ومن قوله تعالى : (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) ، فَثَمَّ إشارة القريب "هذه" استحضارا للصورة كَأَنَّهَا رأي عين فذلك آكد في الزجر والوعيد ، فذلك من القرب المعنوي في دار التكليف ، فضلا أن قُرْبَهَا حقيقي يوم الدين ، فَيُقَرَّبُ العذاب إلى من استحقه ، وذلك آكد في التَّبْكِيتِ وَالتَّوْبِيخِ ، فَاجْتَمَعَ فِي إشارة البعيد الوجهان : قُرْبُ المعنى وَقُرْبُ الحقيقة ، على وجه لا تَعَارُضَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ ، فاللفظ إذ احتمل أكثر من وجه فهو يجري مجرى المشترك ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مِمَّا يَسْتَأْنِسُ به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .
وثم إطناب بالاسم العلم اسم "جهنم" وهي من نِيرَانِ الخلدِ التي لا يدخلها إلا المكذب التكذيب الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فتلك قرينة ترجح التكذيب الأكبر ، فضلا عن أولى تستصحب أبدا ، وهي إطلاق الاسم في هذا الباب : باب الأسماء والأحكام ، فإطلاقه ، بادي الرأي ، يَنْصَرِفُ إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل المعنى إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ تُرَجِّحُ الآخر : نَقْضَ الكمالِ الواجب ، فَالنَّاظِرُ بَيْنَ نَقْضِ الأصلِ وَنَقْضِ الكمال والقرينة هي المرجح من خارج فكان من القرائن في هذا السياق ما تَقَدَّمَ من استصحاب الأصل فهو أبدا يستصحب حتى يرد دليل صارف فإذا ورد وجب الانتقال عن الأصل إلى الفرع ، إذ الناقل قد أَقَامَ الدليل فَمَعَهُ معنى يزيد ، ومن معه زيادة العلم المعتبرة فالمصير إلى قوله يَجِبُ ، وذلك قِيَاسُ العقلِ إذ مَنْ عَلِمَ حجة على مَنْ لم يَعْلَمْ ، وثم قرينة أخرى فالآي مكي وهو ما غَلَبَ على المخاطب فيه الكفرُ ، فيكون كفر التكذيب الأكبر الناقل عن الأصل الأول ، وثم ثالثة وهي ذكر "جهنم" ، فَهِيَ نَارُ الخلدِ فَلَا يدخلها إلا الكافر الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فليست نار تطهير يدخلها العصاة ليطهروا من رجس الذنوب الصغرى فمن يدخل نار الخلد فلا يطهر أبدا إذ اقْتَرَفَ الرجس الأكبر الذي يلازم الذات فلا يُفَارِقُهَا أبدا وإن تَطَهَّرَتْ مَا تَطَهَّرَتْ فالوصف الذاتي لا يُفَارِقُ الذَّاتَ كما يقول أهل النظر ، فَمَنْ يَدْخُلُ نار الخلد فلا يَخْرُجُ مِنْهَا أبدا إذ اقْتَرَفَ من ناقض الإيمان الناقض الأكبر : اعتقادا أو قولا أو عملا ما لا يُغْفَرُ ، فَرِجْسُ ذَنْبِهِ لا يَزُولُ بكير النار الصغرى : نار العصاة ، فوجب لمن كفر أو أشرك الكفر أو الشرك الأكبر ، وجب له دخول نار الخلد أبدا فذلك من الواجب فلا يَتَخَلَّفُ ، وهو العدل المطلق ، خلاف من قارف الجنايات الصغرى التي تَنْقُضُ كمال الدين الواجب ولا تَنْقُضُ أصله الجامع ، فَهُوَ مُتَوَعَّدٌ بالنار الصغرى : نار التطهير التي تجدي في حاله فَهِيَ تُزِيلُ مَا علق به من أوضار الذنوب الصغرى فَلَيْسَ رِجْسُهَا وصفا ذاتيا كالشرك بل هي مِمَّا يَزُولُ بأسبابٍ كالاستغفار والحسنات الماحيات والمصيبات المكفرات وعذاب البرزخ والشفاعات الصحيحات فمنها شفاعةٌ لمن استحق النار ألا يدخلها فيكون الفضل أن يُغْفَرَ ذَنْبُهُ وَيَدْخُلَ دَارَ النَّعِيمِ فلا يخرج منها أبدا ، فداخل هذه النار ، نار العصاة الصغرى ، قد لا يدخلها إذ الوعيد في حقه جائز ، فقد اقْتَرَفَ الجناية الصغرى وإن كانت كَبِيرَةً ، كالقتل أو الزنى ، فَلَمْ تَبْلُغْ حَدَّ النَّقْضِ لأصل الملة إلا إذا قَارَفَهَا صاحبها استباحةً أو استخفافًا بل الاستباحة والاستخفاف بالأمر والنهي مِمَّا يَنْقُضُ أصلَ الدينِ ولو لم يخالف عنه المستبيح أو المستخف ، فَمَنِ اقْتَرَفَ الجناية الكبرى فقد استحق النار الكبرى واجبا لا يتخلف وهو استحقاق مؤبد فلا يخرج من العذاب ولا عنه يُخَفَّفُ ، ومن اقترف الجناية الصغرى فقد تُوُعِّدَ بالنار الصغرى جائزا قد يثبت عدلا وقد يمتنع فضلا ، وهو مع ذلك مُؤَقَّتٌ يَنْقَطِعُ إذا نَفَذَ ، فقد يَنْقَطِعُ بشفاعة أخرى ألا يُسْتَكْمَلَ فَيُعْفَى عن جزء منه بَاقٍ ، وقد يَنْقَطِعُ إذا اسْتُكْمِلَ فَاسْتَوْفَى صاحبه حظه من التطهير ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قياس العدل والحكمة ن فالجنس الأكبر من العذاب لمن قارف الذنب الأكبر ، والأصغر لمن قارف الأصغر ، وما لم يَجُزْ فيه التطهر فهو أبدا باق على وصف الرجس فلا يغادر نار الخلد ، وما جاز فيه التطهر فَقَدِ اسْتَوْفَى غرضه فهو يَنْقَطِعُ ، وهو ، ابتداء ، من الجائز لا الواجب فَقَدْ يَنْفُذُ عدلا وقد يمتنع فضلا وفي كلتا الحالين فمآله الجنة ، خلاف دَاخِلِ جهنم ، النار الكبرى ، فهو يدخلها جَزْمًا إذ قَارَفَ مِنَ الجناية الكفرية أو الشركية الكبرى ما لا يغفر أبدا ، فدخوله واجب وليس في حقه إلا العدل فلا فضل .
وقد أطنب في وصف جهنم ، النار الكبرى ، بالموصول في قول الرب المعبود جل وعلا : (الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) ، كما قد أطنب في موضع آخر بموصول آخر ، فـ : (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ، فَثَمَّ كينونة ماضية وهي آكد في تقرير المعنى وتوكيده من القول في غير التنزيل : هذه جهنم التي وُعِدتم أو توعدتم بها ، فالوعد وإن انصرف بادي الرأي إلى الخير فلا يخلو من مواضع يجري فيها مجرى الوعيد بضده ، فالأول فضل والثاني عدل .
وبعده كان أمر الإهانة والتوبيخ أَنِ "اصْلَوْهَا" ، ولا تخلو "أل" في "اليوم" من العهد الخاص فذلك يوم الحساب والجزاء ، أو هو مما يجري مجرى ما اصطلح أنه العهد الحضوري بالنظر في زَمَنِ التكلم يَوْمَ الحشر ، وثم إطناب يجري مجرى الاحتراز فلا ظُلْمَ ، فَنَصَّ على العلة وَتِلْكَ دلالة الباء : باء السببية في "بِمَا كُنْتُمْ تكفرون"، ولا يخلو السبب ، أيضا ، من إطناب في مَبْنَاهُ فذلك مئنة من آخر في مَعْنَاهُ ، فأطنب بالكينونة الماضية وهي آكد في تسجيل الجناية من القول في غير التَّنْزِيلِ : اصلوها اليوم بكفركم ، فثم كفر وهو في نفسه يُوجِبُ الخلد في النار ، ولو لم يُقَارِفْهُ صاحبه إلا مرة فَمَاتَ من غَيْرِ تَوْبَةٍ ، فكيف وَقَدْ دَاوَمَ عليه فَكَانَ من الوصف الذي لازمه فَلَمْ يكن عارضا يطرأ بل قد دام زمانه واتصل فحسن ذكره على حد الكينونة الماضية فهي مئنة من ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي ، وذلك ، كما تقدم ، آكد في تسجيل الجناية ، فَيَصْلَاهَا من باب أولى فمن قارف الكفر مرة ومات من غير توبة فهو يصلاها أبدا ، فكيف بمن دَاوَمَ عليه فهو يصلاها من باب أولى ، فذلك من قياس الأولى إذ يَثْبُتُ الحكم في الفرع ثُبُوتًا أشد من ثُبُوتِهِ في الأصل ، وهو من آكد الأقيسة وأشدها صراحة ونصاحة .

فكان التقييد بالوصف بالموصول في قوله تعالى : (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) ، وكان البيان بالصلة لِمَا أُجْمِلَ من الموصول ، ولا يخلو من دلالة التعليل ، فالجزاء بدخول جهنم والخلد فيها الخلدَ المؤبَّدَ ، هذا الجزاء قد أُنِيطَ بالعلة وهي التكذيب ، تكذيب المجرمين ، فالتكذيب الأكبر سبب في دخول النار دخول التأبيد فلا خروج ، ولا تخلو الصلة المضارعة "يُكَذِّبُ" ، لا تخلو من استحضار الصورة ، من وجه ، فَضْلًا عن ديمومة واستمرار فذلك حكم يطرد فهو مما أحكم فلم يُنْسَخْ ، وإطلاق العامل لا يخلو من دلالة استغراق لوجوه المعنى فَيَنْصَرِفُ ، كما تقدم ، إلى المعنى الأكبر وهو التكذيب الأكبر الناقض لأصل الملة ، والتكذيب ضد التصديق فليس ضد العلم المجرَّد عِرْفَانًا سَاذِجًا يحصل بطروء الصورة العلمية على المحل الباطن دون رَدٍّ أو قَبُولٍ ، فذلك قدر يزيد ، فالمعرفة ضدها الجهل ، والقبول تصديقا قدر زائد يقابله الرَّدُّ تَكْذِيبًا ، فَقَدْ يَحْصُلُ العلم ويكون التكذيب كِبْرًا أن يَتَّبِعَ الحق إذ يَسْلُبُهُ الحظ ، حظ الجاه أو الرياسة فهما من أعظم ما صد الناس عن الحق مع العلم الْمُقِيمِ للحجة فلا عذر بجهل ، وَإِنَّمَا عَلِمَ العلمَ المجزئَ في قيام الحجة الرسالية وَكَذَّبَ اتِّبَاعًا للأهواء النَّفْسَانِيَّةِ ، فكان من تَقْيِيدِ الدخول ، دخولِ جَهَنَّمَ أَنْ أُنِيطَ بِعِلَّةِ التكذيبِ ، وذلك ، من وجه ، مثال لعام وهو جنس الناقض لأصل الدين الذي يوجب الخلد في نار الظالمين ، فلا يقتصر ، بداهة ، على التكذيب فَثَمَّ من النواقض التكذيبُ وما يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنْ نَوَاقِضَ علمية أو عملية ، قولية أو فعلية ، فالاستهزاء ، ناقض من نواقض الدين ، وإن لم يقترن بالتكذيب فإن المستهزِئَ لا يُكَذِّبُ وَإِنَّمَا يَسْخَرُ وَيَتَهَكَّمُ بِمَا يَعْلَمُ يَقِينًا أنه الحق المحكم فلا يعذر بالجهل ، ولا يعذر بالخوض واللعب ، كما في قوله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، فكان من التوكيد بالقسم المقدر ، فاللام في "لَئِنْ" لام التَّوْطِئَةِ فَهِيَ دليلُ التقدير لما حذف من السياق إيجازا إذ اطرد واشتهر فَنَابَ المذكورُ عن المحذوف ، وإن أُخِّرَ لفظه فَدَلَّ على ما تَقَدَّمَ من لفظ القسم المقدر ، فتقدير الكلام : والله لئن سألتهم ، وذلك ، من وجه ، مما يخالف عن أصل مطرد في باب الحذف إذ الأصل أن يدل المتقدم المذكور على المتأخر المحذوف ، فدل المتأخر هنا وهو لام التوطئة في "لَئِنْ" دَلَّ على المتقدم ، وثم اقْتِرَانٌ في السياق ، اقْتِرَانُ القسم والشرط ، فكان الجواب للأول : (لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ، فذلك جواب القسم ، وَقُدِّرَ جَوَابُ الشرط من جنسه ، فَثَمَّ حذف آخر إذ دل جواب القسم المذكور على جواب الشرط المحذوف ، ولا يخلو الجواب من تَوْكِيدٍ فَقَدْ صدر باللام في قوله تعالى : (لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) : لام الجواب فهي لام ابتداء خُصَّتْ بِهَذَا اللقب إذ صُدِّرَتْ بِهَا جملة مخصوصة وهي جواب القسم ، فلام الابتداء على أنحاء ، فهي جنس عام تَنْدَرِجُ تحته آحاد ، فَثَمَّ لام ابتداء قياسية ، كما في قول رب البرية جل وعلا : (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) ، وثم لام ابتداء خصت بوصف زائد كالمزحلقة التي أخرت استصلاحا للفظ ألا يجتمع صدرَ الكلام مؤكدان ، فذلك مما يُثْقِلُ النطق ، كما في قول الرب جل وعلا : (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) ، وَثَمَّ لام الجواب فهي ، كما تقدم ، لام ابتداء ولكنها خُصَّتْ بِوَصْفٍ زائد إذ صُدِّرَ بِهَا جوابُ القسم ، فَلَئِنْ سألتهم : (لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ، فأطلق السؤال إذ دل عليه السياق ، فَقَدْ خُتِمَ بالإنكار والتوبيخ لمن استهزأ ، فضلا عن سبب النزول فهو مما بِهِ يستبين المعنى إذ العلم بالسبب ، كما يقول بعض المحققين ، يُورِثُ العلم بالمسبَّب ، وهو ، من وجه آخر ، مما يجري مجرى المثال لعام فَذِكْرُهُ لا يخصِّصُ استغراقَه لجميع الصور ، صور الاستهزاء التي تُرَدُّ إلى السبب الذي نزلت عليه الآية ، رَدَّ الفرعِ إلى الأصل ، على القول بالقياس ، أو هو مما يدخل في حد اللفظ ابتداء فلا حاجة إلى تَكَلُّفِ القياس على السبب ، فَإِنَّ نُزُولَ العام على سبب لا يخصِّصُه ، بل قد استغرق السبب واستغرق ما سواه من آحاد تضاهيه في المعنى إذ حصل فيها ما حصل في الأول فمناط الإنكار والتوبيخ هو الاستهزاء وهو ما يصدق في صورة السبب وَفِيمَا سواها من صور الاستهزاء أيا كان المستهزِئ فلا يقتصر الحكم على صورة السبب فذلك إهدار لعموم اللفظ المستغرِق ، فَحُذِفَ المسئول عنه لدلالة السياق عليه فهو سؤال عما كان منهم من استهزاء ، فتقدير الكلام : والله لئن سألتهم عما به اسْتَهْزَءُوا لَيَقُولُنَّ : (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ، فكان من القصر ما يدفعون به الجناية إذ يقصرون صَنِيعَهُم على ما ظنوا أنه لا يقدح في الدين من الخوض واللعب ، فذلك من فساد التصور الذي أفضى إلى تصور الحكم فما استهزءوا إلا وقد انْتَفَى تَعْظِيمُ الوحي في قلوبهم وذلك في نَفْسِهِ قادح في أصل الدين ، وإن لم يعلم صاحبه ذلك ، فَإِنَّ ثم من المعنى ما يجاوز إذ لا يخوض ويلعب إلا من انْتَفَى التعظيم من قَلْبِهِ وذلك ، بداهة ، مئنة من القدح والانتقاص فَمَنْ عَظَّمَ شَيْئًا فَهُوَ يُوَقِّرُهُ وَيُعَزِّرُهُ ، ومن حَقَّرَ شيئا فهو في المقابل يَزْدَرِيهِ وَيَنْتَقِصُ مِنْ قَدْرِهِ ، فجاء الجواب تَعْقِيبًا على ما قالوا وهو ما حُدَّ حَدَّ الاسْتِئْنَافِ : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، فلا يخلو من شبه كمال في الاتصال بين الشطرؤين : شطر الحجة التي اعتذورا بها ، وشطر الإنكار عليهم فهو عذر أقبح من ذنب ، فحسن الاستئنناف فلا وصل بعاطف فالشطران يَتَلَازَمَانِ وَيَتَقَارَبَانِ في المعنى ، فثم إنكار وتوبيخ عقيب الجناية ، فكان من الاستفهام ما قُدِّمَ معموله وهو الله ، جل وعلا ، وآياته وهي ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما يجري مجرى العام المستغرق لأنواعه وآحاده في الخارج فَثَمَّ الاستهزاء بالآي الشرعي وهو ما يَتَبَادَرُ إِنْ خَبَرًا أو حُكْمًا ، وَثَمَّ آخر بالآي الكوني وَمِنْهُ أَنْ يُنْسَبَ الفعلُ والتأثير لغير الله رب العالمين ، جل وعلا ، فلا يخلو ذلك من الاستهزاء وانظر فيمن يَنْسِبُ أحداث الكون إلى حركات الأجرام السماوية فَيَكُونُ من التَّنْجِيمِ ما يجاوز الحد المشروع ، فَثَمَّ التَّنْجِيمُ ادعاءً لعلم الغيب ، وَمِنَ الاستهزاء بالآي الكوني ، أيضا ، أَنْ يُنْسَبَ التَّأْثِيرُ في الخلق أو الضر أو النفع ...... إلخ من أجناس التدبير ، أن يُنْسَبَ لِغَيْرِ الخالق المدبر ، جل وعلا ، فلا يخلو ذلك من استهزاء وتهكم ، فكان من الاستهزاء بالآي الشرعية والكونية ، كان منه ما يَنْقُضُ أَصْلَ الملة الدينية ، وكذلك الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو استهزاء بالناقل الذي بَلَّغَ وَبَيَّنَ ، والاستهزاء بالناقل استهزاء بالمنقول من وجه ، واستهزاء بالرب المعبود ، جل وعلا ، من آخر ، إذ هو من أرسل هذا الرسول وأمره أن يبلغ الوحي المنقول وَيُبِينَ عن معناه المعقول فَبَلَّغَ لفظه وأبان عن معناه فمن استهزأ به فقد استهزأ ، بداهة ، بالله ، جل وعلا ، فالاستهزاء بالمرسَل استهزاء بمن أرسله ، وكذلك الشأن في الاستهزاء بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فضلا عن مجاوزة الحد في القدح العام في عدالة الجمهور من القرن الفاضل ، قَرْنِ الرسالة الناقل فَهُوَ أُولَى حلقات الإسناد الرسالي فَمَنْ قَدَحَ فيه بالذم أو السخرية فضلا أن يجاوز الحد فَيَطْعَنَ فِي دينهم وَيَرْمِيَهُمْ بالكفر العام إلا آحادا يَتَحَكَّمُ في اختيارهم فَبَاعِثُه الهوى الذي يضطرب فلا يخلو اختياره من اضطراب إذ يُرَجِّحُ بلا مُرَجِّحٍ ، وَيُعَدِّلُ مَنْ غَيْرُهُ أولى بالتعديل لا قدحا فِيمَنْ عَدَّلَ وإنما إلزاما بما يُفْحِمُ ، فليس مَنْ عَدَّلَ بأولى بالتعديل ممن قدح في دينه وجرح ، فإفحامه باللازم يوجب القدح فِيمَنْ عَدَّلَ من باب أولى إذ قد قَدَحَ فيمن هو بالتعديل أولى ، وذلك ما قد أَلْزَمَهُمْ بِهِ الباطنية إذ استدرجوهم إلى مقالتهم الرَّدِيَّةِ فأظهروا التعظيم لآل البيت ، رضي الله عنهم ، وَزَادُوا وَغَلَوا قَصْدًا ، فَاسْتَمَالُوا ضِعَافَ العقولِ من أرباب المقالة المحدَثة ، ثُمَّ أَلْزَمُوهُمْ فَمَنْ عَدَّلُوا وغلوا في حقه ليس بسالم من القدح الذي نَالَ غَيْرَهُمْ ، فَلَوْ صَحَّ فِي غيرهم فهو فيهم أصح ، وذلك إلزام بما لا يلزم إذ لم يصح الملزوم ليصح اللازم فلا أولئك ولا أولئك بمجروحٍ مطعونٍ في عدالته وإنما يجري الأمر مجرى الإلزام ، كما تقدم ، فكان من السخرية والاستهزاء بهذا الجيل ما لازمه القدح في أصل الدين إذ القدح في الطبقة الأولى من رجالات إسناده هَدْمٌ لِبُنْيَانِهِ فضلا عن لازمِ سوءٍ آخر ، فهو مِمَّا يَتَوَسَّلُ به خصوم الوحي أن يَقْدَحُوا في صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما قد أُثِرَ عن مالك رحمه الله ، فإن مَنْ غلب عليهم السوء فارتدوا إلا آحادا تَحَكَّمَ مَنْ تَحَكَّمَ فَاسْتَثْنَاهُمْ فَرَجَّحَ بلا مُرَجِّحٍ ، بل عامل الترجيح ، كما تقدم ، يشهد بِتَعْدِيلِ من جَرَحُوا من باب أولى ، أو جَرْحِ مَنْ عَدَّلُوا من آخر ، فلا يخلو صنيعهم من تحكم باعثه الهوى والذوق فهو ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، من أعظم ما صَدَّ الناس عن اتِّبَاعِ الحق ، فمن تلك حالهم من الرِّدَّةِ طَلَبًا للدنيا وَتَنَازُعًا للجاه والرياسة واستلابا للحق من أصحابه ..... إلخ ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مِمَّا يُتَوَسَّلُ به إلى القدح في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وهم ، عند المحدِثة في الديانة ، مناط الغلو في الحب والتعظيم ، فإذا اسْتُلِبَ حقهم في أَمْرٍ قد جاوز حَدَّ المصلحة الشرعية فَقَدْ صار رُكْنًا من أركان الديانة السماوية ، فَسَكَتُوا وَبُنْيَانُ الدين يُهْدَمُ وغيرهم كان يَتَكَلَّمُ وَيُنْكِرُ فِي أمر دونه كَثَوْبِ خليفة قد طَالَ فَزَادَ عن غيره فلا سمع له ولا طاعة إذ اخْتَصَّ نَفْسَه بزيادة ! ، فكيف يسكت آل البيت وثم ركن من الدين يُهْدَمُ وهو ما يضاهي ركن النبوة في مقال المذهب كما أُثِرَ عن بَعْضِ أساطينه ، فالإمامة على وزان النبوة فمن جحد أحدهما فقد جحد الآخر فانهدم بُنْيَانُ دينِه وزال إيمانه فَذَهَابُ رُكْنٍ من الحقيقة ذهابٌ لها ، فكيف يسكت آل البيت عن ذهاب الدين ولا يسكت غيرهم في ثَوْبِ زِيدَ فيه فضلة ؟! ، فأيهما أولى بالإنكار ، ومن أنكر في فضلةَ ثَوْبٍ إذ رأى فيها خروجا عن حد العدل فهو أولى بداهة بالتعديل والتقديم ممن رأى رُكْنًا من أركان الدين يُهْدَمُ ولم يحرك ساكنا فهو إما جاهل أنه كذلك فكيف تكون ولاية على حد العصمة لجاهل لا يعلم ركنا من أركان الشرعة فالعلم بها يجري مجرى العلم الضروري الذي لا عذر في الجهل به إذ لا يَفْتَقِرُ إلى نظر ولا استدلال فهو مما قد عُلِمَ بداهة ، وإن سكت وهو يعلم فهو بَيْنَ عاجز فلا يصلح لولاية أو خائن قد سكت فَمَالَأَ القوم وسار في ركابهم وأصهر إليهم ، وجاهد تحت لوائهم وهو يعتقد كفرهم ! ، فَدَاهَنَ في أصلٍ من أصول الدين ولم ينهض أن ينكر هذا المنكر الجسيم ولو ذهبت روحه فهي فِدَاءُ الدين أن يظهر كما قد وعد الرب المهيمن ، جل وعلا ، فـ : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .
وذلك ، لو تدبر الناظر ، قول لازمه تكذيب خبر الرسالة الصادق ووعدها الناجز بظهور الدين الخاتم فكيف يظهر وقد بُدِّلَ وَهُدِّمَ من أول يوم في خلافته ، فلازم القول أنه قد طُوِيَ في أكفان النبوة ، فَدُفِنَ مع صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ كيف يظهر وَمَنْ وَلِيَ أمره ولاية العصمة إما جاهل وإما خائن وإما عاجز قد جَبُنَ وَتَقَاعَسَ فَضُرِبَ وَأُهِينَ وهو المعصوم من رب العالمين ، جل وعلا ، أن يخلف لطف النبوة الخاص بآخر عام يستغرق فَأَيُّ لطفٍ هذا الذي يكون من إمام مقموع أو مستور لا أمر له ولا نهي في شرع ، ولا راية له في حرب حتى ألجأ الأتباع أن يَسْتَنِيبُوا عنه في أمر السياسة والحرب فَقِيهًا يُدَبِّرُ الشأن حتى يظهر بعد أن دخل الغيبة الصغرى فَنَظِيرَتَهَا الكبرى ، فكل أولئك : الجهل أو الخيانة أو العجز ، كل أولئك من لوازم هذا القول الباطل ، وهو ما يَتَوَسَّلُ به ، كما تقدم ، أصحاب المقال الباطني أن يَسْتَمِيلُوا أتباع المذهب بإلزامهم بذلك وليس بلازم لمن سلم من الهوى فاطرد قياسه المعقول فَوَافَقَ نَصَّ الوحي المنقول الذي عَدَّلَ الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فتعديلهم ، لو تدبر الناظر ، تعديل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ هم أصحابه فإذا عُدِّلُوا فقد عُدِّلَ ، وإذا جُرِّحُوا جرحَ العموم فكانوا جميعا من المارقين إلا آحادا فذلك ، كما تقدم من كلام مالك رحمه الله ، ذلك قدح في صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَتَحَرَّجَ مَنْ تَحَرَّجَ أن يطعن به فَيُفْتَضَحَ أمرُه فَتَوَسَّلَ إلى ذلك أن يطعن في أصحابه ليقال : امرؤ سوءٍ فلو كان امرأَ خيرٍ لكان أصحابه كذلك فلما كانوا أهل سوء فلا يكون صاحبهم إلا مثلهم ، إذ المرء على دين خليله ، و :
عنِ المرْءِ لا تَسألْ وسَلْ عن قَرينه ******* فكُلُّ قَرينٍ بالمُقَارِنِ يَقْتَدي .

فالانتقاص منهم انتقاص منه ، والاستهزاء بهم استهزاء به ، فيدخل في عموم الإنكار في الآية : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، فقدم المعمول معمول الاستهزاء مئنة من العناية فهو مناط الحكم ، فليس مناط الحكم مطلق الاستهزاء ، بل منه ما يحمد استهزاءً بالمستهزئين ، فذلك قياس العدل والحكمة أن يكون الجزاء من جنس العمل ، وَإِنَّمَا مناط الحكم في هذا الموضع هو الاستهزاء بالدين ، وذلك معنى يجاوز المذكور فقد يكون ثم استهزاء بغيرهم من آحاد المؤمنين فهو يتراوح بين استهزاء يحرم فهو يقدح في كمال الدين الواجب إذا كان الاستهزاء لا لأجل الدين وإنما كان سخريةً نَهَى عنها الوحي في موضع آخر أَنْ : (لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) ، وأما إذا كان الاستهزاء لأجل الدين فاستهزأ بالمؤمن لأجل إيمانه إن هديَ ظاهرٍ أو آخر باطنا فذلك ما يُلْحَقُ بعموم الآي محل الشاهد فذلك ما يقدح في أصل الدين الجامع ، فكان التوبيخ بالاستفهام : (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، ولا يخلو من تسجيل للجناية إذ دلالة الكينونة الماضية مئنة من التلازم ، فذلك وصف قد ثَبَتَ وَتَكَرَّرَ فَتَقَرَّرَ وصار دِينًا قَدْ اسْتَقَرَّ فتلك دلالة الكينونة الماضية فهي مئنة من الاستمرار والديمومة فليس ذلك مما طَرَأَ عَرَضًا بل قد استقر أبدا ، فهو آكد في الدلالة من القول في غير التنزيل : أبالله وآياته ورسوله قد استهزأتم ، وبعده كان النهي تَوْبِيخًا وإهانة ، فـ : (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) ، وكان الإطناب بالحكم على حد التحقيق إذ دخلت "قد" على العامل الماضي "كفرتم" ، وذلك آكد في التقرير والتوكيد وما يستلزمه من الزجر والوعيد ، فذلك خَبَرٌ أريد به الإنشاء فالإخبار عن قول أنه كفر بعد الإيمان وهو ما ينصرف إلى الكفر الأكبر الناقل عن أصل الدين الجامع إذ أطلق والإطلاق في هذا الباب ، كما تقدم ، مئنة من استغراق لوجوه المعنى فيحمل على الجنس الأكبر الناقل عن أصل الدين الجامع حتى تَرِدَ قرينة تصرفه إلى الجنس الأصغر الناقض لكماله الواجب ، فهذا الإخبار لا يخلو ، بداهة ، من دلالة إنشاء يلازم أن لا تسخروا ولا تستهزءوا بالوحي فذلك ناقض من نواقض الدين يوجب الخلد في نار الجحيم ، كما في الآي محل الشاهد : (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) ، فكان من التكذيب ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ وجوه المعنى فهو ما يقدح في أصل الدين الجامع والقرائن ، كما تقدم ، بذا تشهد ، فثم جزاء الخلد في نار جهنم لمن قامت به علة الخلود وهي التكذيب فتلك حال المجرم فلا يخلو السياق من تعليل آخر إذ الإجرام الذي اشتق منه الوصف المشبه "مُجْرِم" وذلك آكد في تَقْرِيرِ المعنى وَتَوْكِيدِهِ إذ الوصف المشبه مئنة من الثبوت والديمومة ، فذلك الإجرام سبب في التكذيب ، وكما قيل في التكذيب يقال في الإجرام فإطلاقه ينصرف إلى الجنس الأكبر ، فالإجرام الأكبر سبب في التكذيب الأكبر ، وذلك قياس العقل المحكم ، ولا يخلو السياق كَسَائِرِ النصوصِ العامة في هذا الباب : باب الأسماء والأحكام وما يستلزمانه من الوعد والوعيد ، ونظائرها في سَائِرِ أَبْوَابِ الديانة ، لا يخلو من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف فَهُوَ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ من كَذَّبَ وَأَجْرَمَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، ولا يخلو ، وهو مِمَّا حُدَّ حَدَّ الخبر أن يدل ، أيضا ، على إنشاء يلازم على تقدير : لا تجرموا فتكذبوا فتكون نار جهنم هي جزاءكم .
وبعده كانت الحال استحضارا للصورة : (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) فَحُدَّتْ حَدَّ المضارعِ ، فهي حال من جهنم وعاملها اسم الإشارة "هذه" ، فَثَمَّ تَنَوُّعٌ في العذاب بين جهنم وبين حميم قد بلغ منتهى الحراراة ، وهو ، كما يقول بعض المفسرين ، وهو مع ذلك زمهرير قد اشْتَدَّ بَرْدُهُ وَقَرُّهُ ، فَتَرَاوَحَ بَيْنَ الأضداد حرا وبردا ، وكلاهما إِنْ زَادَ عَنْ حَدِّهِ آذى وآلم ، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، وذلك آكد في الزجر والوعيد .

والله أعلى وأعلم .