ومن اسم الكذب ، وهو اسم ذم يستغرق الجنس الأكبر تكذيبا بالوحي ، والجنس الأصغر كذبا في القول ، من هذا الاسم ، وهو من الأسماء الشرعية ، مَا حُدَّ فِي مواضع من الوحي حَدَّ اسم الفاعل المنكَّر ، كما في قول الرب المهيمن جل وعلا : (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) .
فكان من الاستفهام ما تَقَدَّمَ في السِّبَاقِ : (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) ، وقد أَفَادَ التشويق وهو ما رَفَدَتْهُ مادة الإنباء فهي مئنة من طَرَافَةِ الْخَبَرِ وَغَرَابَتِهِ ، فالنبأ عظيم الشأن إذ لَيْسَ كالخبر المحض فهو خبر وزيادة ، فَأَفَادَ زيادةَ معنًى خلاف ما لو قِيلَ في غير التَّنْزِيلِ : هل أخبركم على من تَنَزَّلُ الشياطين ؟ ، فكان من الاستفهام ما أَلْهَبَ وَهَيَّجَ فَشُحِذَ الذهنُ وَاسْتُحْضِرَ ، ولا يخلو العامل "تَنَزَّلُ" من زيادة مَبْنًى تَدُلُّ على أخرى في المعنى إذ زيد في حده بالتضعيف ، فَالتَّنَزُّلُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ ، وذلك آكد في إثبات الذم في موضع الجناية ، وَثَمَّ بَيَانٌ لِجِنْسِ المتنزِّل ، فتلك دلالة "أل" في "الشياطين" ، ولا تخلو من دلالة عهد خاص فأولئك من يَسْتَرِقُونَ السمع ، كما أبان الوحي في موضع آخر من قول الجن : (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) ، فكان من الكينونة الماضية ما أفاد الديمومة والاستمرار ، فهو مما تَكَرَّرَ ، فكان القعود للسمع ، ودلالته ، أَيْضًا ، دلالة العهد الخاص فهو السمع المحرم ، أو استراق السمع ، فلا يخلو السياق ، من هذا الوجه ، من تقدير مَحْذُوفٍ مضافٍ فَتَأْوِيلُ الكلام : وَأَنَّا كُنَّا نقعد منها مقاعد لاستراق السمع ، فَحُذِفَ المضاف "استراق" وَأُقِيمَ المضاف إليه "السمع" مَقَامَهُ فذلك من مجاز الحذف عند من يُثْبِتُهُ فِي الوحيِ واللسانِ ، ومن ينكر المجاز فإنه يَنْظُرُ في السياق الذي رَشَّحَ في السمع معنى الاستماع وهو مئنة من التقصد والتكلف ، فضلا عن الترصد فلا يكون إلا من مسترق يَتَلَصَّصُ ، فكل أولئك مما يرشح في السمع معنى يزيد وهو الاستماع على حد الاستراق ، فالاستماع في نفسه لا يمدح ولا يذم ، فهو جنس مطلق في الذهن تختلف آحاده في الخارج على أنحاء ، فَمِنْهُ استماع يحمد كاستماع الوحي المنزل ، وحي التشريع كما في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وهو ، لو تدبر الناظر ، استماع يجاوز حد السمع المجرد الذي يحصل للمؤمن والكافر فَبِهِ قيام حجة الوحي النَّازِلِ ، إذ يُجْزِئُ في حصول صورة علمية صحيحة بها العرفان ، فالعرفان المجرد يحصل بالسمع المجرد ، والتصديق المحقق يحصل بالاستماع المقيد فهو سمع وزيادة قَدْ أفَادَتْهَا الألف والسين والتاء في "اسْتَمَعَ" ، فَحَصَلَ مِنَ الرِّضَى والقبول ما يكافئ هذه الزيادة فقد أَصْغَى صاحبها ووعى ، فهو راغب في المسموع إذ يواطئ المفطور والمعقول ، فاستجاب لداعي الفطرة والفكرة الذي يواطئ صحيح الشرعة ، فحصل له من الطمـأنينة بالذكر إيمان قد اسْتَغْرَقَ المحل ، ما بطن وما ظهر ، ما خَصَّ وما عَمَّ ، فطمأنينة القلب مَبْدَأٌ إذ يستمع ويصدق فهو يَقْبَلُ وَيَرْضَى وَيَسْتَسْلِمُ وَيَنْقَادُ ، فيكون من الحب مَبْدَأُ إرادةٍ في الخارج فِي القول والعمل ، ويكون منهما آية تصدق دعوى المحبة الباطنة ، فآيتها الاتباع الذي يستغرق الاعتقاد والقول والعمل ، فإطلاقه قد استغرق سائر المحال ، فكل أولئك مما يدخل في حد الاستماع بالنظر في المبدأ والمآل ، فَمَبْدَأُ اسْتِمَاعٍ يُنْصِتُ ، ومآلُ امتثالٍ يُصَدِّقُ ، وبهما قسمة الإيمان علمًا يُنَالُ بالاستماع وعملا تأويله الامتثال على وجه قد استغرق ، فإطلاق الاستماع يجاوز حد السمع المجرد ، فَثَمَّ حصول لصورةٍ من العلم الباطن ، وثم حصول لأخرى من العمل الظاهر الذي لا يَقْتَصِرُ على شعائر التعبد بل ثم من حركات الجوارح ما يَنْفَعُ ، فيكون مِنَ النَّفْعِ المتعدي ، ولو في مباحاتٍ ، ما به رجحان الميزان ، فأعظم الصنائع بعد أداء الفرائض أَنْ يَسْعَى المكلف في حاجة العامة والقرابة والصداقة والأخوة التي لا يَرْجُو صَاحِبُهَا جزاء ولا شكورا ، ويكون من العموم المستغرق لسائر أحوال المكلف ، ما بطن وما ظهر ، ما خَصَّ الفرد وَعَمَّ الجماعة ، ما كان في شرع أو حكم أو سياسة أو حرب أو تجارة أو عمارة ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في حد الاستماع المحمود ، ولو بالنظر في مآله فضلا أن يكون جزءا من الماهية إذ اتَّسَعَتْ مادة السمع بما دخل عليها من زيادة الطلب ، أَلِفًا وَسِينًا وَتَاءً ، فكان من الاستماع ما نَفَعَ ، فهو استماع القابلِ لآثار التكليف الرَّاضِي بقضاء التشريع المصدِّقِ بأصول الدين تَصْدِيقَ الإقرار والاطمئنان ، الممتَثِلِ لفروعه امْتِثَالَ الإذعان ، وهو في كلٍّ محبٌ نَاصِرٌ ولو بالجنان الذي يَفْرَحُ وَيَبْهَجُ إذا ظَهَرَ الدين المحكم على الدين كله فَتَحَقَّقَ موعود ربه ، جل وعلا ، فهو : (الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) ، فَيَفْرَحُ بظهور حجته ، فهي ظاهرة أبدا فلا يُنَاجِزُهُ غيره بحجة أو بُرْهَانٍ ، وإن غَلَبَهُ حِينًا بالسيف والسنان ، فحجة الوحي ظاهرة أبدا ، وهي الكتاب الهادي الذي : (يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) ، وكما يقال في الاستماع إذ أُطْلِقَ فَجَاوَزَ حصول صورة العلم المجرد ، فكذلك هداية التَّنْزِيلِ ، فكان من التَّوْكِيدِ بِالنَّاسِخِ في قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) مَا هُوَ نَصٌّ في الباب فهو جار على القياس في اللسان إذ "إِنَّ" أُمُّ البابِ فَحَصَلَ لَهَا من الخصائص ما لا يُشَارِكُهَا فيه غَيْرُهَا من سائر المؤكدات اللفظية فَلَهَا الصدارة أبدا ، وكان من الإشارة إلى القريب في "هذا" ما يجري مجرى التَّقْرِيبِ فهو قَرِيبٌ مُقَرَّبُ ، وهو ، مع ذلك مقرِّب للحق فمن جَعَلَهُ رائدا بَلَغَ غاية التوفيق والرشد إن حصل من الله ، جل وعلا ، سداد وإلهام فهو الأعلم بالمحال فَيَصْطَفِي مِنْهَا ما شاء فَيُقَرِّبُهُ من الحق ، ويسخط غيرها فهو ، في المقابل ، بَعِيدٌ مُبْعَدٌ لا حظ له من الوحي المنزَل ، ولو حصل لغيره منه القسط الأوفر من تلاوة الألفاظ نطقا ، وتلاوة المعاني فقها واستنباطا ، وتصديقا وامتثالا .

فكان من إشارة القريب في "هَذَا" ما يُبِينُ عن هذا المعنى الشريف ، إذ هو الدليل المبين ، فهو بَيِّنٌ في نفسه ، في لفظه ومعناه ، وهو مُبَيِّنُ لِمَا حَمَلَ من معاني التشريع إن بدلالة اللسان الأولى فهي الحقيقة المطلقة ، أو بدلالة الشرع التالية فهي الحقيقة المقيدة ، فحصل به من هدى البيان ما يجزئ في قيام حجة الرسالة وبيان أحكام الديانة ، فَأُطْلِقَ هُدَاهُ الذي اسْتَغْرَقَ ، كما تقدم ، هدى الباطن تَصْدِيقًا وَإِرَادَةً وَحُبًّا ، وهدى الظاهر قولا وعملا ، هدى الشعائر التي بِهَا يَتَقَرَّبُ الفرد فهي آيةٌ تُصَدِّقُ الدعوى الإيمانية الخاصة ، وهدى الشرائع التي بِهَا تَتَقَرَّبُ الجماعة فهي آيةٌ تُصَدِّقُ الدعوى الإيمانية العامة ، دعوى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) ، فإطلاق مادة الاتباع من جنس الإطلاق في مادة الاستماع آنفة الذكر فلا يَقْتَصِرُ أمرها على سمع المباني تلاوة ، بل ثم من استماع القلب ما به يَصْغَى إلى الحق فهو يميل إليه ويرغب ويميل عن ضده فَيُبْغِضُ وَيَكْرَهُ ، فَيَسْتَوْثِقُ إيمانُه بما عُقِدَ من أَوَاصِرِ الحب والبغض فهي أوثق العرى الإيمانية ، وثم من استماع الجوارح أن تمتثل في النطق والسكوت ، في الأفعال وفي التروك ، فكل أولئك مما يجاوز بداهة حد ما يَتَبَادَرُ من الاستماع بالأذن ولو إصغاء وانتباها وعرفانا يجزم السامع أنه حق فلا يَنْفَعُهُ ذلك حتى يشفع الجزم أنه حق بلازمه من التصديق فهو مئنة من تَرْجِيحٌ يجاوز حد الصورة العلمية المجردة فهي ، من هذا الوجه ، كعارض جائز عَرَضَ للنفس فاستوى طرفاه فلا بد له من مرجح من خارج يُصَدِّقُ ، فكان التصديق الذي يُرَجِّحُ ، فهو يُرَجِّحُ جانب القبول والرضى على جانب الرَّدِّ والسخط ، وذلك ما يَنْضَحُ في الخارج فهو إناء كسائر الآنية فَيَنْضَحُ بما فيه من مادة حق أو باطل ، فإن كانت الحال حقا فالإناء ينضح في الخارج طهرا وعدلا يجاوز حد العدل في التصور ألا يشرك صاحبه فيعدل بالواحد الصمد ما لا يضاهيه في الذات والاسم والوصف والفعل الكوني والحكم الشرعي ، فيكون العدل في التصور والعدل في الحكم ، ويكون العدل في القضاء ونظيره في الفضاء الخاص والعام فصاحبه يَتَحَرَّى العدل سواء أكان من عموم الناس أم من أصحاب الولايات العامة فهي البلوى الكبرى لا سيما إن جاوزت المصر فكان لَهَا من نفوذ القول والحكم في الأمصار ما يجعلها مركز السياسة والحرب ، فما أعظم ما تَغْتَرُّ بما مد لها من أسباب الزخرف والقوة ، فلسان حالها ، كما يقول بَعْضُ الساسةِ ، أن السماء لنا فلا أحد يُنَازِعُنَا جَوَّهَا ، فذلك من جنس ما قال الأول : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فكان الاستفهام الذي ضمن معنى الخبر نفيا في سياق التحدي ، تحدي المعجَب بقوله وعمله ، بِعَدَدِهِ وَعُدَّتِهِ ، فما أفسد قِيَاسَهُ إذ اغْتَرَّ بالزخرف الظاهر ، فإذا كانت الحال باطلا فالإناء في المقابل يَنْضَحُ بِمَا تَقَدَّمَ من دعوى الطغيان ، فصاحبه ممن سمع ولم يستمع الاستماع الحق ، كالذي استمعته الجن إذ تجردت من الحظوظ والعلائق ، فسمعوا قرآنا عجبا : (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) ، فذلك ، كما تقدم ، وصف التنزيل الخاتم ، فـ : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) ، فجاء بأوجز مبنى وأوسع معنى ، وجاء بأصدق خبر إن في الماضي أو في الحال أو في الاستقبال فلا زال إعجاز خبره يُتَأَوَّلُ في كل جيل ، فَيُظْهِرُ ، جل وعلا ، من مكنون إعجازه ما به يُسَلِّمُ المتجرِّد الذي لا حظ له من جَاهٍ وَرِيَاسَةٍ فهو حظ النفس ، أو رَفَاهٍ وَرِيَاشَةٍ فهو حظ البدن ، فَسَلِمَ المحل من العوارض الصارفة وخلا من الشواغل الفاسدة ، فصادفَ الحقُّ محلا قابلا فَتَمَكَّنَ وكان السداد والتوفيق أَنِ اشْتَغَلَ بمادة الحق المبين ، الْبَيِّنِ في نفسه المبينِ لغيره ، فَلَفْظُهُ فَصِيحٌ ومعناه بَلِيغٌ وتأويله في الخارج : صِدْقٌ في القول وَعَدْلٌ في الحكم ، فجاء بأصدق الخبر ، كما تقدم ، وجاء بأعدل الحكم ، فحصل من الهداية ما استغرق بإطلاق المادة ، مادة "يَهْدِي" ، فيهدي الهداية التامة : الظاهرة والباطنة ، الناظرة والحاكمة ، ولا تخلو مُضَارَعَتُهَا أن تَسْتَحْضِرَ الصورة ، من وجه ، فذلك آكد في التقرير والوصف ، وأن تَسْتَغْرِقَ ما اسْتُقْبِلَ من ظرف التكليف المحكم فذلك قرآن خاتم للوحي فلا قُرْآنَ بعده يَنْسَخُ ، فَيَهْدِي للتي هي أقوم في كل محل وحال ، ما ظهر وما بطن ولا تخلو "أفعل" التفضيل في "أقوم" ، لا تخلو ، من هذا الوجه ، أن تجري مجرى ما نُزِعَتْ دلالته فهو الْقِيِّمُ وما سواع فمعوج وإن أصاب الحق في مواضع فَفِي الوحي الْقَيِّمِ ما عنه يُغْنِي وما عليه يزيد فهو يجزئ ويكفي في حصول الغايات العظمى الَّتِي يَرُومُهَا كلُّ عاقلٍ سعادةً في الأولى ونجاةً في الآخرة ، فهدايته قد عمت البيان والإرشاد الأعم والتوفيق والإلهام الأخص ، وإن انصرف العامل في هذا السياق إلى البيان والإرشاد ، فكان من التوكيد لَفْظًا ما تَقَدَّمَ ، توكيد الناسخ "إِنَّ" صدر الآية : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، والإشارة قُرْبًا في "هذا" ، كان مِنْهُمَا مَا يُفِيدُ يُسْرَ التَّنَاوُلِ إن في تلاوة مبانيه أو فقه معانيه أو دَرَكِ مَرَامِيهِ ولا يخلو السياق من إطناب بالبدل وهو اسم القرآن الذي يجاوز ، لو تدبر الناظر ، قرآن الآي المتواتر فهو كالكتاب الذي استغرق كتاب الشريعة كلها ، إن شريعة الآي المتواترة أو شريعة الأخبار الْمُتَنَاقَلَةِ ، فَجُلُّهَا آحاد قد صَحَّ إسنادها فَأَجْزَأَ فِي انْتِحَالِهَا عِلْمًا يُصَدَّقُ وَعَمَلًا يُمْتَثَلُ ، فكذلك القرآن ، فَقُرْآنُ الشريعةِ قد استغرقها جميعا : خبرا وحكما ، علما وعملا ، سلما وحربا ، غنى وفقرا ...... إلخ ، فاستغرق بدلالة "أل" ، فهي على وجوه ، فإما أن تحمل على العهد الخاص فذلك القرآن وهو الكتاب المتواتر الذي تحدى الله ، جل وعلا ، به ، فأعجز في نظمه ومعناه ، وهو مناط التعبد الأخص في الصلاة فَرْضًا وَنَفْلًا ، والتلاوة خارجها فهي من أعظم النوافل وهي من مواضع الذكر بالنطق والتدبر فقراءة القرآن وإن انصرفت ، بادي الرأي ، إلى قراءة الألفاظ والمباني فلا تخلو من أخرى بها فقه الأحكام والمعاني وذلك باعث الاستسلام والانقياد الباطن والظاهر ، فكان من الأمر في قوله تعالى : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، ما جاوز حد الإصغاء بالآذان فَثَمَّ آخر بالجنان وثم ثالث بالأركان ، فكما الهداية تعم سائر المحال وإن انصرفت ، بادي الرأي ، إلى هداية الجنان بصورة العلم ، فكذا الاستماع وإن انصرف ، بادي الرأي ، إلى استماع الآذان لمادة اللفظ ، فكان من دلالة "أل" في "القرآن" ما تحكي العهد الخاص : عهد القرآن المتواتر ، وهو الكتاب الخاتم الذي نَزَلَ رسالة جامعة على النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان منها ، أي في "أل" في "القرآن" ، ما يُبِينُ عن الجنس والماهية ، جنس الألفاظ والأحكام القرآنية : الخبرية والإنشائية ، فلا يخلو ، من وجه ثالث ، أن يَزِيدَ على البيان اسْتِغْرَاقًا لآحاد ما دخلت عليه فاستغرقت وجوه المعنى كمالا فهو القرآن الأكمل ، واستغرقت الألفاظ والمعاني ، الأخبار والأحكام ، فهي آحاد المدخول على وجه عام يستغرق المتواتر ، وآخر أعم يستغرق المتواتر والآحاد فذلك ، كما تقدم ، قرآن التشريع الذي استغرق سائر الأخبار والأحكام ، فكان من التوكيد في الآي آنف الذكر : توكيد الناسخ لفظا في "إِنَّ" ، والتوكيد بالإطناب على حد البدل فَمَهَّدَ باسم الإشارة "هذا" وَأَتْبَعَ بالبدل "القرآن" فهو المقصود أصالة بالحكم ، كما حده أهل الشأن ، وقد يقال ، من وجه ، آخر ، إنه مما يجري مجرى عطف البيان فإن اللفظ المبيَّنَ وهو اسم الإشارة المجمل "هذا" لا يخلو ، مع إجماله ، أن يكون مقصودا من وجه إذ أفاد ، كَمَا تَقَدَّمَ ، قُرْبَ المعنى وَيُسْرَ التَّنَاوُلِ ، ولا يخلو السياق : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) من تَوْكِيدٍ بالاسمية مئنة من الديمومة والثبوت ، فذلك وصفه الدائم فهو الهادي أزلا وأبدا ، وهو الهادي حالا واستقبالا فتلك دلالة المضارعة ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من تَوْكِيدٍ بإطناب آخر وهو الإطناب في جملة الخبر "يَهْدِي" ، فضلا عن تكرار الإسناد : فاعلَ المعنى المظهر وهو المبتدأ المقدم "هذا" ، وفاعلَ المبنى المضمر الذي استكن جوازا في عامله "يهدي" ، وهو ، من وجه آخر ، رابط الخبر إذ حُدَّ حَدَّ الجملة ، رابطه بالمبتدأ ، فَيَهْدِي للقيم الذي أطلق فاستغرق ، كما تقدم ، القيم من الخبر ونظيره من الحكم ، فالاستماع إليه يحمد إذ هو معدن الحق المحكم ، فيهدي تكليفا وَيُبَشِّرُ تحفيزا ، فـ : (يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) ، فأطنب بالوعد بعد التكليف الذي استنبط من الخبر الأول فالإخبار عن القرآن أنه يهدي يدل بداهة على إنشاء الأمر أن التزموا حده في كل حال لتهتدوا وتكونوا من أهل البشرى ، من الذين آمنوا فمعنى الإيمان الذي اشتق منه الوصف المشبه "المؤمن" هو مناط البشرى ، فالاستماع إليه استماعَ التصديق والامتثال ، هذا الاستماع هو معدن الإيمان الذي أنيطت به البشرى ، فالإيمان : تصديق وامتثال ، فذلك الاستماع المحمود الذي أُمِرَ به الإنس ، بل وحصل جنسه للجن فكان سببا في الهداية النافعة إذ تجردت النفوس من الحظوظ العاجلة ، فذلك الاستماع المحمود ، استماع الشرع المنقول الذي يُوَاطِئُ النظر المعقول ، وقسيمه في المادة : مادة الاستماع ، قسيمه فيها : الاستماع المذموم ، الاستماع لداعي الباطل الذي يأمر بالكفر والظلم فهو ما يخالف عن داعي الحق أَنْ : (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ) ، فالإجابة أول والإيمان ثان ، وهو ما يجري مجرى التلازم فأولُ الإيمان إجابةٌ الداعي بالإصغاء والإنصات إليه ، فهو يجاوز إلقاء السمع في آي الشعراء في قوله تعالى : (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) ، فإذا رجع الضمير إلى أقرب مذكور وهو الأفاك الأثيم الذي فسد تصوره العلمي بالإفك وفسد حكمه العملي بالإثم فَجَمَعَ فَسَادَ الباطن والظاهر ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى أَقْرَبِ مذكورٍ ، وهو الأفاك الأثيم فهو مئنة من الوصف الذي استحضرت صورته بالمضارع "يُلْقُونَ" ولا يخلو أن يستغرق ظرف التكليف كله ، فضلا عن توكيد الجناية فالوصف "يُلْقُونَ السَّمْعَ" إذا قُدِّرَ أن الموصوف "أفاك" في قوله تعالى : (كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) ، فالجمل بعد النكرات صفات ، فَوُصِفَ ، أولا ، بالوصف المفرد "أثيم" ثم وصف ثانيا بالجملة : (يُلْقُونَ السَّمْعَ) ، وذلك جار على سنن العربية إذا اجتمع نَعْتَانِ أحدهما مفردٌ والآخر جملةٌ ، فَيُقَدَّمُ المفرد وبعده الجملة ، كما في هذا الموضع ، وقد يُقَالُ إن ذلك مما يجري مجرى الحالية إذ اكتسبت النكرة نوع تخصيص وَبَيَاٍن إذ نُعِتَتْ بوصف "أثيم" ، فهي تَتَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أفاك أثيم حال كونه يلقي السمع ، وقد يرجح إعرابُ الوصفِ الحالَ إذ الحال تطرأ خلاف الوصف فهو مما يلازم ويثبت فيكون ذلك آكد في الذم في سياق الوعيد ، فكانت المضارعةُ في "يُلْقُونَ" مئنة من ثُبُوتٍ وديمومة ، فذلك وصفٌ يلازم الموصوف ولا يَنْفَكُّ عنه ، وإن قوة فهو يتأولها بالفعل المحدَث شيئا بعد آخر ، فلا يَزَالُ يُلْقِي السمع إذا سمع الشبهة أو لاحت له الشهوة ، فهو بَيْنَ فسادِ الصورة وفساد الحكم وهو ما استغرق ، كما تقدم ، كل حكم ، فهو يُلْقِي السمع إلى كل طاغوت يجاوز الحد إن في الشرع أو في الحكم فَيُعَطِّلُ من أحكام الديانة النازلة ما يخالف عن حظ نفسه الغاوية ، فيحصل له من فساد العلم والعمل بِقَدْرِ ما يُلْقِي من سمعه إلى الطاغوت المبطِل ، فيكون من نقض عرى الأصل الجامع تارة ، ونقص الكمال الواجب أخرى ، يكون من كلٍّ ما يلائم حال الُمُلْقِي ، على وجه يَتَفَاوَتُ فذلك أصل في هذا الباب : باب الأسماء والأحكام ، فإنها ليست جميعا على حد سواء وإن كان اللقب مدحا أو ذما واحدا في لفظه فهو يَتَفَاوَتُ في رُتَبِهِ فمن الإيمان ما قد كَمُلَ وجاوز الفرض إلى المستحب ، ومنه ما اقتصر على الواجب ومنه ما انحط عنه فهو الناقص وإن لم يقارف صاحبه الناقض لأصله الجامع ، وكذا الكفر والفجور والعصيان والفسق والظلم ...... إلخ ، فهي ألقاب تجري مجرى الأجناس العامة التي تَنْقَسِمُ مادتها في الخارج فَمِنْهَا ما يَنْقُضُ الأصل الجامع فذلك النوع الأكبر ، ومنها ما يَنْقُضُ الكمال الواجب فذلك النوع الأصغر ، وفي كلٍّ من الدركات ما لا يحصى كما أن لكل اسمٍ يمدح كاسم الإيمان المحكم ، كما أن لكل اسم يمدح من الدرجات ما لا يحصى ، فَعَلَا الإيمانُ درجات وانحط الكفران دركات ، ولكلٍّ مقام يعلم إذ كل يعمل على شاكلته ، وذلك العدل في المدح والذم والحكمة في إطلاق الألقاب ، فلا تستوي في الخارج وإن جمعها في الذهن جنس واحد ، فهي في الخارج تُقَيَّدُ بأوصاف تارةً وبأعيان أخرى قد تحقق فيها المناط مدحا أو ذما وتجرد المطلِق في حبه وَبُغْضِهِ فلم يكن حُبُّهُ كَلَفًا يغلو ، ولم يكن بُغْضُهُ تَلَفًا يجفو ، بل عدل في الخصومة ، في الرضى والسخط ، وإذا رجع الضمير ، من وجه آخر ، إلى الشياطين في قول رب العالمين جل وعلا : (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) ، فكان من تَنَزُّلِهَا آحادا تَتْرَى ما يضاهي تَنَزُّلَ الوحي نجوما تُتْلَى ، وكان من تَنَزُّلِهَا وهي معدن الشر والخبث ما يضاهيه تَنَزُّلُ الملَك وهو معدن الخير والطهر ، فـ : (مَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) ، فهي تَتَنَزَّلُ بأمره الكوني ، فالباء في هذه الحال باء السببية ، وهي تحمل أمره الشرعي فالباء في هذه الحال باء المصاحبة والاقتران ، ولكلٍّ وجهٌ يَصِحُّ وهو مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فكان من تَنَزُّلِ الملَكِ ما يضاهي تَنَزُّلَ الشيطان بالنظر في أصل المادة الذي يجرده الذهن ، كما الاستماع آنف الذكر ، فمنه ما يحمد من استماع الوحي المنزل ومنه ما يذم كإلقاء الكهان السمع ، وهو محل الشاهد في هذا السياق وإن لم يكن مخصصا لعموم المعنى ، فثم إلقاء السمع إلى كل طاغوت ، فالكاهن يلقي السمع إلى طاغوت الجن الذي يجاوز الحد وَيَنْتَحِلُ ما ليس له من دعوى العلم الغائب وليس ذلك إلا للرب الخالق العالم ، جل وعلا ، ومن يستمع إلى الكاهن فيصدقه فهو ، أيضا ، يلقي السمع إلى شيطان الإنس ، ومن يستمع إلى الطاغوت المعطِّل للوحي فَيَرْضَى طريقتَه طوعا بلا إكراه وإن علم بطلانها في نفس الأمر فما حمله عليها إلا حظ النفس العاجل ، فَهُوَ يُوَاطِئُهُ ويناصره ويناجز من خالفه وإن كان على الحق جملة أو تفصيلا ، فصار الحق له أبدا خصما لا تُرْجَى مودته إذ بها زوال سلطانه وانقصام صولجانه ، فمن يستمع إليه فهو ، أيضا ، يدخل في عموم الذم في الآي ، وإن حُدَّتْ حَدَّ المثالِ : مثال الاستراق للسمع ادعاء لعلم الغيب فلا يخلو الطاغوت المبدل أن يقترف الجناية ذاتها فلسان حاله أنه يعلم من الصالح ما لا يعلم الوحي النازل فاستجاز تعطيل حكمه واستجاز القدح في وصفه فهو شرع البداوة والجفاوة ، وليس له حظ من التمدن والحضارة ، فالمعنى ، كما تقدم ، يستغرق كُلًّا ، فلكلٍّ منه حظ ، دق أو جل ، وإن انصرف بادي الرأي إلى الجنس الأكبر من الإفك والإثم فهو نَاقِضٌ للأصل لا سيما وقد أطلق فإطلاقه كسائر ما يطلق من ألقاب مدح وذم في باب الأسماء والأحكام فهو يَنْصَرِفُ ابتداء إلى الجنس الأكبر حتى ترد قرينة تصرفه إلى نظيره الأصغر ، ومكية الآي لذا ترجح إذ الغالب على المخاطب أنه من الجنس الكافر ، ولا يخلو السياق إذ يذم بأوصاف الإفك والإثم والكذب ، لا يخلو أن يدل على إنشاء ينهى عن استجابة المخاطَب لوارد الشيطان الذي يَتَنَزَّلُ بالكذب والظلم ، وآخر يأمر بضده أن استجيبوا لداعي الملك إذ يَتَنَزَّلُ بصادق الأخبار وعادل الأحكام فتلك مادة ما أُحْكِمَ من الرسالات ، فاستجيبوا له واستمعوا الاستماع النافع ، فـ : (إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وامتنعوا عن ضده من الباطل ، فلا تستمعوا لما لا يحل إن من خبر الغيب الذي قُذِفَ سارقه من كل جانب بما كان من الشهاب الناجز ، أو من داعية الشهوة والفجور مما لا يحل من المعازف وسائر أجناس المجون فهي مما يفسد المحل ويوهن الإرادة وينحط بالغاية فمراد صاحبها سُكْرٌ يَلْتَذُّ به حالا وإن أهلكه مآلا ، فذلك مئنة من فساد التصور وضعف العزم أن يناجز داعي الْفُجْرِ ، فاطرد الباب وانعكس إن في المنطوق أو في المفهوم ، إن في الخبر أو في لازمه من الإنشاء .

والله أعلى وأعلم .