ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "عَليكُم بالصدقِ فَإنَّ الصِدقَ يَهدي إِلَى البِر وإنَّ البِر يَهدي إِلى الجَنة، وإِنَّ الرَّجُل يَصدقُ حَتى يُكتبَ عِنْدَ اللَّهِ صِديقاً وإِياكُم والكَذبَ فَإن الكَذبَ يَهدي إِلَى الفُجورِ والفُجورُ يَهدي إِلَى النَّار، وإِن الرجلَ لَيكذِبُ حَتى يُكتَبَ عِندَ اللَّهِ كَذَّاباً" ، فذلك من الأمر القياسي في اللسان والأصول ، فثم اسم فعل يأمر "عَلَيْكُمْ" ، وهو مما نُقِلَ عن الجار والمجرور ، والأصل فيه الإيجاب ، كما اطرد في دلالات الأصول ، فدلالته تكافئ دلالة الأمر الصريح أَنِ : الْزَمُوا الصدقَ ، أو اصْدُقُوا ، وهو ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ الصدق الاعتقاد والصدق في القول والصدق في العمل ، وهو ، لو تدبر الناظر ، ما يَسْتَغْرِقُ أجزاء الحقيقة الإيمانية كلها فاصدقوا في الاعتقاد توحيدا وفي القول شهادة وذكرا ، وفي العمل فِعْلًا وَتَرْكًا على وجه يواطئ الدعوى الإيمانية الأولى فتصديقها ما يكون في الظاهر من القول والعمل ، ولا يخلو المبنى : اسم فعل أمر في "عَلَيْكُمْ" ، لا يخلو من دلالة ثانية قِيَاسِيَّةٍ وهي دلالة التغليب وهي ما يجاوز بالضمير في "عليكم" ضمير الجمع المخاطب ، ما يجاوز به الجمع المذكر إلى كل محل يصح تكليفه بملازمة الصدق وهو ما يستغرق ، بداهة ، النساء كما الرجال لقرينة العموم في خطاب التكليف بل قد تُقَدَّمُ النساء في هذا الباب فإنهن أكثر كلاما فَيَكْثُرُ الكذب فيه ما لا يكثر في كلام الرجال فأمرهن بالصدق من هذا الوجه آكد ! ، وثم دلالة ثالثة استفيدت من مبنى اسم الفعل "عَلَيْكُمْ" ، فَهُوَ يحكي استعلاء وَتَمَكُّنًا من المعنى المأمور به ، فتلك دلالة الملازمة على تأويل : الْزَمُوا الصدقَ ، وذلك قَدْرٌ يَزِيدُ عَلَى مَحْضِ الْفِعْلِ ، وهو ما يرجح قول القائل أن الأصل في الأمر التكرار فلا تَبْرَأُ الذمة بحصول الفعل مرة ، فالصدق لا يجب مرة ثم يخرج صاحبه من عهدة التكليف فَيَصِيرُ الكذب حلالا يَنْسَخُ التحريم ! ، فلا يصدق في هذا الموضع أن الأمر لا يفيد التكرار ، فَتَبْرَأُ الذمة بحصول ماهية المأمور في الخارج مرة ، فلا يصدق ذلك في هذا الموضع فَتَحَرِّي الصدقِ حتم لازم في جميع الأحوال والمحال إلا ما اسْتُثْنِيَ من عوارض كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها : "رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب في ثلاث : في الحرب ، وفي الإصلاح بين الناس ، وقول الرجل لامرأته" ، فذلك ما يجري مجرى التخصيص ، تخصيص العام الذي دلت عليه "أل" في "الصدق" ، فذلك من التخصيص المنفصل في موضع آخر من السنة ، وهو كَسَائِرِ الاستثناءات التي لا تَثْبُتُ إلا بدليل فتلك دعوى تخالف عن الأصل ، والبينة على من ادعى كما تقرر في أحكام القضاء والشهادة ، فلا بد من دليل مخصوص كَمَا في حديث أم كلثوم آنف الذكر ، فهو يجاوز حد الدعوى المحضة فلا تجزئ في ثبوت المعنى بل لا بد من دليل مخصوص يجاوز حد التجويز العقلي المحض ، فمعظم أحكام الشرع تَقْبَلُ التخصيص من هذا الوجه ، فلا يجزئ ، بداهة ، أن يقترح كل ناظر دعوى يخصص بها عموما لا يروق له فهو يتحايل للخروج من عهدته بدعوى مجردة من الدليل فالمخالف له أن يقترح أخرى تَنْقُضُهَا ، فدعوى في مقابل دعوى وكلاهما مجرد من الدليل فَتَسَاوَيَا من هذا الوجه فَتَسَاقَطَا آخر الأمر فلا حاجة أن يُقِيمَ الثاني دليلا على دَعْوَاهُ إذ دليل الأول لم يكن إلا محض الدعوى ! ، ولثالث أن يقترح ما به يخرج آحادا أخرى من العموم وَكُلٌّ يُخْرِجُ ما لا يروق له فيكون التلاعب بالوحي بدعاوى محضة لا دليل عليها إلا الهوى أو الذوق ! لا جرم اشْتُرِطَ في التخصيص الدليلُ الصحيح الصريح الذي يسلم من معارضة المبنى نَقْلًا صحيحا ومعارضة المعنى عقلا صريحا فلا يقبل في الطعن أيضا محض الدعوى أن الإسناد ضعيف أو أن المعنى رَكِيكٌ يخالف عن دلالات العقل الصريح فَكُلُّ مُدَّعٍ في هذا الموضع يزعم أن الكلام يخالف عن قياس العقل ، وإن كان عقله وحده ! ، فإذا رُدَّ الأمر إليه فما استقبحه فثم آخر يستحسنه ، وذلك ما يُفْضِي إلى التَّنَازُعِ فلا بد من حَكَمٍ من خارج يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا ، فَيُرَدَّانِ إليه رَدَّ المتشابه إلى المحكم ، فلا بد من قدر زائد لا يُتْقِنُهُ إلا أهل الشأن في نقد الإسناد والمتن ، لا أهل الهوى والذوق الذين يَتَذَرَّعُونَ بذلك لِيَرُدُّوا مَا خَالَفَ عن أهوائهم وأذواقهم ، فَإِذَا قَامَ الدليل الصحيح الصريح المخصِّص وجب إخراج الآحاد التي خَصَّصَهَا فأخرجها من عهدة العام الذي انْدَرَجَتْ فِيهِ ابْتِدَاءً ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما يؤكد الأصل المستثنى منه ، فالأصل ثابت أن الكذب محرم إلا آحاد أخرجها الدليل المخصِّص فهي كالضرورة التي تقدر بِقَدَرِهَا فلا يجاوز الناظر عنها إلى غيرها إلا بدليل آخر صحيح صريح يخصص كما الدليل الأول لا سيما والعام يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بأكثر من مخصص ، وهو مما استفيد منه في باب الترجيح بين الأدلة حَالَ التَّعَارُضِ وَتَعَذُّرِ الجمع ، فالعام المحفوظ يرجح العام المخصوص مَرَّةً ، والعام المخصوص مَرَّةً يرجح المخصوص مرتين ..... إلخ ، فكلما دخله التخصيص ضعفت دلالته على بقية آحاده التي لم يَنَلْهَا التخصيص بدليله .
والعام ، أيضا ، مما يجوز تخصيصه تِبَاعًا ، فيكون من تَوَالِي المخصِّصَات ما يخرج الآحاد شيئا فشيئا ، وهو ما اعْتَبَرَهُ بَعْضُ أهلِ الشأن مِنْ قَبِيلِ النسخ لا التخصيص ، وإن اصطلح أنه النسخ الجزئي كما قالت الحنفية رحمهم الله ، إذ وَرَدَ العام أولا فَعَمِلَ به المكلف حينا ثم ورد الدليل المخصِّص فَنَسَخَ دلالة العام على الآحاد المخرجة منه وخطاب التخصيص مُتَرَاخٍ عن خطاب العموم الأول وذلك حَدُّ النسخ في الاصطلاح ، ثم عمل المكلف بالعام المخصوص مَرَّةً ، عمل به حينا ، ثم ورد التخصيص أخرى بدليل ثان فأخرج من العام آحادا أخرى بعد العمل بها بخطاب ثان متراخ عن العموم المخصوص مرة ، فصار مخصوصا مَرَّتَيْنِ ، فَتَوَالَى النسخ بعد العمل درجتين ..... إلخ ، فالتجويز العقلي لا يحول دون تكرار ذلك مرة أو اثنتين أو ثلاثة ....... إلخ ، فذلك ، كما تقدم ، تجويز عقلي لا يثبت إلا بدليل نقلي فالتجويز العقلي شيء وثبوت الجائز في الخارج وصيرورته من الواجب شيء آخر ، والخلاف ، في هذا الباب ، يهون ، فهو ، كما يقول بعض المحققين ، خلاف اصطلاح إذ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ النسخ الجزئي والتخصيص وهما مِمَّا يَتَقَارَبُ إذ فِي كلا الوجهين تَخْرُجُ بَعْضُ آحادِ العام ، وذلك ما استوت فيه جميع الأحكام بعد ارتفاع الوحي وانقطاع النسخ ، فاستوت الأحكام جميعا مخصوصة أو منسوخة ، وإن استفيد من ذلك في تاريخ التشريع إذ يبين عن حكمة التنزيل في تنجيم الأحكام تدرجا من أعلى إلى أدنى أو ضده من أدنى إلى أعلى عَلَى وجه به تظهر آيات الحكمة والرحمة في التشريع الخاتم فـ : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ) .

فكان من دلالة الأمر ما اختلف فيه ، فالأصل فيه ، كما تقدم ، الإيجاب ، ولا قرينة هنا توجب التأويل بِصَرْفِهِ عن الأصل الْمُتَبَادِرِ إلى آخر لا يَتَبَادَرُ ، من ندب أو إباحة ..... إلخ ، فالصدق واجب بل هو من آكد الواجبات ، بل هو من أصول الدين ، بل هو الأصل الأول ، فالإيمان تصديق إن بالاعتقاد الذي يقبل وارد الخبر الرسالي فهو من العلم الذي يجب تصديقه تصديقا أول هو العرفان الذي به قيام الحجة الرسالية ، فلا يجزئ في حصول إيمان مجزئ حتى يشفع بِتَصْدِيقٍ ثَانٍ يَقْبَلُ وارد العلم فهو كالمرجح الذي يدل على قدر زَائِدٍ وهو الإقرار والقبول والرضى والإذعان والاستسلام ..... إلخ فكل أولئك من دَلِيلِ الباطن على صدق الدعوى الإيمانية ، وزد عليه أدلة أخرى باطنة هي من حركات الجنان الاختيارية : محبةً وَبُغْضًا ، مَحَبَّةً لِوَارِدِ الوحيِ وَبُغْضًا لما يُخَالِفُ عَنْهُ فِي الحد والماهية ، وكذلك الشأنُ فِي الإرادةِ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الشرعِ ، فهو يجتهد في تحريرها أَنْ تُوَافِقَ ما يُرْضِي الله ، جل وعلا ، على ما اشْتُهِرَ من قسمة الباب فالإرادة جنس عام يستغرق فالذهن يطلقه مجردا ، وتحته أنواع منها الكوني النافذ ونظيره الشرعي الحاكم ، ومحل المدح والثناء أن يواطئ المكلف إرادة التشريع أمرا ونهيا ، وإلا فَمُوَافَقَةُ الإرادة الكونية مما استوت فيه الْبَرِيَّةُ ، فَيُوَاطِئُهَا المؤمن والكافر فلا يخرج عنها أي كائن فلا امتياز بها يوجب مدحا أو ذما ، وإنما يَمْتَازُ المؤمن من الكافر والطائع من العاصِي أن يُوَاطِئَ الأولُ إِرَادَةَ الشَّرْعِ الحاكمةَ بأخبارها الصادقة وأحكامها العادلة ، خلاف الثاني فَهُوَ مُكَذِّبٌ عَاصٍ وهو مع ذلك لا يخرج عن إرادة الخلق فما كان كفره إلا بإرادة تكوين نافذة وهي العدل في محله أن مُدَّ بما يُوَاطِئُ ماهيته الناقصة من الأسباب الفاسدة ، كما الفضل في المقابل في محل المؤمن أن مُدَّ ، أيضا ، بما يواطئ ماهيته الكاملة من الأسباب الصحيحة الناصحة علما يَعْمُرُ الجنان وعملا يَعْمُرُ الأركان ، فَمُدَّ كلٌّ بما يواطئ محله ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قياس الحكمة ، أن يُوضَعَ الشيء في محله الذي يلائم فهو يقبل آثاره ، فَيُوضَعُ الإيمان في المحل الناصح فضلا وَيُوضَعُ الكفران في المحل الفاسد عدلا ، فـ : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) .
فمحل التصديق في باب الإرادات أن يُوَاطِئَ المكلف إرادة الشرع المحكمة ، والتصديق ، مع ذلك ، يكون في لفظ اللسان شهادة ، وفي أعمال الأركان تُرُوكًا أو أَفْعَالًا ، فاللسان يُصَدِّقُ أو يُكَذِّبُ ، والجوارح تصدق أو تكذب ، إن في الخير أو في الشر ، كما أُثِرَ عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، فاستغرق أمر الصدق الذي صدر به الخبر اسم فعل في "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ" ، استغرق سائر المحال التكليفية والأحوال الاختيارية ، فهو ، لو تدبر الناظر ، يعدل اسم الدين الواجب ، وهو ، من هذا الوجه ، آكد الفرائض الدينية ، فهو أول واجب على العبيد إذ التوحيد تصديق أن الله ، جل وعلا ، هو الخالق ، فلا يشرك به في أعمال الربوبية ، وأنه ، جل وعلا ، هو الحاكم الشارع فلا يشرك به في أحكام الألوهية ، إن علما أو عملا ، إن باطنا أو ظاهرا ، إن خاصا أو عاما ، فاستغرق الصدق ، من هذا الوجه ، استعرق بدلالة "أل" جميع آحاد الحقيقة في الخارج فهو يُبِينُ عن ماهيتها ابتداء ، فَيَتَصَوَّرُهَا الذهن مطلقة فهي الجنس العام ويستغرق آحاد هذا الجنس على ما تقدم فلا يقتصر على ما قد يَتَبَادَرُ من الصدق في الأقوال المنطوقة والعقود المكتوبة بل يجاوزها إلى معنى أعم يستغرق سائر أحكام الديانة فالإيمان صدق كله ، والتصديق لا يقتصر على قبول الخبر علما مجردا بل لا بد من دليل صدق ثان فيكون قبول الحكم امتثالا للأمر والنهي فذلك العمل الذي يصدق العلم .



وثم الخلاف ثانيا هل تبرأ الذمة بفعل المأمور مَرَّةً ، أو أن الأمر بِمَادَّتِهِ الأولى يفيد التكرار ، فيجب مرة بعد أخرى ، فمن قال إنه يفيد التكرار فلا حاجة أَنْ يَتَكَلَّفَ قَرِينَةً في هذا الموضع ، فيجب الصدق ابتداء مرة بعد أخرى ، ومن قال إن الأصل فيه عدم التكرار ، فَتَبْرَأُ الذمةُ بِفِعْلِ المأمورِ مرة إذ تَثْبُتُ مَاهِيَّتُهَا في الخارج ، فَثَمَّ قرينة صارفة وهي أن الصدق مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُنْسَخَ ، أو تَبْرَأَ الذمة فيه بِفِعْلِهِ مرةً ثم يكون الكذب بعد ذلك مُبَاحًا ، فَعَلَى كلا القولين فالإيجاب محكم غير منسوخ ، وهو واجب قد اتصل ، فَيَسْتَغْرِقُ ظرف التكليف كُلَّهُ ، فَثَمَّ أمر إيجاب قد أُشْرِبَ معنى الملازمة ، وثم تكليف محكم لا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُنْسَخَ ، فَنَسْخُهُ ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظر ، مما يخالف عن بدائه المعقول ، فضلا عن صحائح المنقول ، فضلا أن دلالته تَعُمُّ ، وهو محل إجماع من النقل والعقل فحسنه أمر ضروري لا يخالف عنه إلا جاحد أو مسفسط فَمَنْ ذَا لا يستحسن الصدق وَيَسْتَقْبِحُ ضده من الكذب إلا في أحوال تُسْتَثْنَى من الأصل الذي يَعُمُّ صدق العقد الباطن ، وهو معنى التوحيد اللازم ، أصل الصحة والقبول في أي تكليف ، فهو كالنية فالصدق فيها حتم لازم وتحريرها بِنَفْيِ المادة الناقضة ، مادة الشرك والرياء .... إلخ من نواقض النية ، ذلك واجب لا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُنْسَخَ ، فكان من الصدق ما مبدؤه الباطن ، فَثَمَّ تَوْحِيدٌ هو أول واجب على العبيد وهو شرط الصحة لما بعده من عمل يَبْطُنُ أو يَظْهَرُ ، وَثَمَّ نِيَّةٌ أخص وهي نِيَّةُ الإخلاصِ فِي العمل المعيَّنِ ، وَنِيَّةُ التَّعْيِينِ بَعْدَهَا ، فَثَمَّ نِيَّةٌ هِيَ أصل الصحة ، وثم أخرى بَعْدَهَا تُعَيِّنُ الرُّتْبَةَ أواجب أم مندوب ..... إلخ ، فكل أولئك مما يجب تحريره فهو مبدأ أي عمل ، فالتصور أول والحكم تال ، إذ العلة تسبق المعلول في الوجود ، وإن كانت العلة الغائية وهي منتهى السؤل الذي لأجله يَتَحَرَّكُ الجنان ومن وَرَائِهِ الأركان ، وإن كانت العلةُ الْغَائِيَّةُ أسبق إلى التصور ، فلا عاقل يَتَحَرَّكُ ابتداء بلا غاية ، فَقَدْ أَجْمَعَ العقلاء ، كما يحكي ابْنُ حَزْمٍ رحمه الله ، أن السعادةَ والنجاةَ وطمأنينةَ القلب هي الْمُرَادُ الأولُ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ النُّفُوسُ في حَدِّهَا وتعيين أسبابها وما تُبَاشِرُ مِنْهَا وَمَا لَا تُبَاشِرُ ، فَثَمَّ مَنْ حَدَّهَا فِي لذة الجسد العارضة ، فهي سكرة يَرُومُ صاحبها الطرب والنشوة وإن أعقب ذلك ما أَعْقَبَهُ من الألم والحسرة ، وَثَمَّ مَنْ حَدَّهَا في لذةِ نَفْسٍ تجاوز الحس وإن لَمْ تَبْلُغِ الحق فصاحبها يروم السيادة أن يسمع ويطاع ، كما قال صاحب إشبيلية ابن عباد وهو يَرْثِي لحاله في أغمات مسجونا :
قَد كانَ دَهرُكَ إِن تأمُرهُ مُمتَثِلاً ******* فَرَدّكَ الدَهرُ مَنهيّاً وَمأمورا .
فكان دهره أن يَمْتثل إذا أمر فإذا به مَنْهِيٌّ مَأْمُورٌ ، بل وفي أغمات مأسور ، فنسخت المحنة لذةَ السلطان وبات ابن عباد في الألم والحسرة بعد أن ذهبت السكرة ، وذهب بهاء زوجه المشهور فَمَاتَتْ إذ لم تحتمل الضيق بَعْدَ السعة ، ومشت بَنَاتُهُ حافيات وَكُنَّ قَبْلَهَا يطأن المسك والكافور كما قال في نظمه ، فَوَلَّتْ لذة العيش في قصور إشبيلية بعد أن أسرهم ابن تاشفين وجاوز بهم إلى العدو المغربية مع ما كان من شدةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا إذ ضَيَّقَ على زوجه وبناته وليس ذلك من شهامة المنتصِر إذا غَلَبَ مع ما أُثِرَ عن يوسف من الديانة والمروءة ففاته في هذا الموضع ما ذُمَّ لأجله ذَمًّا يَعْظُمُ ، ولو بالنظر في أصل الفعلة فهي مِمَّا يَقْبُحُ وهي مما عَمَّتْ بِهِ البلوى في أعصار تَلَتْ إذ غاضت المروءة والشهامة فاستجاز الفساق المتأخرون ! من الأقوال والأعمال ما يخالف عن بدائه المروءة التي تحلى بها فساق الزمن الأول ! فضلا عن عدولهم وثقاتهم ، فَذُمَّ ابن تاشفين ولو بالنظر في جنس الفعل فهو يقبح سواء أقارفه فاضل سقطةً أم ناقص سجيةً وعادةً ، فَذُمَّ ابن تاشفين في هذه الحال الناقصة وإن مُدِحَ فِي أُخْرَى كثيرة فَلَعَلَّهَا أن تَغْمُرَ بحسنها ما قَبُحَ من هذه السقطة التي خالف فيها عن أحكام الشرعة والخِلقة فلا هو وافق المنقول ولا هو وافق المعقول والمفطور والمحسوس فذلك أمر يخالف عَنْ كُلِّ دليلٍ يَصِحُّ .

وَثَمَّ مَنْ رَامَ اللَّذَّةَ حَقًّا فهو نَاسِكٌ يَتَعَبَّدُ فَيُحَرِّرُ النية وَيَتَحَرَّى الصدق في العقد والقول والعمل ، فذلك حد الإيمان وهو مئنة من تصديق مخصوص يجاوز حَدَّ العرفان المجرد من التسليم والانقياد ، فَثَمَّ معنى أخص ، وهو القبول الذي يستوجب الانقياد والإذعان والخشوع ، فكان من الإيمان ما جَاوَزَ التصديق الباطن ، فَثَمَّ آخر بأعمال الجنان التي انْبَعَثَتْ من التصديق ، فَثَمَّ الإرادة والمحبة والرجاء وَالتَّوَكُّلُ ..... إلخ ، وثم تصديق آخر في الظاهر في قول وعمل ، فاللسان يَنْطِقُ بما صَدَّقَ به الجنان وَسَلَّمَ ، والأركان تُصَدِّقُ بِالْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ، وذلك ما استغرق الخاص من الأعمال والعام من الأحكام والسياسات ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في حد الصدق في الخبر آنف الذكر ، فدلالة "أل" تستغرق كل أولئك على وجه يكافئ حد الإيمان ، وهو تكليف الإنسان الأول ، وهو التكليف الذي يَعُمُّ وَيَسْتَغْرِقُ ما بطن من العلم وما ظهر من العمل ، فالصدق فيهما جَمِيعًا واجب ناجز ، ولا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُنْسَخَ ، فَنَسْخُهُ في هذه الحال نسخ للدين كله ، ولا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مرةً فَلَا يَتَكَرَّرُ ، بل لو سُلِّمَ أَنَّهُ مَرَّةٌ ، فَهِيَ مَرَّةٌ تَسْتَغْرِقُ ظرفَ التكليفِ كلَّه ، فهي مرة تَعْدِلُ مرات إذ يجب استحضاره في كل حركة من الحركات الاختيارية ما بَطَنَ مِنْهَا وَمَا ظَهَرَ ، ولا يُتَصَوَّرُ أن يكون ندبا وإن كان من المأمورات ما هو مستحب إلا أن الجنس العام الذي يستغرق التكليف كله ، هذا الجنس واجب بالنوع وإن لم يجب بالعين فمن أَعْيَانِ القولِ والعملِ ما هو مندوب يرجح فيه الفعل ، ولا يخلو من إيجاب بالنظر في الجنس ، فجنس المندوبات مطلقا لا يخلو من إيجاب ولو جَبْرًا لما نَقَصَ من الواجب ، فما لا ينجبر الواجب إلا به فهو واجب ، كما قرر أهل الشأن ، فَثَمَّ إيجاب يستغرق ولو مباحا فلا يخلو هو ، أيضا ، أن يكون واجبا بالنوع كما الأكل والنكاح ..... إلخ ، فوجب فيه الصدق وإن كان دونه في الواجب والمندوب ، فَثَمَّ نِيَّةٌ تَرْفِدُ المباح فَتَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الثواب ، وإن لم يكن لذاتِهِ مَنَاطَ ثوابٍ أو عقاب فلا يَرْجُحُ فيه بالنظر في إطلاقه ، لا يَرْجُحُ فيه فِعْلٌ ولا تَرْكٌ ، فالمكلف فيه مُخَيَّرٌ إلا إذا بَالَغَ فِي التَّرْكِ وَغَلَا في الزُّهْدِ عَلَى وجهٍ يُفْضِي إلى إتلافِ النَّفْسِ بهجر المطعوم والمشروب ، أو فناء النوع بما يكون من هجر النكاح الهجرَ التام فلا يكون واحدٌ أو اثنان يَهْجُرَانِهِ ، وإنما يذيع الأمر فَيَصِيرُ سنة في الجمع فذلك ما به الإثم يحصل إذ عُطِّلَ مقصد رَئِيسٌ من مقاصد الشرع وهو حفظ النفس ، فَمِنْ حِفْظِهَا أن يحفظ النوع بما شرع الله ، جل وعلا ، من طَيِّبِ المناكحِ ، فالصدق في الخبر يستغرق كل أولئك ، فهو ، لو تدبر الناظر ، جنس يدخل فيه الدين كله ، تصديقا بالباطن وآخر بالظاهر ، صدقا في النية الباعثة والصورة الظاهرة من القول والعمل ، صِدْقًا يَمْتَثِلُ صاحبه التكليف إيجابا وندبا بل وإباحة فهو يَرْفِدُهَا بمعنى شريف يُثَابُ صاحبه ، فَيَسْتَعِينُ بِهَا في وجوه الخير إيجابا وندبا فَلَهَا حكمه ، إذ حكمُ الوسيلة حكمُ مقصدها ، ولا يخلو ذلك من قيد الإباحة ، فلا يكون المحرم وسيلة إلى مباح أو واجب حال الاختيار ، إذ الغاية ، ولو شريفةً ، لا تُبَرِّرُ الوسيلة إن كانت خَسِيسَةً ، فذلك إِنْ صَحَّ فَحَالَ الاضطرارِ ضَرُورَةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، كما في الميتة حالَ المخمصة ، فهي وسيلة محرمة تُبَاحُ حال الضرورة فَمَا حُرِّمَ لذاته أُبِيحَ لضرورة ، فَيُبَاحُ منها ما يدفع الضرورة ، فذلك ، أيضا ، من صدق الباعث في حفظ المقاصد وهو ما يفتقر إلى تَجَرُّدٍ فِي النِّيَّةِ ، وسداد في النظر يستوجب آلة استدلال صريحة ، تُقَدِّرُ الضرورة فلا تَزِيدُ عن المشروع ولا تَنْقُصُ .

فكان من الصدق ، كما تقدم ، ما استغرق بدلالة "أل" فهو يجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من سياق الخبر ، وهو الصدق في القول ، فذلك إِنْ صَحَّ فهو كالمثال لعام فلا يخصصه وإنما يُبَيِّنُهُ ، فَجِنْسُ الصدقِ أَعَمُّ من صدق اللسان ، فَثَمَّ صدق الجنان تصورا هو مبدأ الإيمان ، وبعده الحكم الباطن حُبًّا وَبُغْضًا فَهُمَا ، لو تدبر الناظر ، أصل كل حركة في هذا العالم ، مَا بَطَنَ وَمَا ظَهَرَ ، وهما منشأ الإرادة فِعْلًا فَبَاعِثُهُ الحب وَتَرْكًا فَبَاعِثُهُ الْبُغْضُ ، فالنفس تُقَارِفُ ما تحب وَتُفَارِقُ ما تُبْغِضُ ، وإن فسد تصورها ، فقد تحب ما به هلاكها وَتُبْغِضُ ما به نجاتها لا جرم كان صدق الصورة الأولى هو الأصل ، فلا بد من رائدِ صدقٍ لا يَكْذِبُ أهله ، فكان الوحي الذي يصحح المحل الأول ، محل العلم فهو أول والعمل ثان بعده ، كما أن التصور يسبق الحكم ، فالعلة الغائية وإن كانت الآخر في الوجود الخارجي فهي ، كما يقول بعض المحققين ، الأولُ في التصور العقلي إذ لا تُبَاشِرُ النَّفْسُ العلةَ الفاعليةَ إلا وقد تصورت نظيرتها الغائية ، كَمَنْ يُبَاشِرُ لَذَّةَ بَدَنٍ من مطعمٍ أو منكحٍ ، فلا يُبَاشِرُهَا إلا وَقَدْ تَصَوَّرَ الغاية من النشوة والمتعة وإلا مَا أَقْدَمَ ، فَصُورَةُ اللذةِ والمتعةِ وهي ما يكون ثَانِيًا بعد مباشرة سَبَبِهَا ، هذه الصورة تَتَقَدَّمُ أولا ، وإن كانت في الوجود ثانيا ، فالعلة الغائية ، كما يقول المناطقة ، أولٌ في التصور آخرٌ في الوجود فهي ما يكون ثَانِيًا بعد العلة الفاعلية ، فإذا صدق الرائد في الإخبار كانت صورة العلم صحيحة فَانْبَعَثَتْ منها إرادةُ حبٍّ وَبُغْضٍ صالحة ، فهي تحب الخير وتكره الشر ، فيكون من عمل الباطن تَرْجِيحًا للفعل حال الحب ، وآخر لِلتَّرْكِ حال الْبُغْضِ ، وهو ما تظهر آثاره في الخارج في اللسان نُطْقًا أو صَمْتًا ، وفي الأركان فِعْلًا أو تَرْكًا ، فالصدق ، من هذا الوجه ، قد استغرق المحال جميعا ، واستغرق الأحوال جميعا ما خص الفرد وَعَمَّ الجماعة ، لا جرم كان الخطاب بلفظ الجمع في "عليكم" ، فتلك دلالة الضمير المجموع حال الخطاب ، الكاف وما زَادَ عليها من الميم فهي آية الجمع في نُطْقِهِ ، ولا يخلو ، لو تدبر الناظر ، من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، فعليكم وَعَلَيْكُنَّ ، فَالْزَمُوا وَالْزَمْنَ ، فكان من العموم ما استغرق وجوه الملازمة جميعا ، ملازمة الباطن تصديقا وإرادة والظاهر قولا وعملا ، فضلا عن عموم الصدق آنف الذكر ، فدلالة "أل" قد استغرقت وجوه الصدق جميعا ، صدقَ المحال باطنا وظاهرا ، وصدقَ الأحوال خاصة وعامة ، وإن كانت بالنظر في السياق تَنْصَرِفُ إلى عهد خاص وهو الصدق في المقال ، فهو ، كما تقدم ، من المثال لعام فَيُبَيِّنُهُ ولا يُخَصِّصُهُ ، بل وثم عموم يُسْتَفَادُ ، ولو من هذا العهد الخاص ، فدلالة التلازم تستوجب صدق الباطن والظاهر ، فصدق المقال الظاهر باعثه صدق القصد والإرادة في الباطن ، فاحتملت "أل" في "الصدق" من هذا الوجه ، احتملت العهد الخاص بالنظر في قرينة السياق ، والعهد العام بالنظر في دلالة الاستغراق ، استغراق "أل" إذ دخلت على مادة "صدق" ، فَهِيَ ابْتِدَاءً مئنة من بَيَانِ الجنس وَبِهَا حصلت ماهية الصدق في الذهن ، وهي بعد ذلك مئنة من استغراق لآحاد الجنس المدخول فَاسْتَغْرَقَتْ آحاد الصدق جميعا ما بطن وما ظهر ، فاحتملت "أل" كلا الوجهين فلا تعارض ، فالأول خاص والثاني عام ، ولا تعارض بين خاص وعام ، سواء أكان الخاص خارجا من حكم العام بدليل تخصيص ، أو كان واحدا من العام ذُكِرَ تَنْوِيهًا أو تمثيلا فلا يُخَصِّصُ العام الذي يندرج في عمومه ، فذلك ، من وجه ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، إذ دل المبنى الواحد ، مبنى "أل" في "الصدق" ، دل على أكثر من معنى في سياق واحد دون تعارض أو تناقض ، بل ثم تعاضد يُثْرِي السياق وَيَزِيدُهُ .

فكان من الأمر ما عُقِّبَ بالعلة على حد التعاطف في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "فَإنَّ الصِدقَ يَهدي إِلَى البِر وإنَّ البِر يَهدي إِلى الجَنة، وإِنَّ الرَّجُل يَصدقُ حَتى يُكتبَ عِنْدَ اللَّهِ صِديقاً" ، فكان من الفاء في "فَإِنَّ" مَا دَلَّ عَلَى الْفَوْرِ والتعقيب وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا تخلو من دلالة السببية لا سيما وقد دخلت على الناسخ المؤكِّد "إِنَّ" ، وذلك من صِيَغِ التَّعْلِيلِ ، وإن غيرَ صريحٍ ، كما قَرَّرَ أهل الأصول والنظر ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون جوابا عن سؤال قد حُذِفَ فَدَلَّ عليه السياق اقتضاء ، فَمَا علة الأمر الذي تَقَدَّمَ أن يَتَحَّرَى الصدقَ المكلَّفُ ؟ ، فكان الجواب : لأن الصدق يهدي إلى البر ، فأظهر في موضع الإضمار ، إذ لو سلك الجادة في الإيجاز لكنى عن المذكور أولا بضميره فَكَانَ النَّطْقُ : لِأَنَّهُ يَهْدِي إلى البر ، وتلك صورة تجري مجرى القياس النظري الذي يَأْتَلِفُ من مُقَدِّمَاتٍ وَنَتَائِجَ ، فالصدق يهدي إلى البر ، فتلك مقدمة أولى ، والبر يهدي إلى الجنة ، فتلك ثانية ، فَذَكَرَ الْمُقَدِّمَاتِ وَحَذَفَ النَّتِيجَةَ لِلْعِلْمِ بها بداهة ، فذلك من إيجاز الحذف لما دل عليه السياق اقتضاء ، فالنتيجة أن الصدق يهدي إلى الجنة ، فَصِدْقُ القولِ والعملِ ، وَصِدْقُ التَّوْحِيدِ انتحالا والتشريع امتثالا ، كل أولئك يهدي إلى الجنة ، فتلك هداية السبب إلى المسبَّبِ ، والوسيلة إلى الغاية ، فالصدق مِمَّا يُتَوَسَّلُ به إِلَى رضى الله ، جل وعلا ، وهو سبب في نَوَالِ الثواب والرحمة ، رحمة الجنة ، فذلك من القياس الصريح الذي يُوَافِقُ البدائه الضرورية تَلَازُمًا بَيْنَ العلة والمعلول ، وَتَرَاكُبًا للمقدمات فَهِيَ تُفْضِي إلى نَتَائِجِهَا ، ولا تخلو "أل" في "الجنة" من دلالة بَيَانٍ للجنسِ ، من وجه ، وَاسْتِغْرَاقٍ من آخر ، فهي جِنَانٌ كَثِيرَةٌ فَلِكُلِّ صادقٍ مِنْهَا درجةٌ بِمَا تَحَرَّى من الصدق ، وذلك قياس آخر صريح يُوَاطِئُ الحكمة إذ تَقْضِي أَنْ يُوضَعَ الشيءُ في محله الذي يلائم ، فلكلِّ درجةٍ من الصدق درجةٌ من الجنة تُضَاهِيهَا ، والبر ، كما الصدق ، قَدِ اسْتَغْرَقَ وجوهَ الخيرِ كُلَّهَا ، وهو ما حكاه التَّنْزِيلُ في قول الرب الحميد المجيد تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) ، فحكى البر حكاية التقوى المطلقَةِ التي تستغرق كل قول وعمل ، كل فعل وَتَرْكٍ ، وقل مثله في قوله تعالى : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) .
وبعده كان الثَّنَاءُ على مَنْ صَدَقَ وَتَحَرَّى الصدقَ ، فـ : "إِنَّ الرَّجُل يَصدقُ حَتى يُكتبَ عِنْدَ اللَّهِ صِديقاً" ، فذلك توكيد آخر قياسي ، فالناسخ نص في الباب ، وبعده اسْمِيَّةُ الجملةِ ، ولا يخلو الخبر من توكيد آخر إذ أطنب في المسند ، وهو الخبر "يَصْدُقُ" ، فَثَمَّ إخبار بالجملة ، وهي مما حُدَّ حَدَّ المضارعة مئنة من ديمومة واستمرار يَسْتَغْرِقُ الحال والاستقبال ، فضلا عن إطلاق العامل "يَصْدُقُ" ، فهو يستغرق سائر أجناس الصدق وآحاده ، فالصدق في القول والعمل ، في الاعتقاد والمقال والحال ، فَثَمَّ تكرير به التَّقْرِيرُ ، وثم غاية قياسية فتلك دلالة "حتى" ، ولا تخلو من دلالة التعليل ، فهي تُفْضِي بصاحبها إلى غاية تحمد ، وذلك ما يدل دلالة التلازم على إنشاء الأمر أَنِ : اصْدُقُوا ، فَمَا عِلَّةُ ذلك ؟! ، فهي : أن تُكْتَبُوا عند الله صديقين وصديقات فدلالة "الرجل" ، أيضا ، دلالة التغليب فهو يستغرق المرأة كما الرجل لقرينة العموم في خطاب التكليف ، وتلك كتابة التكوين النافذ ، ولا تخلو من معنى شرعي إذ يُبَاشِرُ المكلَّف سببَ الكتابةِ فَيَتَأَوَّلُ التقدير الأول بما يكون من الامتثال التالي فَهُوَ تَصْدِيقُ ما تَقَدَّمَ ، فَيُكْتَبُ إِذْ بَاشَرَ التكليفَ ، يكتب كتابة ثانية : كتابةَ الإحصاء والتسجيل ، فهي تُصَدِّقُ الأولى وَتُوَاطِئُهَا ، فَيَصْدُقُ في صاحبها أنه امتثل كَتْبَ الشرعِ فَكُتِبَ كَتْبَ الكون ، فيكتب صِدِّيقًا إذ يصدق ويمتثل ، ولا يخلو السياق من جناس اشتقاق بالنظر في مادة الصدق في "يصدق" و "الصدق" و "صِدِّيقًا" فذلك مما يزيد المعنى بيانا وتقريرا ، فلا يَزَالُ يَصْدُقُ وَيُبَاشِرُ الفعل مرةً بَعْدَ أخرى حتى يَصِيرَ له سجية ، فإنما العلم بِالتَّعَلُّمِ وإنما الحلم بِالتَّحَلُّمِ ، فهو يهذب الطبائع بما يكون من الصنائع ، فصنائع المعروف تَثْقُلُ فلا يُطِيقُهَا كل أحد ، إلا من جُبِلَ عَلَيْهَا جبلا ، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأشج عبد القيس : "يَا أَشَجُّ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ" .

فكان من مزاولة الصدق ما يَرْقَى بِصَاحِبِه إلى رُتْبَةِ الصديقية ، وهي كَسَائِرِ المعاني المطلقة في الذهن ، فَهِيَ الجنس الذي تَنْدَرِجُ فِيهِ آحاد كثيرة ، فَثَمَّ الصديق الأعظم ، رضي الله عنه ، رَفِيقُ الغارِ ، فدخول "أل" على لَقَبِهِ يجري مجرى العهد الخاص ، فإذا أطلق لقبُ الصدِّيقِ فَهُوَ يَنْصَرِفُ ، بادي الرأي ، إلى أبي بكر ، رضي الله عنه ، وَمَنْ سِوَاهُ فَهُوَ يندرج في الجنس العام وإن كانت صِدِّيقِيَّتُهُ دون صِدِّيقِيَّةِ الصديق الأعظم ، فَتَفَاوَتَ الصِّدِّيقُونَ في الرُّتْبَةِ وإن جَمَعَهُمْ عنوان واحد يجرده الذهن ، فكان من الْكَتْبِ صِدِّيقًا ، فـ : "إِنَّ الرَّجُل يَصدقُ حَتى يُكتبَ عِنْدَ اللَّهِ صِديقاً" ، كان منه ما نُكِّرِ في سياق الإثبات فهو مئنة من الإطلاق الذي يصدق بأقل ما تَثْبُتُ بِهِ ماهية الصديقية في الخارج ، فَيُزَاوِلُ الصدق مزاولة الطبع أو يكتسبه حتى يصير له كالجبلة ، فَيُكْتَبَ عِنْدَ الله ، جل وعلا ، كَتْبَ الكون إذ الْتَزَمَ كَتْبَ الشرع ، وثم تقديم للظرف "عِنْدَ اللَّهِ" تَنْوِيهًا فَعِنْدِيَّةُ اللهِ ، جل وعلا ، عندية السعادة والنجاة فلا عندية بعدها تَعْدِلُهَا ، فإذا فَاتَتْ كل عندية سوى عنديته ، جل وعلا ، فلا إشكال ، وإذا حصلت كل عندية وفات عنديته ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فذلك الخسران المبين ، فكان من مُزَاوَلَةِ الصدقِ ما يَرْقَى بصاحبه من وصف الصادق إلى الصدوق ، فذلك مثال مبالغة ، فالصدوق صادق وزيادة وهو لقب يشعر بالكمال الْمَمْدُوحِ ، وإن كان في اصطلاح المحدِّثِينَ لَقَبًا يُشْعِرُ بِنَوْعِ ضعفٍ في الحفظ ، وإن كان حافظا ، فالصدوق دون الثقة تِامِّ الضبط فَيُشْبِهُ أن يكون راوي الحسن وهو خفيف الضبط ، فلم يخرج عن حد الضبط ولكنه دون الضبط الأعلى ، فالصدوق في عُرْفِ اللسان المطلق مناط مدح تام ، وهو في اصطلاح المحدثين مناط مدح مُقَيَّدٍ فهو دون لقب الحافظ الضابط تام الضبط .
فَكَانَ من تحري الصدق الذي يَرْقَى بصاحبه إلى رُتْبَةِ الصديق ، فالصديق كالصدوق وكلاهما فوق الصادق ، فهما الصادق وزيادة ، فَتَكَلُّفُ الفعل وتكراره يُفْضِي بصاحبه إلى التَّلَبُّسِ بالوصف حتى يصير له سجية ، فذلك شطر أول .
وبعده الشطر الثاني الذي يطابق الأول ويقابله فَبِهِمَا اكتمال القسمة في العقل ، فبعد الحض على الصدق ، كان التحذير من ضده ، فـ : "إِياكُم والكَذبَ فَإن الكَذبَ يَهدي إِلَى الفُجورِ والفُجورُ يَهدي إِلَى النَّار" ، فذلك من التحذير القياسي وهو يدل لُزُومًا على النهي المحرِّم ، وما بعده فهو مفعول نصب على التحذير الذي تعدى إلى مفعولين : الضمير "إياكم" و "الكذب "، فتقدير الكلام قبل الحذف : أُحَذِّرُكُمُ الكذب ، فَتَعَدَّى فعل التحذير إلى مفعولين ، إذ تَضْعِيفُ الذال في "أحذِّر" زيادة مبنى قد دلت على أخرى في المعنى فَتَعَدَّى بها العامل إلى المفعول الثاني فكان التحذير الذي احتمل معنى التحريم نهيا فتقديره : لا تكذبوا ، ولا يخلو من معنى الإرشاد والنصح للمخاطب ، ومن ثم كان الحذف إيجازا ، فذلك ، من وجه ، إيجاز بالحذف وهو من المجاز عند من يجوزه في اللسان والشرع ، فحذف العامل "أحذِّر" ، وانفصل الضمير في محل نصب مفعول أول لعامل مقدر قد دل عليه السياق ، وهو ضمير يجري فيه ما يجري في سائر الضمائر في خطاب الوحي إذ دلالة التَّغْلِيبِ فيه هي الأصل لقرينة العموم في تكليف الشرع ، ما لم تكن ثم قرينة صارفة ، فإن لم توجد فالأصل هو المستصحب أبدا ، فَيَسْتَغْرِقُ الضميرُ النساءَ كما الرجال على تقدير : إياكم وإياكن ، فضلا عن دلالة الواو العاطفة وما بعدها من المفعول الثاني في "والكذب" فَتِلْكَ صيغة التحذير القياسية في الطريقة العربية وهي دليل الحذف آنف الذكر ، ومن يُنْكِرُ المجاز في اللسان والشرع فإنه يُجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى ما اشْتُهِرَ في لسان العرب فقد اسْتَعْمَلَتْهُ حتى صار من عُرْفِ لِسَانِهَا فأقل أحواله أن يكون من حقائق العرف التي لا مجاز فيها أو هي مما اصطلح أنه المجاز المشتهر الذي بلغت شهرته أَنْ صَارَ كالحقيقة فهو من حقائق العرف التي تُقَدَّمُ على حقائق اللسان في وضع المعجم الأول ، فهي تقدم على حقائق اللسان المجردة ، إذ هي مِمَّا استعمل واشتهر حتى صار من معهود اللسان العربي فلا حاجة أن يَتَكَلَّفَ الناظر ما يَتَكَلَّفُ من حد المجاز وعلائقه وَقَرَائِنِهِ ، فكان التحذير من الكذب وهو ما استغرق فتلك دلالة "أل" في "الكذب" ، فهي تستغرق الكذب الأكبر الناقض لأصل الملة سواء أكان تكذيبا بالأصل الأول ، أصل التوحيد أم تكذيبا بالتشريع على حد التعطيل لما أَنْزَلَ الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، من الشرع المحكم ، وتستغرق الكذب الأصغر الذي يَتَبَادَرُ في الكلام ، وهو ما يَصْدُقُ في كل معصية وإن لم تكن لأصلِ الدين نَاقِضَةً فلا تخلو من تكذيب للوعيد وإن لم يكن التكذيب المخرِج من الدين فهو تكذيب الغيبة عن حقائق الدين فذلك لسان كذب لا يَبْلُغُ حَدَّ الإنكار وإنما غاب الذهن عن معاني الصدق بما فَجَأَهُ من سكرة الشبهة العلمية أو الشهوة العملية فصار تكذيبا من هذا الوجه لا جحودا يُنْكِرُ صاحبه ما قد اسْتَقَرَّ وَعُلِمَ من الدين ضرورة فذلك التكذيب الأكبر الناقض للأصل .
وهو ، من وجه آخر ، ما احتمل قسمة ثانية ، فَثَمَّ الكذب على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الأعظم فليس الكذب عليه كالكذب على أحدٍ من الخلق ، فَصَاحِبُهُ قد تُوُعِّدَ بمقعده من النار وذلك وَعِيدٌ يَزِيدُ على وعيد الكذب المطلق ، بل قَدْ بَلَغَ به بَعْضُ أهلِ الشأنِ حَدَّ الكفر إذ تَقَصَّدَ صاحبه الزيادةَ في الشرع ما ليس منه فهو كالمعطِّل الذي يحكم بغير الوحي المنزَّل فما زاد من الكذب قد ارْتَفَعَ ما يضاهيه من الصدق فَعُطِّلَ من هذا الوجه ، فالكذب في الشرع أعظم لا سيما إن كان على حد النَّقْلِ عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومنه الكذب على الله ، جل وعلا ، إما بتبديل المبنى أو بتعطيل المعنى تحريفا أو تأويلا لا قرينة له تشهد ، فهو بين البعيد والباطن وكلاهما من الجنس الباطل وإن كان الباطن أعظم فهو ، أيضا ، من نواقض الدين المحكم ، وَقُلْ مِثْلَهُ في كذب الموقعين عن رب العالمين ، جل وعلا ، من مفتي الباطل ، إذ يَتَصَدَّرُونَ مجالس الفتيا وليسوا لها بأهل وإن حَصَّلُوا مسائلَ من العلم فلم يُؤْتَوا معها الورع فَأُوتِيَ منهم من أوتي ، كما يقول بعض المحققين ، أوتي الذكاء ولم يؤت الزكاء ، فهم يداهنون أولي السلطان والحظوة طلبا لعطية أو رياسة ، فهم من أعظم الكاذبين على الله ، جل وعلا ، فوجوههم يوم القيامة مسودة .
وثم الكذب في عموم الكلام فهو مما يأثم صاحبه إثما دون إثم الكاذب على صاحب الشرع النَّازِلِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لا جرم كان الْوَضَّاعُ الكذَّاب أسوأ حالا من المتروك فما تُرِكَ لأنه قد كذب على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَلَوْ كان أمره كذلك لألحق بالوضاع فَتُرِكَ حديثه ابتداء ، خلاف المتروك فلم يثبت في حقه كذب على المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما كَذَبَ في عموم الكلام فَتَرْكُ حديثِه من هذا الوجه يجري مجرى الاحتياط في الرواية ، فحاله خير من حال الوضاع وإن تُرِكَ كلاهما ، فَالتَّرْكُ على أنحاء إذ ثَمَّ الترك قصدا لحديث الوضاع الذي يكذب في حديث صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وثم آخر احتياطا لحديث الأفاك الذي يكذب في حديث الْخَلْقِ .
والكذب لا يخلو ، من قسمة أخرى ، فَثَمَّ الكذب قصدا وثم آخر خطأ ، كما في اصطلاح الحجازيين فلا يأثم صاحبه ، بداهة ، إذ قد رُفِعَ عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا ، كما في الخبر المشهور ، وإن لحقه الإثم ، من وجه يدق ، إذا تساهل في النقل فَتَحَمَّلَ الخطأَ ولو لم يَقْصِدِ الكذب ، فَتَحَمَّلَ الخطأ تَحَمُّلَ التَّقْمِيشِ ، ورواه دون تفتيش ، فاحتماله ابتداء من باب الجمع للألفاظ والطرق ، ذلك مما لا يذم ولو جمع الضعيف بل قد يحمد إذ به يستبين الخطأ كما أُثِرَ عن بعض السلف فالباب إذا لم تجمع طرقه لم يُعْلَمْ خَطَؤُهُ ، وأما التساهل في الرواية دون تفتيش ولو لم يقصد الراوي الكذبَ على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك وإن كان من كذب الخطإ لا التعمد إلا أن الإثم قد يلحق صاحبه إذ تساهل ولم يَتَحَرَّ في باب من أعظم أبواب الدين المنزل .

فتأويل الكلام على هذا الوجه : لا تكذبوا وتلك التخلية واصدقوا كما وَرَدَ صَدْرَ الخبرِ فتلك التحلية ، فكان من المقابلة ما وَاطَأَ التلازم في الدلالة ، إذ النهي عن الشيء يَسْتَلْزِمُ الأمر بضده ، وكان من العموم في "الكذب" ما استغرق ، كما الشأن في مطابقه إيجابا وهو "الصدق" ، فالكذب وإن انصرف ابتداء بقرينة السياق إلى الكذب في الْمَقَالِ إلا أنه يَعُمُّ الكذب في الاعتقاد والعمل ، فإن من الأعمال ما يُكَذِّبُ الدعاوى كمن ادعى الإيمان وَاقْتَرَفَ نَوَاقِضَه ، فالعمل يُكَذِّبُ دعواه ، ومثله مَنْ يَدَّعِي تعظيم الوحي وهو يَزْدَرِيهِ ، فهو مُعَطِّلٌ أو مُتَهَكِّمٌ يَنْبِزُهُ بِالنَّقْصِ وَالْجَهْلِ ، فَيُقَدِّمُ عليه الهوى والذوق ، وذلك من أعظم الكذب ، فكيف يصح في الأذهان أن يُعَظِّمَ طريقةً في دين أو دنيا وهو يُعَطِّلُهَا وَيَزْدَرِيهَا ، فَثَمَّ دعوى يبذلها اللسان يسيرة وَعَاقِبَتُهَا ، لو تدبرها العاقل ، عسيرة ، فليس الإيمان كلمة تُنْطَقُ وإلا بَذَلَهَا القبيل المخالِف الذي يجاهر بعداوة الوحي ويناجز ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهَا منهاج محكم لا يُجَاوِزُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً في الاختيار قولا وعملا ، سِيَاسَةً وَحَرْبًا ، تجارة ورياضة ..... إلخ ، لَمَّا عَلِمَ ذلك ناجزه بالعداوة فاستقام قياسه ولو عداوةً فقد فَقِهَ مَا يُنَاجِزُ فَهُوَ عن هواه وذوقه يُخَالِفُ ، فَلَمْ يَكُنْ منه ما كان في الجيل المتأخر من أعداء الوحي الذي انْتَسَبُوا إليه نسبةَ المولد أو المحضن ، فَثَمَّ عداوة وجهل ! ، والصديق الجاهل شر فكيف بالعدو الجاهل الذي يَغْلِبُ مناظِرَهُ ولو عالما ، فلا يعلم ما يُنَاجِزُ ، وقد يَتَجَاهَلُ فَيَزْعُمُ أنه مؤمن تقي وهو المارق الْغَوِيُّ ، فيبذل اسم الإيمان دعوى بها يَتَّقِي تُقَاةَ المنافقِ الجاحد ، ولا يبذل ما يستوجبه هذا الاسم من العمل الذي يستغرق سائر أحوال الاختيار ، ما بطن وما ظهر ، مَا عَمَّ وَمَا خَصَّ ، فكان من الكذب ما استغرق سائر وجوه المخالفة عن الصدق ، إن بالقول ، وهو ما يتبادر ، أو بالعمل ، فَثَمَّ من كذب بالوحي المنزَل إذ عَطَّلَهُ وَعَدَلَ عَنْهُ إلى ضده من الوضع المحدَث ، ولا تخلو "أل" في "الكذب" أن تجري مَجْرَى العهدِ الخاص ، فَيَخْرُجَ منها ، كما تَقَدَّمَ ، الكذب باصطلاح الحجازيين ، فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَهُ على كلِّ مَا خَالَفَ الصدق ولو لم يَتَقَصَّدْهُ صاحبه ، فالكذب عندهم يطلق على الخطإ كما العمد ، فخرج ما كان بالخطإ إلا إن تساهل صاحبه فلم يَتَحَرَّ ، فهو إلى الكذب أدنى إذ يسارع بالتحديث بكل ما سمع ، وذلك مناط إثم كما في الخبر أَنْ : "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" ، لا جرم كان من القوادح في باب الرواية : التساهل في التحمل والأداء ، فَيَتَحَمَّلُ عن كل أحدٍ ولا يفتش في حال الشيخ ، وإن كان ثَمَّ ، كما تَقَدَّمَ ، من يُكْثِرُ من التحمل لا لِيَرْوِي وإنما تَقْمِيشًا ، فإذا حَدَّثَ كانت حاله تَفْتِيشًا ، فَيَتَحَرَّى في الأداء ما لا يَتَحَرَّى في التحمل ، وثم مَنْ يَتَحَمَّلُ الكذبَ قصدا لا لِيَرْوِيهِ وإنما ليحذر منه ، فلا تخلو حال المتحمِّل لكل ما يسمع ، المتساهل في كل ما يَرْوِي وينقل ، لا تخلو حاله من وصف الكذب المؤثِّم ، وإن كان دون إثم الكاذب ابتداء إذ يختلق الخبر ويذيعه في الناس إرادة الإفساد ، فذلك كذب يأثم صاحبه إلا إن كان خدعة حرب فالكذب على الخصم يشرع ، وإن كان في المعاريض ما يجزئ ، فلا يكون الكذب إلا آخر الدواء ، فهو من أضيق الضرورات ، فلا يباشره صاحب الضرورة إلا ضرورة تقدر بقدرها ، فالكذب يذم أبدا إلا في أحوال تستثنى فهي مما جاء به الدليل ، فـ : "رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب في ثلاث: في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس، وقول الرجل لامرأته" ، فذلك ، كما تقدم في موضع سابق ، ما يجري مجرى التخصيص للحكم العام وهو تحريم الكذب وذم فاعله وتوعده بالعقاب ، وذلك ما يَرْفِدُ دلالة العهد الخاص في الخبر : "إِياكُم والكَذبَ فَإن الكَذبَ يَهدي إِلَى الفُجورِ والفُجورُ يَهدي إِلَى النَّار" ، فَثَمَّ عهد خاص يَقْتَصِرُ عَلَى مَا دون الأحوال الثلاث آنفة الذكر ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ثم معنى أعم يجاوز المنصوص ، فمناط الإباحة في الكذب ما يكون من الإصلاح ، وما به خداع الأعداء ، فلا يخلو في هذه الحال أن يكون قَبِيحًا ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ وصفُه ، وإنما أبيح للضرورة فَمَا نُهِيَ عنه لذاته إذ القبح وصف يلازمه أُبِيحَ للضرورة فَثَمَّ قبيح أعظم يكون إذا لم يَقْتَرِفْ قُبْحًا آخر دونه ، فيجري ذلك مجرى الترجيح بين مفسدتين ، فتستدفع المفسدة العظمى بِنَظِيرَتِهَا الصغرى ، فَثَمَّ قُبْحٌ في ذات الفعل ولكن ثم عارضا أباحه ، فهو ، كما تقدم ، ضرورة تقدر بقدرها ، فالحسن والقبح في الأقوال والأعمال ذاتي ، وإنما يعرض له في أحيان مِنَ الْعَوَارِضِ ما يُصَيِّرُهُ حسنا لا أَنَّ مَاهِيَّتَهُ قد انْقَلَبَتْ من ضدٍّ إلى آخر ، وإنما مَاهِيَّتُهُ ثابتة فَهُوَ قبيح وإنما جاز استدفاعا لقبح أعظم ، فكان الحسن في الترجيح لا أن الكذب قد صار من الحسن الجميل ، خلافا لمن يقول إن ثَمَّ تَغَايُرًا في الوصف ، فلا وصف يُطْلَقُ وإنما يجري الحكم مجرى النسبية ، وذلك ما قد يفتح الذرائع إلى اختلال الأحكام إذا أُنِيطَتْ بالمصلحة مطلقا فهي مِمَّا يَتَغَايَرُ فلا تَسْتَوِي العقول في حَدِّهِ فَلَا بُدَّ من مرجع أعلى يَضْبِطُهَا إما بمقاصد عظمى رَئِيسَةٍ أو أحكامِ فِقْهٍ دقيقةٍ ، فلا تكون المصلحة مطلقا هي مناط الحسن والقبح وما يكون منها من إباحة أو حظر ، وإن كان ثم اعتبار للمصالح فهي باب في الفقه واسع به التخفيف والتيسير ما لم يكن مَنَاطَ تَأْثِيمٍ ، فَثَمَّ للعقل مجال في النظر والاعتبار وَدَرَكِ الحسن والقبح ، فهي أوصاف ذاتية لا تُفَارِقُ الماهية ، فَيُدْرِكُهَا العقل بما رُكِزَ فيه من قوى النظر والفقه ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يسلم من العوارض جهلا أو هوى أو ذوقا .... إلخ ، فقد يَتَأَوَّلُ القبيح حَسَنًا لحظِّ نَفْسٍ يغلب ، فلا بد من مرجع أعلى يجاوزه قَدْ تَجَرَّدَ من الهوى وحظ النفس فلا يفتقر إلى سبب من خارج ، فبرئ من تهمة الانحياز رغبةً في لذة أو جاه ، فذلك الوحي الذي يَفْصِلُ بَيْنَ المتنازعين بما جاء به من مادة الصدق والعدل الخالصة فهي كلمات النبوة الشارعة بما تَوَاتَرَ من آيها المحكم وما صح من خبرها المسند .

فَثَمَّ تحذير قياسي من الكذب ، فـ : "إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ" ، فتأويله : أُحَذِّرُكُم الكذب ، أو أَنْهَاكُم عنه ، فذلك تكليف الكف عن الفعل ، من وجه ، وتكليف الاحتراز منه والمبالغة في التحري أَلَّا يَقَعَ فِيهِ القائل والفاعل ، وهو ما يعسر فلا يُطِيقُهُ كلُّ أحد إلا من سدد الله ، جل وعلا ، إذ للنفس حظوظ تَتَأَوَّلُ لَأَجْلِهَا ما تُقَارِفُ من جناية الكذب ، فَتَكْسُوهَا لحاءَ الإباحة اضطرارا بل قد تجعلها من الحسن الجميل الذي به تحصل المصلحة العامة ، فَيُنْتَحَلُ اسم العامة طلبا لمصلحة خاصة ، كما يَصْنَعُ مَنْ يَصْنَعُ من ساسة الجور والطغيان فَلَا يَنْفَكُّ قَائِلُهم يَنْتَحِلُ الأمانة والديانة والتحري لصالح العامة وهو أكذب الناس وأفسدهم في الأرض ، وإن زَعَمَ الإصلاح والعفة والصيانةَ ، فـ : (مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) ، فَسَعْيُهُ الإفساد والإهلاك وإن زعم الإصلاح والإحياء ، فذلك ما لا يسلم منه أحد على تَفَاوُتٍ في الحال والقدر ، فلا يستوي من يكذب طلبا لرياسة عامة ، ومن يكذب طَلَبًا لِمَصْلَحَةٍ خاصة ، بل ثَمَّ مَنْ يَتَأَوَّلُ فهو يكذب رغبةً في الخير ، فيسلك جادة محظورة طلبا لفضيلة منشودة ، على وجه لا يخلو من صحة في القصد وإن ضَلَّ صاحبه فِي القول والعمل ، فَلَا يَسْتَوِي وإنْ لَمْ يُصِبِ الحق ، لا يَسْتَوِي ومن مبدؤه فاسد فَقَصْدُهُ الشَّرُّ وَقَوْلُهُ الكذبُ وَفِعْلُهُ الظلمُ ، فالأمر يَنْشَعِبُ ، ولكلِّ شعبةٍ من الفقه والنظر ما يلائم ، فذلك تأويل الحكمة أن يُوضَعَ الشيء في محله الذي يُوَاطِئُ ، وإن كان ثَمَّ عنوان عام يستغرق فهو أصل جامع يُوَاطِئُ النَّقْلَ والعقلَ ، إذ يأمر بالخير وَيَنْهَى عن الشر ، فيأمر بِتَحَرِّي الصدقِ وَيَنْهَى عن مُقَارَفَةِ الكذبِ ، فكان من النهي ما سِيقَ مَسَاقَ التحذير ، وبعده كان التعليل : "فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ" ، فَثَمَّ تعاطف بالفاء على حد الفور والتعقيب وذلك آكد في الحض حال الأمر وآكد في الزجر حال النهي ، كما في هذا الشطر ، ولا تخلو من دلالة التعليل لا سيما وقد دخلت على الناسخ المؤكِّد "إِنَّ" فكلاهما قد رفد الآخر فَزَادَ في دلالته ، فالفاء عاطفة تُعَلِّلُ ، و "إِنَّ" ناسخة تُؤَكِّدُ وهي ، مع ذلك ، مئنة تعليل ، ولو لم تكن نصا صريحا في الباب ، فالكذب ذريعة إلى الفجور ، وذلك جنس آخر يَسْتَغْرِقُ ، فالفجور منه الأكبر ومنه الأصغر ، فَثَمَّ من الكذب ما يُفْضِي بصاحبه إلى الفجور عصيانا ، ومنه ما يُفْضِي بصاحبه إلى الفجور كُفْرَانًا ، والفجور يهدي إلى النار ، فتلك مقدمة ثانية ، كما في الشطر الأول : "فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة" ، فالمقدمة الأولى في هذا الشطر : أن الكذب يهدي إلى الفجور ، والثانية : أن الفجور يهدي إلى النار ، فالنتيجة أن : الكذب يهدي إلى النار ، وذلك الْمَسْكُوتُ عَنْهُ ، ودلالات "أل" جميعا في الكذب والفجور والنار تحتمل ، فَمِنْهَا الكذب الأكبر فهو يُفْضِي إلى الفجور الأكبر الذي يُفْضِي إلى النار الكبرى ، نار الخلد التي يدخلها المارق الذي اقْتَرَفَ ما يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع ، ومنها الكذب الأصغر فَهُوَ يُفْضِي إلى الفجور الأصغر الذي يُتَوَعَّدُ صاحبه بالنار الصغرى ، نار العصاة ، فذلك وعيد مؤقت خلاف الوعيد المؤبد حال الكفران الأكبر ، وبعده كان التنويه بِحَالِ الكاذبِ إِذَا بَاشَرَ الكذبَ حتى صار له سجية ، فهو الكذاب أو الكذوب ، في مقابل الصديق أو الصدوق في الشطر الأول ، فَثَمَّ ، أيضا ، الطباق إيجابا بين الألفاظ والمقابلة بَيْنَ الأجزاء ، ولا يخلو من جناس الاشتقاق بين "يكذب" و "الكذب" و "كَذَّابًا" فهو ، كما تقدم في جِنَاسِ الاشتقاق في الشطر الأول بين مُشْتَقَّاتِ الصدقِ ، هو آكد في تقرير المعنى ، فكان الخبر الذي يُنَفِّرُ أن يُكْتَبَ صاحبه عند الله ، جل وعلا ، كَذَّابًا ، فتلك كتابة العدل إذ خَالَفَ عن حكمِ الوحي فاستحق الذم والوعيد ، كما الفضل في الشطر الأول ، إذ وافق حكم الوحي فاستحق المدح والوعد ، فالكتب في الأولى كتب الفضل ، وفي الثانية كتب العدل ، فيكتب كَذَّابًا إذ تحرى الكذب ، وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى الجنس العام الذي يستغرق كل كذاب ، فورود النكرة "كذابا" في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق الذي يصدق في كل محل يَتَحَرَّى الكذب ، من مسيلمة الذي صار عَلَمًا في الباب ! ، حتى اقترن باسمه لَقَبُ الكذَّابِ أو كذاب حنيفة في مقابل صادق مضر صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمسيلمة هو الكذاب الأشر ، ودلالة "أل" في لقبه عهد خاص ينصرف إليه وحده ، وهو ما دخل فيه كل كذاب قد ادعى النبوة ، ودونه من تحرى الكذب حتى صار له سجية ، فذلك مناط ذم ، وهو كما تَقَدَّمَ من اصطلاح المحدثين ، هو : مناطُ تَرْكٍ ، فكان من الحديث ما هو موضوع يَرْوِيهِ الكذاب اختلاقا ، وكان منه المتروك الذي يَرِدُ احْتِرَازًا فصاحبه وإن لم تَثْبُتْ في حقه جناية الكذب في الخبر إلا أنه يكذب في أمور الدنيا فَتُرِكَ خبره في الدين احترازا ، إذ الاحتياط في باب الدين أولى ، وإن حرم الكذب إن في الدين أو في الدنيا .

والله أعلى وأعلم .