ومن قوله تعالى : (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) ، فذلك من الاستفهام الذي يفيد التشويق ، وقد أطلق عامل الإتيان في "أتاك" ، فهل أتاك من أي وجه ، وذلك ما به تعظم منة الوحي أن أَتَاهَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما لم يكن يعلم فلم يجلس إلى مُعَلِّمٍ ولم يَسْتَمِعْ إلى مُخْبِرٍ ، وَهُوَ مَا يَشْحَذُ الذهنَ أن يَعِيَ الحديث ، وهو الخبر ، فهو الحديث المحدَث إِذْ كان بعد أن لم يكن ، ثم نُقِلَ إلى الجيل التالي ومن بعده فَنُقِلَ نَقْلَ التواترِ ، إذ جاء به الوحي الخاتم ، فَهُوَ مِمَّا حَدَثَ أولا حالَ وقوعه ، وحدث ثانيا إذ نَزَلَ وحيا يخبر ، فكان من نجمه ما حدث ، إذ تَنَزَّلَ نجوما تترى ، فكان من حدوث آحاده , وإن قَدُمَ نَوْعُهُ فَهُوَ مِنْ عِلْمِ الله ، جل وعلا ، الأول ، ومن علمه الشرعي إذ هو من كلمه المنزَّل ، وهو من كلامه الذي قَدُمَ نوعه وحدثت آحاده ، فَهُوَ ، من هذا الوجه ، من وصف أفعاله الذي يُنَاطُ بالمشيئة ، فَقِدَمُ نَوْعُهُ أَوَّلًا وحدوث آحادِه ثَانِيًا ، ذلك أصل يطرد في جميع الأوصاف الفعلية التي تُنَاطُ بالمشيئة ، فكان من الاستفهام ما يُمَهِّدُ فهو آكد في تقرير المعنى في الذهن ، ولا يخلو الاستفهام من دلالة الخبر على تَقْدِيرِ : قد أتاك حديث موسى ، فدلالته دلالة التحقيق والتقرير ، ولا تخلو الإضافة في "حديث موسى" ، لا تخلو مِنْ تَعْرِيفٍ في لفظها وعموم في معناها يستغرق سائر أخبار الكليم عليه السلام ، وهو ما خُصَّ بعهد أول وهو حديث موسى ، عليه السلام ، في نبوته فهي مناط الاعتبار والتكليف ، وثم آخر أخص وهو الخبر الذي كان مَبْدَأَ أمرِه إذ رأى النار ، وكل أولئك معان صحيحة يجوز حمل اللفظ عليها فلا تَعَارُضَ بَيْنَهَا فكان من اجتماعها عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ ما به اسْتَأْنَسَ من يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك .
وبعد الإجمال كان البيان فكان التقييد بالظرف : (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) ، فقال لأهله ، واللام مئنة من التَّبْلِيغِ ، فغاية قوله هي أهلُه الذين خاطبهم بالقول ، فلا تخلو اللام أن تضمن دلالة الانتهاء ، انتهاء الغاية كما الحال في "إلى" ، فَتَعَدَّى القول لأهله وهم زوجه ، فَكَنَّى عَنْهَا بالجمع تعظيما ، فكان من الأمر إرشادا ونصحا ولا يخلو من التَّرَفُّقِ ، فضلا عن إيجاب ضُمِّنَ دلالة الشرع لا أن الكليم ، عليه السلام ، مرجع تشريع ، فلم يكن آنذاك نبيا يكلم ، وإن لم يخل أمره من معنى الشرع فَنُصْحُ الزوجِ لأهله واجب ، وطاعته عليها واجبة ، فاجتمع في الأمر من الدلالة نصح وإرشاد وَتَرَفُّقٌ وإيجاب وَتعْظِيمٌ بالنظر في دلالة الواو ، واو الجمع التي أُسْنِدَ إِلَيْهَا أمر المكث ، وهو ما اطرد في كلام العرب فاستشهد له بعض المفسرين بالبيت المشهور :
فإن شِئْتِ حرمت النساء سواكم ******* وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بَرْدًا .
فلم يقل "سواكِ" ، وإنما كَنَّى عَنْهَا بالجمع ، ضمير المخاطب المجموع في "سواكم" ، فَحَدَّ الكلام حَدَّ الشرط ، ولا يخلو من دلالة المبالغة إذ حَدَّهُ حَدَّ النادر فتلك دلالة "إِنْ" الشرطية ، فضلا عن إطلاق المشيئة في "شِئْتِ" ، فَعَظَّمَ مِنْ شأنها إذ أطلق لها المشيئة ، ولو فِيمَا يخالف عن رَغَائِبِهِ ، فضلا عما تقدم من إضافة إلى ضمير الجمع في "سواكم" ، فذلك ، أَيْضًا ، مِمَّا يُعَظِّمُ شَأْنَ المخاطَبَةِ ، ولا يخلو الشطر الثاني من إطناب إذ كَرَّرَ الإسناد ، إسناد المشيئة إلى المخاطَبَةِ ، فتلك دلالة التاء ، تاء الفاعل المكسورة في "شئتِ" وتلك صورة المخاطبَة منها ، فضلا عن تكرار النفي ، فذكر "لم" وأطنب فذكر "لا" ، وكلاهما مئنة من النفي ، فيجري ذلك ، لو تدبر الناظر ، مجرى الزيادة في المبنى فهي مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى .
فكان من التعظيم في الأمرِ أَنِ : (امْكُثُوا) ، وهو ما انضم ، كما تقدم ، إلى دلالات الإرشاد والنصح والتَّرَفُّقِ ..... إلخ ، وذلك ، أيضا ، مما يَسْتَأْنِسُ بِهِ مَنْ يجوز دلالة العموم في اللفظ الْمُشْتَرَكِ ، فَقَدِ اجتمع في الأمر ما تَقَدَّمَ من الدلالاتِ ، فَأَمَرَ ثُمَّ أَطْنَبَ عَلَى حَدِّ الاستئنافِ بالناسخ : (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) ، فلا يخلو من دلالة التعليل ، إذ يَجْرِي مجرى الجواب عن سُؤَالٍ قَدْ دَلَّ عليه السياق اقْتِضَاءً ، فهي تَسْأَلُ : ولم أمكثُ ؟ فكان الجواب : (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) ، فَثَمَّ خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ بجمل مُؤَكِّدَاتٍ قياسية مِنْهَا اللفظي وَمِنْهَا الْمَعْنَوِيُّ ، فَثَمَّ التوكيد اللفظي بالناسخ المؤكِّد "إِنَّ" ، وَثَمَّ التوكيد باسمية الجملة فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا آنست نارا ، فضلا عن تكرار الإسناد ، إسناد الفعل إلى فاعل المعنى المظهر وهو ياء المتكلم في "إني" فهو منصوب في لفظه وإن كان فاعلا في معناه والفاعل حكمه في اللسان الرفع ، وهو ما يثبت حال انفصل الضمير فَانْقَلَبَ إلى ضمير المتكلم المرفوع "أنا" فهو في هذه الحال فاعلُ معنى مرفوع ، خلاف ما لو اتصل بالناسخ فهو فاعل في المعنى ولكنه اسم الناسخ المنصوب لفظا ، فكان تكرار الإسناد المؤكد : فاعل المعنى المظهر في "إِنِّي" ، وفاعل اللفظ المظهر ، أيضا ، وهو تاء الفاعل في "آنستُ" ، وبعده كان الإطناب بِتَعْلِيلٍ آخر حُدَّ حَدَّ الرجاء أَنْ : (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) ، فأبان عن وجوه انْتِفَاعٍ بالنار : قَبَسًا به يُصْطَلَى ، أو هدى ، فالنار آية بها يهتدي السالك في الفلوات ، وبعده كان الإخبار بالظرف : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى) ، فكان النداء الذي بُنِيَ لما لم يُسَمَّ فاعله ، فَحُذِفَ الفاعلُ للعلم به ، بداهة ، فهو الله ، جل وعلا ، إذ يُنَادِيهِ نِدَاءَ الإنباء والإرسال ، فَثَبَتَتْ له النبوة آنذاك ، فكان النداء من الشجرة لا أَنَّهَا مَنْ نَادَى ، فلا تَقُولُ الشجرة بداهة ! : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ، وإنما دلالة "مِنْ" في قوله تعالى : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) ، دلالة "مِنْ" ابتداء الغاية ، فابتداء غاية الصوت والحرف من جهة الشجرة ، فكان من النداء ما به التَّنْبِيهُ ، ولا يخلو من التعظيم ، تعظيم المنادِي ، جل وعلا ، فَنَادَى نداء البعيد إذ علا بالذات والوصف ، وبعد النداء كان الخبر : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ، فهو ، أيضا ، من البيان لِمَا أُجْمِلَ ، فلا يخلو أن يكون جَوَابًا لِسُؤَالٍ قَدْ دَلَّ عليه السياق اقْتِضَاءً ، فما قال إذ نَادَاهُ ؟ ، فكان الجواب : قَالَ : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ، فذلك أول خبر نُبِّئَ به الكليم ، عليه السلام ، ولا يخلو من دلالات تَوْكِيدٍ سبقت الإشارة إليها مِرَارًا ، فَثَمَّ التوكيد اللفظي بالناسخ ، وثم اسمية الجملة فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا ربك ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التوكيد قصرا بتعريف الجزأين فهو مئنة من الحصر والتوكيد ، فأنا ربك لا رب لك سواي ، فَنَابَ عن ذلك تعريف الجزأين فيجري ، أيضا ، مجرى الإيجاز بالحذف ، وذلك ، من وجه آخر ، ما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فهو ، جل وعلا ، رَبُّ موسى ، ورب هارون ، كما سأل فرعون : (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى) ، وهو رب العالمين كما سأل في موضع آخر : (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، وهو رب كل شيء كما في آي الأنعام : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فَثَمَّ انْتِقَالٌ من ربوبية الفرد إلى ربوبية الجمع إلى ربوبية كل شيء عقل أو لم يعقل ، فيكون خطاب موسى ، عليه السلام ، في هذا الموضع خطاب الخاص الذي يدل على عام ، لِقَرِينَةِ العمومِ في معنى الربوبية فهي من الأجناس الكلية المستغرقة لجميع الأفعال الاختيارية في الكون خلقا ورزقا وتدبيرا ... إلخ فضلا عن أخرى في الحكم فَثَمَّ ربوبية التشريع فلا رب يشرع بخبر الصدق وحكم العدل الذي عم فاستغرق سائر الحكومات الخاصة والعامة ، لا رَبَّ ذلك وصفه ، إذ يحكم بكلم الشرع ، إلا الرب الذي خلق وَرَزَقَ وَدَبَّرَ بكلمِ الكون ، على وجه به استيفاء القسمة التوحيدية ، وَهِيَ أَوَّلُ مَا بِهِ العبد يكلف فَيُؤْمِنُ بالرب خالقا وبالإله شارعا حاكما ، وهو يَتَأَلَّهُ له بِمَا أخبر به وحكم ، فكان الخبر : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ، ثم الإنشاء : (فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) ، فلا تخلو الفاء من دلالة السببية وإن لم تكن نصا فيها ، فَالرَّبُّ الخالق ، جل وعلا ، هو الإله الشارع الذي يُكَلِّفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، فَكَانَ الأمرُ أَنِ : (اخْلَعْ نَعْلَيْكَ) ، فكان الإنشاء بعد الخبر على وجه لا يخلو من دلالة التلازم ، إذ أخبر عن الربوبية وَكَلَّفَ بِمُقْتَضَى الألوهية ، فكان الأمر بخلع النعل في الواد المقدس ، فـ : (اخْلَعْ نَعْلَيْكَ) ، فهو ، أيضا ، مما يَجْرِي مَجْرَى ما تقدم من إيجاز الحذف ، فَثَمَّ تعليل لأمر الخلع وإن كان التكليف مما يجب امتثاله وإن لم يُعْقَلْ معناه فكان مَنَاطَ تَوْقِيفٍ ، فَزَادَ الحكم تَقْرِيرًا بما أبان عن عِلَّتِهِ : (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ، فَثَمَّ سؤال يتبادر إلى الذهن وهو المحذوف في هذا الموضع ، فما علة خلع النعل ؟ ، فذلك سؤال التعليل المحذوف الذي دل عليه السياق اقتضاء ، وإن كان ذلك ، كما تقدم ، تكليفا يجب امتثاله أَدْرَكَ المخاطَبُ حكمتَه أو لم يدرك ، وبعده كان الخبر : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) : فذلك اصطفاء النبوة فلا تُنَالُ بكسب أو فتوة ، فكان الاختيار : اختيار الحكمة والقدرة أن هَيَّأَ المحل أن يقبل آثار الوحي فذلك اصطفاء أخص من اصطفاء الإيمان ، إذ يُهَيِّئُ الله ، جل وعلا ، فيه ، أيضا ، المحل أن يقبل آثار الإيمان من التصديق والامتثال ، وبعد تهيئة المحل يكون الحال الذي يَرِدُ فَيُبَاشِرُ من القوى المركوزة في المحل ، قوى التصديق بالخبر إثبات وَنَفْيًا ، وقوى الامتثال للإنشاء أمرا ونهيا على وجه يستغرق جميع المحال ، فالباطن يُصَدِّقُ بصورة العلم الناصح الذي يواطئ الحق في نفس الأمر ، فيكون قبوله بما ركز في الجنان من فطرة التوحيد فهي معيار محكم به يَمِيزُ الناظر الحقَّ من الباطلِ ، فإذا جاءه الحق وَفَجَأَهُ وَجَدَ من سطوع حجته وَبُلُوغِ مَقَالَتِهِ ما يضطره ضَرُورَةً أن يصدق ، فإذا صدق التصديق المعتبرَ فهو يَنْقَادُ وَيَسْتَسْلِمُ وَيُذْعِنُ وَيُقِرُّ فَيَكُونُ ثَمَّ قَدْرٌ زَائِدٌ على العرفان المحض الذي به حصول الصورة العلمية مجردةً مِنْ قَبُولٍ أو رَدٍّ فهي أول ما يَرِدُ على المحل فلا يقال إنها تجزئ في حصول تصديق معتبر فتلك حركة ثانية تحصل في الجنان ، فالحركة الأولى : عرفان محض به حصول الصورة العلمية المجردة وذلك ما يحصل لكل أَحَدٍ قَبِلَ أو رَدَّ ، آمن أو كفر ، والحركة الثانية هي ما يميز فيكون من الإذعان والإقرار ما يُرَجِّحُ القبولَ على الرَّدِّ ، فتلك أولى حركات الإيمان ، وبعدها يحصل من حركات الجنان ما يَزِيدُ فَهِيَ تَدْخُلُ فِي حَدِّ العملِ ، فَإِنَّ مِنْهُ مَا بَطَنَ كالرجاء والتوكل والإنابة .... إلخ ، ومنه ما ظَهَرَ فَشَغَلَ المحال الظاهرة من اللسانِ أو الأركانِ ، نُطْقًا أو صمتا ، فِعْلًا أو تَرْكًا ، فكان من الحكمة أن هُيِّئَ كُلُّ محلٍّ لما يُوَاطِئُ الحالَّ فيه ، فَتَهْيِئَةُ المحل الصالح أَنْ يَقْبَلَ آثارَ الصلاح تصورا وحكما وذلك الفضل ، وتهيئة المحل الفاسد أَنْ يَقْبَلَ آثارَ الفساد وذلك العدل ، فاطرد القياس وانعكس على وجه يُوَاطِئُ قِيَاسَ الحكمةِ الصريحِ ، وكذلك النبوة فهي اصطفاء أخص ، كما تقدم ، فهي إيمان وزيادة ، فذلك اختيار الحكمة والقدرة ، وهو ما حُدَّ ، أَيْضًا ، حَدَّ الاسمية في قوله تعالى : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، فهي مئنة من الثبوت ، فذلك قدر تكوين نافذ أن يُكَلَّفَ الكليم ، عليه السلام ، تَكْلِيفَ الوحيِ النَّازِلَ ، أن يُصَدِّقَ وَيَمْتَثِلَ فَذَلِكَ أولُّ تكليفٍ في النبوات ، وَثَمَّ مَا زَادَ فِي حَقِّهِ أَنْ يُبَلِّغَ وَيُبَيِّنَ البلاغَ والبيانَ الأول ، فكلُّ مَنْ جَاءَ بعده فَتَحَمَّلَ التوراة فَهُوَ يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ ثانيا بما قد أُخِذَ عليه من ميثاق بما استحفظ ، كما في آي المائدة : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) ، فيحكمون بما أنزل الله ، جل وعلا ، من الوحي ، فذلك شرط إيمان رئيس يجاوز ما يكون من التصديق ، وإن كان ، عند التدبر والنظر ، من لوازمه الضرورية ، فلازم التصديق أن الله ، جل وعلا ، هو الخالق الرزاق المدبر .... إلخ من وظائف الربوبية ، لازمه أنه هو من يحكم ويشرع بما أَنْزَلَ من الوحي المحكم ، خَبَرًا يُصَدِّقُ وَإِنْشَاءً يَمْتَثِلُ ، على وجه به الحكم العام في جميع المحال والأحوال ، فذلك ما يجاوز المحل الباطن تصديقا ، فيكون من تأويله في الباطن : عمل الجنان آنف الذكر فهو يَتَنَوَّعُ بَيْنَ رجاءٍ وَتَوَكُّلٍ وإنابة وخوف ، فَمِنْهُ الرَّغَبُ رَجَاءً ، ومنه الرَّهَبُ خوفا على وجه قد استغرق شطري العبودية الكاملة ، فهي كمال الحب رَغَبًا وكمال الذل رَهَبًا ، ومناط الأول الجمال ، ومناط الثاني الجلال ، وبهما يثبت الكمال المطلق للرب الحميد المجيد ، جل وعلا ، فحمده بالجمال ، وتمجيده بالجلال ، فكان من الحكم ما جاوز محل التصديق الباطن ، فَثَمَّ تأويلٌ له في الخارج ، قولا باللسان وعملا بالأركان على وجه قد استغرق أجزاء القسمة الإيمانية في الخارج ، فلا تقتصر على التصديق الباطن ، إذ لا بد له ، من وجه ، أن يُشْفَعَ بِلَوَازِمَ في الظاهر ، ولا بد له ، من آخر ، أن يُقَاسَمَ حَدَّ الإيمان بما يكون من القول والعمل ، فالتصديق يقاسمهما ماهية الإيمان المركبة التي استغرقت سائر المحال المكلفة ما بَطَنَ من الجنان وما ظَهَرَ من اللسان والأركان ، ولا يخلو التصديق ، من وجه آخر ، أن يكون جِنْسًا عاما يَنْدَرِجُ فيه القول والعمل ، فَيَكُونَانِ ، من هذا الوجه ، أَقْسَامًا له لا قَوَاسِمَ تُشَارِكُهُ الدخول في جنس أعلى وهو الحقيقة الإيمانية ، فالتصديق قد يكافئ الإيمان في الدلالة فيكون ، أيضا ، من الأجناس العامة التي تستغرق سائر المحال التكليفية والأحوال الاختيارية ، ما بَطَنَ وما ظَهَرَ ، فيكون تصديق الجنان بما يكون من الإقرار والإذعان ، ويكون تصديق اللسان بالقول ، ويكون تصديق الأركان بالعمل ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، ما استغرق سائر الأحوال الاختيارية ، الباطنة والظاهرة ، الخاصة والعامة ، فكان الحكم بما أنزل الله ، جل وعلا ، من الوحي توراة جلال وإنجيل جمال وقرآن كمال قد استجمع زبدة ما تقدم وخلاصة ما تقرر ، فكان الوحي الخاتم الذي نَسَخَ ما تَقَدَّمَ ، فكل أولئك مما اصطفيت به النبوات ، فَاصْطُفِيَ موسى وَاخْتِيرَ ، كما عيسى المسيح ، وكما البشير النذير ، عليهم الصلاة والسلام جميعا ، وكلهم إلى دين الخليل ، عليه السلام ، يَأْرِزُ ، فهو دين الحنيفية توحيدا محكما فذلك دين النبوات جميعا من لدن آدم إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكلهم من أولي العزم ، فهم أصول النبوات التي جاءت بما يعمر المحال بالخير علما وعملا ، وما يستغرق الأحوال خاصا وعاما ، فالإيمان به أول واجب على العبيد ، إذ يستوجب الإيمان بالرب الخالق والإله الحاكم الذي اصطفى هذه النبوات واختار لها من المحال الكاملة ما يُطِيقُ أَعْبَاءَهَا الهائلة ، فـ : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) ، فذلك القول الثقيل الذي نُكِّرَ مَئِنَّةً من التعظيم ، وزيد في حَدِّهِ النعتُ فهو الثقيل وهو ، مع ذلك ، المريء النافع ، فكان من الإيمان بالنبوات ما لا يحصل إيمان يجزئ إلا به فهو من شروط الصحة ، بل من أَرْكَانِ الدين ، وهو ما يجاوز حد التصديق الباطن ، فلا بد من الامتثال في الظاهر قولا وعملا ، ما خَصَّ الفردَ وَعَمَّ الجمع ، فلا يَقْتَصِرُ على حركات الجنان وشعائر الأركان حتى يُشْفَعَ بالشرائع والأحكام ، فيكون الحكم حقيقةً لا دعوى في كل نَوَازِلِ الدنيا ، فذلك تأويل الأمرِ المحكَم فِي قول الرب المحكِم جل وعلا : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، فَنَصَّ عَلَى مواضع التَّنَازُعِ والاختلاف فيدخل في الأمر ، من باب أولى ، مواضع الائتلاف والاتفاق ، فَذِكْرُ التَّنَازُعِ في هذا السياق يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فهو فرد من أفراده لا يحول ذكره دون دخول غيره في حد العام الجامعِ المستغرقِ لهما ، فيكون رَفْعُ التَّنَازُعِ والتَّفَرُّقِ بما يكون من الاعتصام بحبل الوحي المنزل ، فذلك تأويل الأمر والنهي المتلازمين في قول رب المشرقين والمغربين جل وعلا : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فثم تلازم بين الاعتصام بالحق وعدم التفرق على سبل دونه فهي باطل ينشعب ويتعدد خلاف الحق الأول فهو المحكم الذي لا يَتَغَيَّرُ .
فكان من الإيمان بالنبوات المختارة كنبوة الكليم ، عليه السلام ، ما يَسْتَلْزِمُ الحكم بها في كل دقيق وجليل ، فذلك شرط صحة في الإيمان ، فَتَعْطِيلُهَا وَتَبْدِيلُ أحكامها نَاقِلٌ عن الملة وناقض للدين ، وإن لم يَنْتَفِ معه التصديق الباطن ، فقد يحصل ويحصل معه الناقض ، إذ يجري مجرى أي حكم في النقل أو العقل أو العادة فلا بد من استيفاء الشرط وانتفاء المانع ، فتعطيل الوحي وتبديل أحكامه ناقض يمنع حصول إيمان يجزئ ، فلا بد من انتفائه وإلا دخل صاحبه في حد الكفران إذ لم يحكم بما أنزل الله ، جل وعلا ، فحكم بغيره مما أحدث من شرائع الوضع فخالف عن مقتضى الاختيار آنف الذكر في قول الرب الحق جل وعلا : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، اختيار موسى عليه السلام وغيره ، فاختيارهم أَنْ يُبَلِّغُوا وَيُبَيِّنُوا يستلزم الإيمان بما كان من بَلَاغِهِم وَبَيَانِهِم وهو ما استغرق الحكم كما الخبر ، فلا يحصل الإيمان المجزئ إلا بالتصديق الخبري والامتثال العملي وهو ما يستغرق سائر الأوامر والنواهي ، فلا يجزئ التصديق أَنَّ الوحي حق أو أنه قد نَزَلَ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ ، جل وعلا ، لا يجزئ في حصول إيمان يجزئ حتى يكون انْتِحَالُ الوحيِ حَقِيقَةً لا دعوى تَقْتَصِرُ على مَبْنًى بلا مَعْنًى ، وهو ما يستوجب الحكم بِهِ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ مع اعتقاد أَهْلِيَّتِهِ أن يحكم وَشَفْعِ ذلك بلازمها من القضاء النافذ ، فلا بد من اعتقاد الأهلية ، فذلك تكليف الباطن ، والحكم به في سائر النوازل العلمية والعملية ، فذلك تكليف الظاهر ، فلا يُجْدِي الاعتقاد شيئا والوحي معطل مُزْدَرًى ، والاعتقاد في هذه الحال يجاوز ، كما تقدم في سائر مواضع التصديق ، يجاوز معنى العرفان المجرد فَثَمَّ مَنْ يَعْرِفُ أن هذا الوحي من عند الله ، جل وعلا ، ولكنه لا يُقِرُّ بِهِ بل له يُبْغِضُ فلا يشرح به صدرا ، فلا يجزئ عرفانه بداهة فهو كعرفان إبليس وفرعون فَمَا أغناهما شيئا ، إذ كَرِهَا بعض ما أَنْزَلَ الرب ، جل وعلا ، فأحبط أعمالهما ، فإما أنهما قد كَرِهَا أصلَ التوحيد الجامع وإما أنهما قد كَرِهَا من الدين ما لا تحصل حقيقة إيمانية مجزئة في إثبات الاسم ولو مطلقا أول ، وإنما أنهما قَدْ كَرِهَا من الدين ما لا تحصل هذه الحقيقة الإيمانية إلا به ، فكان ثَمَّ ناقض لأصل الدين الجامع وإن لم يكن إنكارا للأصل الأول أو جحودا به ، فَمِنْ نَوَاقِضِ الإيمان ما سوى الإنكار والجحود ، فمنها اعتقاد وقول وعمل ، كما أن الإيمان في مقابلها : اعتقاد وقول وعمل ، فمنها ما استغرق سائر المحال والأحوال الباطنة والظاهرة ، على وجه اسْتَقْرَأَهُ مَنْ صَنَّفَ في هذا الباب الجليل : باب الأسماء والأحكام .
فَذِكْرُ موسى ، عليه السلام ، من هذا الوجه ، مجرى الاختيار الرباني المحكم في الآي المنزل : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، ذِكْرُهُ يَجْرِي ، أيضا ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فلم يكن وحده من اختير بل قد اختار الرب الحكيم القدير غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام .
فَثَمَّ اختيار أُكِّدَ باسمية الجملة "وَأَنَا اخْتَرْتُكَ" ، فهي مئنة من الثبوت ، فضلا عن تكرار الإسناد مع الإطناب فِي الخبر إذ حُدَّ حَدَّ الجملة "اخترتُك" ، ولا تخلو مَاضَوِيَّتُهَا من دلالة تقرير وتوكيد ، فكان الاختيار الحكيم إذ علم ، جل وعلا ، من صلاحِ المحلِّ مَا وَاطَأَ صلاحَ الحال ، فالنبوة ، بداهة ، وهي مادة الصلاح المطلق ، لا تَحِلُّ إلا في محلٍّ صالح ناصح ، فـ : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ، ولازمه الاستماع لما يوحى في قوله تعالى : (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، فكان الأمر الذي اقترن بالفاء في "فَاسْتَمِعْ" فَلَا تخلو الفاء من دلالة السببية فضلا عن فور وتعقيب وبه يستأنس من يقول إن الأصل في الأمر الفور ، فَيُبَادِرُ المكلف فلا يتأخر ، فكان الأمر بالاستماع ، وذلك ما يجاوز حد السماع المطلق فهو كالعرفان المجرد الذي يحصل لكل أحد آمنَ أو كفر ، فلا بد من قَدْرٍ زَائِدٍ ، فَثَمَّ التصديق الباطن ، وثم الاستماع فَقَدْ زِيدَ فِي مَبْنَاهُ الألف والسين والتاء مئنة من أخرى فِي معناه ، فلا يخلو من قصد وطلب وذلك آكد في الامتثال ، فكان الأمر الذي استغرق فتلك دلالة الموصول "ما" ، فَهُوَ يَعُمُّ كل ما أَوْحَى به الرب ، جل وعلا ، من خبر التوراة وحكمها ، وعموم المعنى يجاوز دلالة السياق فذلك تكليف يطرد في جميع النبوات أن يكون الاستماع تصديقا للخبر وامتثالا للحكم ، ما خَصَّ وما عَمَّ ، ما لَزِمَ وَمَا تَعَدَّى .
ولا يخلو العموم في "مَا" في : (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، لا يخلو من إجمال ، فَحَسُنَ بَعْدَهُ الْبَيَانُ فكان من النص على آحاد منه تُبَيِّنُ ، فَنَصَّ على الأصل الأول : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) ، فذلك خبر التوحيد العام فهو ، كما تقدم ، دين النبوات جميعا ، وقد أُكِّدَ بِمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا من المؤكدات اللفظية والمعنوية ، فكان القصر بتعريف الجزأين "أنا" و "الله" ، والضمير المؤكِّد "أنا" فهو من جنس المؤكَّد الذي انْقَلَبَ ياء متكلم في "إِنَّنِي" لَمَّا دخل عليه الناسخ "إن" ، وهو، أيضا ، من جملة المؤكِّدَاتِ لفظا ، فتلك اسمية مثبتة بما تقدم من المؤكدات لفظا ومعنى ، وبعدها كان النص باسمية أخرى مَنْفِيَّةٍ في قوله تعالى : (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) ، فذلك نص على اللازم ، فإن دلالة القصر أن المتكلم هو الله وحده ، تستلزم أن لا إله غيره ، فلا معبود بحق سواه ، وهو ما أُرْدِفَ بالتكليف أن : (اعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فلا يخلو من تلازم آخر بين الخبر توحيدا ، ولازمه من الإنشاء أمرا بالعبادة فَهُوَ ما أطلق فاستغرق سائر أجناسها ، فهي ، كما تقدم مرارا ، مَا اسْتَغْرَقَ الجمال حبا والجلال ذلا ، فهي كمال الحب رغبة مع كمال الذل رهبة ، وهي بالنظر في آحادها عام قد استغرق سائر ما يحب الله ، جل وعلا ، وَيَرْضَى من الاعتقادات والأقوال والأعمال ، ما بطن منها وما ظهر ، فَنَصَّ على العبادة وهي العام ، وأردف بالخاص من الصلاة ، فـ : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، وذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى الإطناب بالخاص بعد العام ، فَبِهِ زيادةُ تَوْكِيدٍ ، ولا يخلو من بَيَانٍ لما أجمل من حَدِّ العبادة ، فذكر المثال المبيِّنَ بعد إطلاق العامل المجمل ، عامل العبادة ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التَّنْوِيهِ بالصلاة فهي من آكد الفرائض والأركان ، وبعدها كان مثال آخر لما أُوحِيَ به لموسى ، عليه السلام ، وهو خبر الساعة ، فَبَعْدَ رُكْنِ الإيمان بالله ، كان رُكْنُ الإيمان بالساعة ، وهو ما صُدِّرَ ، أيضا ، بالتوكيد الناسخ ، فـ : (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) ، فضلا عن الاسمية المؤكدة في جملة "الساعة آتية" فهي دار الجزاء ، فكان الإطناب بالخبر الثاني خبر الجملة الفعلية : (أَكَادُ أُخْفِيهَا) ، وذلك جار على قانون اللسان حال اجتمع خبران أحدهما مفرد والآخر جملة فيقدم المفرد إذ هو أليق بالمبتدأ المفرد ، فيكون الأخبار عن المفرد بمثله ثم يكون الإطناب بالجملة ، ولا تخلو من دلالة المبالغة فيكاد ، جل وعلا ، يُزِيلُ خفاءها مَئِنَّةً من قُرْبِهَا ، فدلالة الألف في "أخفيها" دلالة الإزالة كما يُضْرَبُ المثل في كتب الصرف بقول القائل : أعجمت الكتاب إذا أزلت عجمته ، وبعده كان النص على العلة في قول ذي الجلال والعزة تبارك وتعالى : (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) ، فتلك دلالة اللام في "لتجزى" ، وباء السببية في "بِمَا تَسْعَى" ، فَحُذِفَ الفاعل في "لِتُجْزَى" للعلم به بداهة فلا يجزي الناس أعمالهم إلا الله ، جل وعلا ، وثم عموم قد استغرق النفوس الساعية ، واستغرق سائر وجوه السعي فتلك دلالة "ما" فَهِيَ نص في الباب ، فضلا عن إطلاق العامل "تَسْعَى" ، فاستغرق سَعْيَ الباطن عقدا وَسَعْيَ الظاهر قولا وعملا ، سعي الخاص وسعي العام على وجه قد استغرق أيضا ، سائر الأجزاء التي منها الحقيقة الإيمانية تَأْتَلِفُ ، ولا تخلو المضارعة في "تسعى" من دلالة الحال والاستقبال على وجه يستغرق ظرف التكليف كله ، فضلا عما يكون من استحضار الصورة وذلك آكد في المراقبة والمتابعة وهما شرطا الصحة في أي عمل : إخلاص القصد ألا يكون لله ، جل وعلا ، فيه شريك فيسلم من الشرك والرياء ، وإحسان العمل أن يكون على وزان ما جاء به الوحي وأمر .
وذلك ما قُصِرَ في مواضع ، فـ : (أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ، فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فلا يجزى إلا ما عمل إذ : (لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .
وذلك خبر قد أردف بالإنشاء فهو لازمه ، فإذا كان ثَمَّ دار فيها الحساب والجزاء ، فـ : (لَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) ، فذلك نهي محكم ، فلا يصدنك من لا يؤمن ، وإذ قد خلا المحل وشغر من الإيمان فقد شغل بضده من الهوى ، فاتباعه ذريعة الردى ، فَعَطَفَ العامل المضارع الذي نصب بالفاء في "فَتَرْدَى" فهي ، في هذا الموضع ، نص في السببية ، وذلك آكد في تقرير الحقيقة الدينية : أن الإيمان سبب النجاة وأن ضده من اتباع الهوى سبب الردى ، فاطرد القياس وانعكس على وجه يواطئ دلالة القياس الصريح ، ولا تخلو هذه الأخبار من دلالات إنشائية تأمر بالخير وَتَنْهَى عن ضده من الشر ، فذلك اطراد وانعكاس آخر به يسلم المكلف من تَبِعَةِ الوعيد العادل وَيَنَالَ فَضْلَ الوعدِ الصادق .

والله أعلى وأعلم .