استغرق ، فأطنب في بيان أجزاء القسمة ملكا ووزارة وجندا ، وأطنب في الحكم إذ حَدَّهُ حَدَّ الكينونة الماضية مئنة من ديمومة واستمرار فلم يكن الخطأ عَرَضًا بل اقترفه المخطئ قَصْدًا وَدَاوَمَ عليه بما يَقْطَعُ العذر جهلا أو نسيانا أو تأولا ، فذلك آكد في تقرير الجناية من القول في غير التنزيل المحكم : إن فرعون وهامان وجنودهما خاطئون ، فلا يعذر الجند الخاطئ إذ رُكِزَ فيه العقل الناصح السالم من الآفات التي تمنع التكليف ، فهو آلة الفقه والإفهام التي عطلها صاحبها قصدا ، فاشتغل بخدمة الطاغوت الصادِّ عن سبيل الهدى والرشاد ، فهو يناجز أتباع الرسالة فَغَايَتُهُ إبطال الهدى ودين الحق الذي بُعِثَ به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَيُرِيدُ إِرَادَةَ الشر الكبرى التي تقدح في أصل الملة ، فـ : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، فَحُدَّ الفعل "يُرِيدُونَ" مضارعةً استحضارا للصورة ، من وجه ، فذلك آكد في تقرير الجناية بما يَقْطَعُ العذر ، ولا يخلو من إثبات الجناية بِتِكْرَارِ الفعلِ حالا واستقبالا فقد اسْتَغْرَقَ ظَرْفَ التكليف كله ، فَلَمْ يَكُنْ ذلك عارضا يَطْرَأُ بَلْ قَدْ قَارَفَهُ صَاحِبُهُ دَوْمًا فخصومته للوحي ناجزة وأقواله وأفعاله على ذلك شاهدة ، وإرادته في هذا الشأن جازمة فلا يَرَاهُ الناظر إلا وهو ساعٍ في إطفاء النور الرسالي ، فهو يَزْدَرِيهِ وَيَذُمُّهُ ، وينبزه بما يضره إذ يَنْسِبُ إليه الجهل والعدوان فهو سبب الشر في هذا العالم ولولاه لأمن الناس واستراحوا فلا يكون ذلك إلا أَنْ تُنْسَخَ آثاره من الأرض وَيَعْلُوَ ذِكْرُ غَيْرِهِ من الأديان المبدلة والمذاهب المحدثة ، فَثَمَّ غِلٌّ قد احتمله في صدره على وجه لا يطيق كتمانه فلا يَزَالُ يَظْهَرُ فِي قُبْحِ مَقَالِهِ وَفُحْشِ فِعَالِهِ التي تجاوز حد الفجور في ذاته فهو يُنَاجِزُ الوحي وأتباعه وَيَتَقَصَّدُ أَذَاهُم على قاعدة الحب والبغض ، فَيَفْرَحُ إن ألحقَ بهم الأذى أو نالهم مِنْ غَيْرِهِ ، فَيُوَالِي خصومهم حبا ويعاديهم بُغْضًا أن استمسكوا بالوحي الذي يريد إطفاء نوره ، فَهُوَ له مُعَطِّلٌ وبحزبه مُنَكِّلٌ أن سلط عليهم بحكمة بالغة فلا تَخْلُو من استدراج له يَسْتَخْرِجُ ما استكن في نَفْسِهِ الدَّنِيَّةِ ولا تخلو من عقاب ناجز لحظ نفس يخفى ولا يخلو مع ذلك من رِفْعَةٍ في الدرجة ، فَبَعْضٌ ممن أراد بهم الله ، جل وعلا ، خيرا قد حصل لهم من البلاء والأذى في سلطانه ما كُفِّرَتْ به السيئات وعلت به الدرجات .
وهو ، مع كُلِّ مَا قَارَفَ مِنَ الخيانة الدِّينِيَّةِ العظمى ، يَزْعُمُ أنه المؤمن الكامل وثم من يداهن ويماري ممن طاله مقال الإرجاء فلم يسلم من وَضَرِهِ ، فَقَصَرَ النواقض الإيمانية على التكذيب ، وأخرج نواقض العمل من القسمة كما قد أخرج العمل من قسمة الإيمان ، فأعطى الذريعة لكلِّ قَادِحٍ في الدين بقوله وعمله أن يحتج بإيمانه الذي يَعْصِمُ ! فهو يَنْطِقُ بالشهادة وَيُصَدِّقُ أَنَّ ثَمَّ إلها واحدا وإن كان يَنْقُضُ شهادته ويناجز الإله الذي يُصَدِّقُ بوجوده تصديقا سَاذَجًا قد تجرد من بَيِّنَاتِ الصدق العملية ، فَهُوَ يُضَاهِي عِرْفَانِ إبليس بِرَبِّ العالمين جل وعلا ! ، فلا يخفي عداوته في القول والعمل فكيف يَثْبُتُ لَهُ إيمان بدعوى مجردة من الدليل بل دليل القول والعمل شاهد بضدها شهودَ الجزم واليقين ، وذلك من القياس عجيب ، وهو من شؤم المحدثات العلمية والعملية التي خالفت عن محكم الطريقة الرسالية في حَدِّ الأسماء والأحكام الشرعية حَدًّا محكما يجمع ويمنع ، فلا يُفْرِطُ ولا يُفَرِّطُ ، فثم إرادة شر تخالف بداهة عن مقصد الشرع ، فـ : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) ، وثم استعارة للنور المحسوس لنظيره المعقول من آي الوحي المنقول ، وهو ما يجاوز الآي المتواتر فهو يستغرق الشرع النازل كله ، آيه وأخباره ، فذلك نور الله ، جل وعلا ، المبين ، فالإضافة ، من هذا الوجه ، إضافة وصف إلى موصوف إذ الوحي من الكلام والكلام من العلم والعلم من وصف الذات الذي لا يُفَارِقُهَا ، فقد علمه الله ، جل وعلا ، أزلا ، إن علم التكوين النافذ أو نَظِيرَهُ من علم التَّشْرِيعِ الحاكم وهو محل الشاهد في هذا السياق ، فالمارق يَرُومُ إطفاءه بِفِيهِ ، ولا يخلو ذكر الفم ، من وجه ، أن يجري مجرى الإزراء بعقله ، فَقَدْ بَلَغَتْ به الحال أَنْ رَامَ إِطْفَاءَ السراج الرسالي الوَهَّاجِ بما يخرج من فِيهِ من هَوَاءٍ ! ، وذكر الفم ، من وجه آخر ، يجري مجرى المثال بالنظر في عموم المعنى فهو ساع في مناجزة الوحي بِفِيهِ إذ يجادل ، ويده إذ يجالد ، فهو يُنَاجِزُهُ بالقول والعمل وَيَتَقَصَّدُ أَذَى أَتْبَاعِهِ بالسب والقتل والجرح والهتك والسلب ....... إلخ ، فلا يَقْتَصِرُ عَلَى أذى اللسان بل قد تَلَبَّسَتْ به جوارحه كُلُّهَا فَصَدَّقَ مُرُوقَهُ وَعِصْيَانَهُ بالعمل فَعَلَامَ يلتمس له المرجئة العذر فلا يشترطون تصديق دعوى الإيمان اللسانية بأعمال الجوارح وهو ما التزمه المارق فَقَدْ صَدَّقَ مروقه بالعمل ! .
وكان من النكاية أن قُوبِلَ فِعْلُه بضده ، فـ : (اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، فالفاعل الْمُتِمُّ هو الله ، جل وعلا ، وذلك من وصف فعله الذي يناط بالمشيئة ولا يخلو من معنى جلال به يَنْتَصِرُ ، جل وعلا ، من خصوم الرسالة وتأويل اسم الفاعل "مُتِمُّ" بالمضارعة "يُتِمُّ" مِمَّا به تقرير المعنى وتوكيده فهو يستغرق الحال والاستقبال جميعا ، وهو ، مع ذلك ، قد ثَبَتَ أزلا ، فتلك دلالة الإضافة في قوله تعالى : (مُتِمُّ نُورِهِ) ، وهي من إضافة العامل إلى المعمول تَخْفِيفًا ، من وجه ، فذلك ما ينظر فيه من جهة اللفظ ، ومئنة من وقوع الفعل وانقضاء أوانه ، من آخر ، فذلك ما ينظر فيه من جهة المعنى ، كما يضرب بعض المحققين المثل بقولك : هذا قاتلُ زَيْدٍ ، بالإضافة ، فَقَدْ قَتَلَهُ وَانْقَضَى الفعل ، خلاف قولك : هذا قاتلٌ زيدًا ، بالقطع فلا إضافة ، فَلَمَّا يَقْتُلْهُ بَعْدُ ، فَإِتْمَامُ النور حتم لازم ، و : (لَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، فَثَمَّ شرط يَجْرِي مجرى الإلهاب والتَّهْيِيجِ إمعانا في التحدي وهو مِمَّا حُذِفَ جوابه إذ تَقَدَّمَ في السِّبِاقَ الذي تقدم ، فتقديره : ولو كره الكافرون فالله ، جل وعلا ، مُتِمُّ نوره ، وإن تأخر مكرا بأعداء الحق وتمحيصا لأهله .
وَفِعْلُ الإتمامِ مِمَّا يَصْدُقُ فِيهِ ما يَصْدُقُ فِي أوصاف الفعل جميعا فهي مِمَّا قَدُمَ نَوْعُهُ وَحَدَثَتْ آحاده بالحكمة البالغة جمالا والقدرة النافذة جلالا ، فلا يخلو الجلال أبدا من جمال يشفعه وبهما يكون الثناء التام بالكمال المطلق على الرب المهيمن ، جل وعلا ، وهو ما لا ينهض لحربه أحد ، فمن ذا يَنْهَضُ لحرب الله ، جل وعلا ، إلا الجاهل الذي لا يقدره حَقَّ قدره ، فكان من المقابلة والطباق ما يدحض إرادة العدو الصائل على آي الوحي النازل وأخباره ، سواء أكان فرعون أم ثمود أم أي جند مارق فمآله الخسران التام وإن ظهر بادي الرأي ، فظهور الاستدراج بما يكون من الاغترار بالقوة ، من وجه ، فـ : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، والاغترار بإمهال الرب الحكيم الماكر ، جل وعلا ، فـ : (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) .
فمن كان يُنْفِقُ فِي حَرْبِ الحق وأهله ونصرة الباطل وحزبه ، فكل أولئك من صور الإنفاق الذي يجاوز حد النَّقْصِ إلى النقض ، فلا ينفقها في سبيل الله ، جل وعلا ، فَرْضًا أو نَفْلًا ، وَلَيْتَهُ أمسكها مع عظم الجناية فقد تُوُعِّدَ صاحبها كما في آي التوبة آنف الذكر : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، تُوُعِّدَ بالعذاب الأليم بشرى خرجت مخرج التهكم ، وهو محل الشاهد الأول ، فَلَيْتَهُ اقْتَصَرَ على الإمساك ، بل هو يجاوزه فَيُنْفِقُهَا فِي ضِدِّ ما لأجله نَزَلَتَ فَمَا نزلت إلا ليعبد الله ، جل وعلا ، وَتُقَامَ الفرائض من الصلوات والزكوات وسائر النفقات المشروعة ، فكان من العدول بها عما لأجله خلقت ، فَثَمَّ من بَذَّرَ وأسرف في وجوه من اللذة تحرم ، وثم من زاد فأنفق في حرب الرسالة ونقض أحكام الديانة ، فلا يستويان ، بداهة ، فالأول قد غُلِبَ على أمره فَقَارَفَ ما تَلْتَذُّ به النفس عاجلا وإن أورثها الحسرة والألم آجلا إن في الأولى أو في الآخرة ، فلا يخرج مع عظم ما قد قارف ، لا يخرج عن أصل الدين الجامع ، والثاني ، في المقابل ، قَدْ تَقَصَّدَ فَهُوَ يُبْغِضُ الوحي المنزل فالأمر يجاوز حد شهوةٍ تَطْرَأُ فَتَفْجَأُ النفس فلا تطيق مُغَالَبَتَهَا ، فَثَمَّ قدر فارق وإن كانت صورة الفعل واحدة : إمساك وبخل فلا ينفق في وجوه الخير ولازم ذلك الإنفاق في أضدادها ، فتلك صورة واحدة تجري ، من وجه ، مجرى الجنس العام فَتَحْتَهَا آحاد منها : إنفاق في كفران يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع ، وآخر في عصيان يَنْقُضُ كمالَ الدين الواجب ، فكلاهما أهل أن يُبَشَّرَ بالعذاب الأليم في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فَثَمَّ فاء لا تخلو من دلالة السببية فما بعدها مسبَّبٌ نَاتِجٌ عما قبلها ، وهي ، مع ذلك ، عاطفة تفيد الفور والتعقيب ، فالعطف مئنة من تلازم بين العلة والحكم ، فالأولى تسبق الثاني فهي الجالبة له ، وهي ، مع ذلك ، تفيد فورا وتعقيبا يزيد في دلالة الاقتران بين السبب والمسبَّب ، فكانت البشرى بالعذاب الأليم ، وإن تفاوت ، فهي في حالٍ بشرى مؤقتة إن لم يكن الكنز والإمساك استباحة أو استخفافا ، فكان شهوة جَمْعٍ غلبت على النَّفْسِ ، وهي ، في أخرى ، مؤبدة إن كان الإمساك وعدم الإنفاق دالا على معنى يزيد على مطلق المخالفة لأحكام الدين ، لا سيما بالنظر في اللازم المسكوت عنه فلا ينفقونها في سبيل الحق فهم ينفقونها ، بداهة ، في ضده من سبل الباطل ، فمنها ما ينقض أصل الدين الجامع فيكون عذابه مؤبدا ، ومنها ما ينقض أصله الجامع فيكون عذابه مؤقتا .

والبشرى إذ أطلقت فلا تخلو من إجمال وإن انصرفت ، كما تقدم ، إلى البشرى بالخير ، فكان من القيد بالعذاب في قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فضلا عما تقدم في هذه الآيات من ذنوب عظيمة يُتَوَعَّدُ فاعلها بالعقاب فلا يُوعَدُ بالثواب عليها ، بداهة ، فتلك قرائن استوجبت صرف البشرى إلى المعنى المؤول وهو معنى الوعيد بالشر تهكما وسخرية ، فالقيد قد قَامَ مقام القرينة الصارفة إذ أَبَانَ عن مراد المتكلم وإن لم يظهر بادي الرأي ، فكانت الْبُشْرَى بِالْعَذَابِ أولا فَذَلِكَ قَيْدٌ أول يُبَيِّنُ ، وهو ، من وجه آخر ، يُوَطِّئُ لِمَا بعده من وصف الألم الذي حُدَّ حَدَّ المبالغة "أَلِيم" فَهُوَ فَعِيلٌ من فاعل : "أَلِيم" من "مؤلِم" ، وذلك اسم الفاعل من الرباعي "آلَمَ" ، فَتَأَلَّمَ فلان من كذا ، ذلك من اللازم الذي لا يتعدى بنفسه ، وكذلك الشأن في : أَلِمَ فلان ، فإذا دخلت عليه الهمزة صار من المتعدي كما في قولك : آلَمَ فلانٌ فلانًا هو من المتعدي بالهمزة : همزة التعدي التي دخلت على اللازم "أَلِمَ" فصار بِهَا مُتَعَدِّيًا فذلك حرف مبنى لا يخلو من دلالة معنى إذ صار به اللازم متعديا وتلك منزلة وسطى بين حرف المعنى الخالص كحروف الجر "مِنْ" و "إِلَى" ...... إلخ فلها عمل في المبنى جرا ولها دلالة في المعنى كابتداء الغاية في "مِنْ" وانتهائها في "إِلَى" ، فثم منزلة وسطى بين حرف المبنى الخالص وحرف المبنى الخالص كالقاف من "قَرَأَ" ، فَثَمَّ من الحروف ما يدخل في مبنى الكلمة ولا يخلو ، مع ذلك ، من دلالة معنى ، كما في همزة التعدي في "آلَمَ" وهمزة الإزالة في نحو قولك : أعجمت الكتاب إذا أزلت عجمته ، وكما في نون الجمع في "نَقْرَأُ" ، والألف الدالة على المتكلم في نحو قولك : أَقْرَأُ الكتابَ ، والتاء التي تكون تارة للمخاطب في نحو قولك مَنْ تُخَاطِبُ : تَقْرَأُ الكتاب ، وللغائبة أخرى كقولك : تَقْرَأُ الكتاب ، لمن سأل : ما تصنع هند ؟ .
وَالْإِرْدَافُ بِوَصْفِ الأليمِ ، لو تدبر الناظر ، قَرِينَةٌ ثانية توجب تأويلا أخص ، أن تقتصر البشرى تهكما وسخرية على الجنس الكافر الذي اقْتَرَفَ مَا يُوجِبُ انْتِقَاضَ الأصل الجامع ، إذ الإيلام مظنة إهانة أعظم وذلك ما يلائم الجنس الأكبر الناقض لأصل اليدين الجامع ، فضلا عما تَقَدَّمَ صدر الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فَضْلًا عَمَّا تَقَدَّمَ من الوصل المجمل في "الذين" وهو ما أُبِينَ عنه بالصلة وما بعدها : (يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) ، فَكُلُّهَا مِنْ نَوَاقِضِ الدين ، أو بعضها ، على تأويل ، فإن الكفر بآيات الله ، جل وعلا ، وهو ما حُدَّ حَدَّ المضارعة في "يكفرون" ، مئنة من استحضار الصورة ، من وجه ، فضلا عن اتصال الظرف فذلك وعيد يَتَجَدَّدُ كلما حَدَثَ سببه الذي اشتقت منه الصلة وتوابعها ، ولا يخلو العامل "يكفرون" إذ أُطْلِقَ أَنْ يَنْصرِفَ إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع لا سيما وقد عُطِفَ عليه نَاقِضٌ من نواقض الدين يقينا وهو قتل الأنبياء ، عليهم السلام ، فذلك ناقض من نواقض الإيمان العملية ، ولا يخلو ، لو تدبر الناظر ، أن يكون فردا من أفراد العام الذي تقدمه وهو الكفر بآيات الله ، جل وعلا ، فإن قتل الأنبياء كفر بالآيات التي أوجبت تَوْقِيرَهُم وَتَعْزِيرَهم والإيمان بما جاءوا به من البينات والهدى ، فَقَتْلُهُم يخالف عن ذلك ، بداهة ، بل وينقضه نَقْضًا ، فصح من هذا الوجه أن يقال إن العطف في هذه الحال عطف خاص على عام ، فعطف ناقضا من نواقض الإيمان وهو قتل الأنبياء عليهم السلام ، عطفه على الكفر الذي استغرق آيات الله ، جل وعلا ، جميعا ، فلا تخلو الإضافة في "آيات الله" ، لا تخلو من دلالة التعريف في لفظها والعموم في معناها ، وإن كان الجمع المزيد بالألف والتاء ابتداء من جموع القلة فقد رَفَدَتْهُ الإضافة فصار من جموع الكثرة التي تستغرق الآيات كلها ، الكونية والشرعية ، الخبرية والإنشائية ، فالكفر بالآيات الكونية أن يكفر الناظر بمعنى الربوبية خلقا وإيجادا وإعدادا وإمدادا بالأسباب وتسييرا على السنن المحكم ومدافعة بين الأضداد فهي مئنة من قدرة نافذة وحكمة بالغة ، والكفر بالآيات الشرعية أن يكذب الخبر ويعطل الحكم ، ومنه الحكم الذي يُوجِبُ تَعْزِيرَ الأنبياءِ ، عليهم السلام ، فَكَانَ قَتْلُهُمْ ، من هذا الوجه ، تَعْطِيلًا لهذا الأمر على وجه يوجب انْتِقَاضَ الأصل فلا يُتَصَوَّرُ فِيهِ انْتِقَاضُ الكمال الواجب كما لو قَتَلَ غيرهم ، فَقَتْلُهُمْ قد اختص بهذا المعنى فهو كُفْرٌ ناقل عن الملة قولا واحدا ، ويشهد له قول صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ" ، فذلك مما يجري مجرى المبالغة ، من وجه ، إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده في سياق التسجيل لجناية عظمى فذلك ما يُنَفِّرُ مِنْهَا وَيُرَهِّبُ ، فهي من أعظم نواقض الدين جُرْمًا ، فلا يَقْتُلُ النبيَّ إلا كافرٌ برسالته فَانْتَفَى تعظيمها وتعظيمه من قلبه فَعَطَّلَ الأمر الموجِبَ لتعزيره وتوقيره ، ولا يقتل النبيُّ في المقابل إلا كافرا ، إلا إن كان القتل خطأ أو كان استيفاء لحد ، فقد قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبي بن خلف فهو يدخل في حد الكفر وحد الوعيد في الخبر آنف الذكر ، وَقَتَلَ ماعزا والغامدية ، رضي الله عنهما ، حدا فلا يقال بداهة إنهما من أشد الناس عذابا بل كان قتلهما حَدًّا كفارة لهما ، من وجه ، فضلا عما كان من ثَنَاءِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليهما إذ صَدَقَا فِي التَّوْبَةِ .
فكان من الكفر بآيات الله ، جل وعلا ، ما عُطِفَ عَطْفَ الخاصِّ على العام ، فقتل الأنبياء ، عليهم السلام ، كفر ناقل عن الملة فهو كُفْرٌ بِآيِ الشِّرْعَةِ ، وثم قيد يجري مجرى الوصف الكاشف فقد خرج مخرج الغالب وهو قيد الحال "بِغَيْرِ حَقٍّ" ، فلا مفهوم له إذ ليس ، بداهة ، من قتل الأنبياء ما هو حق ، وإنما زاد القيد إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده تَنْفِيرًا من هذه الجناية العظمى ، ولا يخلو العاملان "يكفرون" و "يقتلون" ، لا يَخْلُوَانِ وهما مضارعان ، لا يخلوان من استحضار للصورة إمعانا في التَّنْفِيرِ من هذه الجنايات العظمى فضلا عما تَقَدَّمَ من اتصال الظرف فذلك معنى يستغرق كل مخاطَب أيا كان المصر أو العصر ، ولا يرد على ذلك أن النبوة قد انقطعت فلا يُتَصَوَّرُ قَتْلُ صاحبها بعد ذلك ، فثم معنى أعم يرفد دلالة التعليل في سياق الوعيد وهو التوسل إليهم بالأذى فيدخل فيه سَبُّهُمْ والانتقاصُ مِنْ قَدْرِهِم والطعن في أعراضهم وحرب رسالتهم بالسعي في طمس معالمها وتعطيل أحكامها والإزراء بها والحط من قدرها وَنَبْزِهَا بالجهل والقصور وحرب حزبها الذي بها قد آمن ، فتكون السعاية في تقتيلهم والتنكيل بهم أن آمنوا بِهَا وَتَحَمَّلُوا آيَهَا وأحكامها فَلَوْلَا ذلك ما تقصدهم القاتل بالأذى والجرح والنفي والأسر .... إلخ من أجناس الأذى الذي يجاوز ، كما تقدم ، حد القتل ، فذكره ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وهو الأذى فالقتل فَرْدٌ من أفراده فذكره في سياق التمثيل لا يَنْقُضُ دلالة التعميم في جنسه الأعلى : جِنْسِ الأذى لِلنَّبِيِّينَ ، عليهم السلام ، فهو ناقض لأصل الدين الجامع إلا ما كان عرضا لم يَتَقَصَّدْهُ صاحبه بل قد رَامَ ضده في أحيان من الإكرام والاستئناس بالمصاحبة فَأَدْخَلَ على النبي الأذى وإن اسْتَحْيَى أن يصرح كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) .
فكان من العوامل التي تعاطفت تعاطف التعليل في آي آل عمران : (يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) ، و : (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) ، و : (يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) ، كان منها ما حُدَّ حَدَّ المضارعة استغراقا لظرف التكليف ، ولا تخلو على التأويل آنف الذكر أن تجري مجرى التماثل بين المتعاطفات ، فكلها من نواقض الإيمان ، وإن كان الكفر بالآيات أعمها في الدلالة ، إذ يدخل فيه ما بَعْدَهُ مِنْ قَتْلِ النبيين عليهم السلام وَقَتْلِ من يأمر بالقسط من الناس ، وإن احتمل الشطر الثالث : (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) ، وإن احتمل نقض الكمال الواجب دون الأصل الجامع إن كان القتل لا على قاعدة دينية يُبْغِضُ فِيهَا القاتلُ المقتولَ لأجل دينه بلا تَأَوُّلٍ ، كما يقال في حال الخوارج مع عظم ضلالهم فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا المخالف على قاعدة دينية يُبْغِضُونَ بها دينه دون أن يعتقدوا أنه الدين الحق بل قد حملهم الغلو والتعصب وفساد الرأي أن جعلوا دين المخالف ولو من الصدر الأول الفاضل رضي الله عنهم ، أن جعلوه من الكفر الموجب للقتال فَالرَّاجِحُ فيهم أَنَّهُمْ ليسوا بكفار وإن كانوا من أعظم الضُّلَّالِ خلافا لمن يُبْغِضُ ما قَدِ اسْتَيْقَنَ بقلبه أنه الحق المحكم ، وإن جَحَدَ بِلِسَانِهِ ، فعداوته للدين الخاتم هي الباعث على القتل ، فإن لم يكن القتل على هذه القاعدة فكان لأجل دنيا أو بغضا للمقتول لا على قاعدة دينية فذلك ما لا ينقض أصل الدين الجامع وإن نقض كماله الواجب فالقتل من أعظم الكبائر ، بل قد تُوُعِّدَ فاعله بعذاب الخلد في مواضع ، فـ : (مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ، وإن حمل ذلك على المكث الطويل ما لم يكن القتل ، كما تقدم ، عَلَى قاعدة من الدين يُبْغِضُ فِيهَا المقتول لأجل دينه ، فذلك أصل يَطَّرِدُ في جميع أجناس الإيذاء للمؤمنين ، فَثَمَّ هنا ، أيضا ، معنى أعم يَنْدَرِجُ فيه القتل فهو فَرْدٌ من أفراده فلا يخصص ذكره العموم الذي يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ، فإن كان القتل لأجل إيمانهم فالخلد في الآية هو الخلد المؤبد لا المكث الطويل ، والعذاب في آي آل عمران هو عذاب الكافرين المهين المؤلِم .
فالكفر بالآيات صدر الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) ، الكفر إذ أُطْلِقَ فَهُوَ يَنْصَرِفُ ، بادي الرأي ، إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين وهو ما رَفَدَهُ اللِّحَاقُ بَعْدَهُ ، وَقَتْلُ الأنبياء قولا واحدا كفرٌ بالملة ونقض لأصول الشرعة ، وَقَتْلُ من يأمر بالقسط من الناس إن كان على القاعدة الدينية آنفة الذكر فهو يُوَاطِئُ ما تقدمه فيكون الجميع من الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فيجري العطف مجرى التماثل ، ويجري ، من وجه آخر ، مجرى التمثيل لعام أعم وهو ما ينقض أصل الإيمان من الاعتقاد والقول والعمل ، فالكفر بالآي من الاعتقاد والقول ، وقتل الأنبياء وأتباعهم من العمل ، فثم عموم أعم يستغرق جميع النواقض الكبرى وهو ما يرشح في دلالة العذاب أنه العذاب الأكبر المؤبد ، وإذا لم يُحْمَلِ القتلُ ، قَتْلُ من يأمر بالقسط ، وهو الشطر الثالث ، إذا لم يحمل على الجنس الأكبر فكان القتل لا على قاعدة الْبُغْضِ للدين الحق ، فإذا لم يحمل على الجنس الأكبر فالعطف ، من هذا الوجه ، مما يدخله التخالف ، فَثَمَّ تماثل ، من وجه ، أن الجميع من المحرمات التي نَهَى الشرع عنها ، وثم تخالف في درجة الحرمة والوعيد على الفعلة ، وَكِلَا الوجهين يصح وهو مِمَّا يَسْتَأْنِسُ به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فَثَمَّ سياق واحد قد احتمل أكثر من وجه بلا تحكم ولا تعسف في الاستدلال .

والسياق ، من وجه ثالث ، لا يخلو من دلالة الإنشاء إذ يُبِينُ عن وعيد هذه الأفعال فهو ، بداهة ، يستوجب النهي عنها نهي التحريم الجازم فتأويل الآي من هذا الوجه : لا تُقَارِفُوا نَوَاقِضَ الإيمان عموما ، ولا تكفروا بالآي ولا تَقْتُلُوا الأنبياء وَأَتْبَاعَهم خصوصا ، ولا يخلو الإسناد إلى ضمير الجمع المذكر ، لا يخلو ، بداهة ، من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف فلا يتصور في المذكورات أن تقتصر على جنس دون آخر بل هي مما يعم كل محل يصح تَكْلِيفُهُ ذَكَرًا أو أُنْثَى .

فالآي ، من هذا الوجه ، شاهد لِمَنْ قَالَ إن الأصل في العطف هو التماثل ، فإن كان قَتْلُ مَنْ يَأْمُرُ بالقسط لا على قاعدة الدين آنفة الذكر ، بل على قاعدة أخرى لا تخلو من تحريم ولكنها لا تبلغ حد التكفير ، فالعطف ، من هذا الوجه ، عطف مختلفات ، وإن كانت جميعا من المحرمات ، فهي بالنظر في أصل التحريم العام متماثلات ، وبالنظر في درجته مختلفات فمنها محرم ينقض أصل الدين الجامع كالكفر بالآيات وقتل الأنبياء عليهم السلام ، ومنها محرم ينقض كمال الدين الواجب إن حمل القتل في قوله تعالى : (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) ، إِنْ حُمِلَ على ما تَقَدَّمَ مِنَ القتل لا على قاعدة الدين الذي يُبْغِضُ فيها القاتلُ المقتولَ لأجل دينه ، فاحتمل العطف ، من هذا الوجه ، احتمل عطف التماثل تارة ، وعطف التخالف أخرى ، على وجه يصح فيه الوجهان وإن انصرف السياق بادي الرأي إلى الأول إلا أنه يحتمل الثاني بلا تكلف ولا تعسف وذلك ، كما تقدم ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .
وكذلك الشأن في التبشير بالعذاب الأليم فذلك مما ينصرف ابتداء إلى العذاب الأكبر الذي يخلد فيه صاحبه فالمذكورات من نواقض الدين ، واللفظ ، مع ذلك ، لا يخلو من دلالة اشتراك ، فقد تكون البشرى بالعذاب الأليم المؤقت في حَقِّ مَنْ قَارَفَ كبيرة تَعْظُمُ فاستحق هذا الوعيد وإن لم يكن واجبا نافذا كوعيد من قارف الكفر الكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فالسياق قد استغرق الوجهين على وجه لا تكلف فيه ولا تعسف إذ الجهة قد انفكت فاستأنس به ، أيضا ، من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .
ولا تخلو الفاء في قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ) ، لا تخلو من دلالة فور وتعقيب وذلك آكد في المساءة إذ تُعَجِّلُ بالوعيد ، فضلا عن دلالة السببية ، فلا تخلو منها فاء ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ المحققين ، فَمَا تَقَدَّمَ من الجنايات سببٌ في حصول الوعيد بالعذاب الأليم ، ولا تخلو ، أيضا ، من دلالة الفاء الرابطة إن أُشْرِبَ الموصول صَدْرَ الآية معنى الشرط الجامع فكلاهما نص في العموم كما قرر أهل الأصول ، وكلاهما مما يظهر فيه الاقتران على حد التعليل فالجواب فرع على الشرط فهو مُسَبَّبٌ عنه وَنَاتِجٌ ، والخبر حال الوصل فَرْعٌ على المعنى الذي اشتقت منه الصلة فهو مناط الحكم بالخبر المسنَدِ إلى الموصول المجملِ الذي أَبَانَتْ عنه الصلة إِبَانَةَ التَّعْلِيلِ كما تقدم .

ولا يخلو الخبر كسائر الأخبار من جُمَلٍ مِنَ التوكيد القياسي فمنها الاسمي كالناسخ المؤكد "إِنَّ" وهو أم الباب ، ومنها المعنوي كاسمية الجملة .

والله أعلى وأعلم .