ومن قوله تعالى : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فكان من الشرط "إذا" مَا أَفَادَ الكثرة ولا يخلو من الدلالة الظرفية الزمانية فَثَمَّ دَوَرَانُ الوجود والعدم إذ يُنَاطُ الجواب بالشرط ، فيكون الأمر بالاستماع والإنصات حال القراءة ، وإن خص ذلك ، من وجه ، بقرآن الصلاة فَرْضًا أو نفلا ، لا سيما الفرض في الجهرية ، وأما ما زاد من النفل فَثَمَّ من يطرد الأمرَ في الآية فيوجب الاستماع فلا يقرأ الفاتحة إلا في سكتات الإمام فإن شَرَعَ الإمام في قراءة النفل طَرَدَ الأمر في الآية فامتثل واستمع وأنصت وإن لم يَقْرَأْ فَرْضَهُ من الفاتحة ، فَقِرَاءَةُ الإمامِ له قراءة ، كَمَا قَالَ بعض أهل الشأن ، فاستدلوا بالخبر المشهور : "مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ" ، على كَلَامٍ فِي إسناده ، فلا تخلو الشرطية من تلازم آخر وثم عموم في الشرط قد اسْتَغْرَقَ كُلَّ إمامٍ في الصلاة ، وهو ما تَدْخُلُ فِيهِ الفريضةُ وَالنَّفْلُ جميعا ، إذ الإطلاق مئنة من العموم المستغرق ، فَثَمَّ عموم قياسي أول وهو عموم الشرط "مَنْ" ، وَثَمَّ ثَانٍ إذ تَسَلَّطَ الشرط على النكرة "إمام" ، وثم ثالث استفيد من إطلاق لَفْظِهِ فَاسْتَغْرَقَ كُلَّ إمامٍ في الصلاة فَرِيضَةً أو نَفْلًا ، ومن ثم كان الجواب : "فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ" ، فلا يخلو من فاء رابطة إذ حُدَّ الجواب حَدَّ الاسمية مئنة من تَقْرِيرٍ وَثُبُوتٍ ، فَتُجْزِئُ قراءة الإمام وذلك ما طَرَدَهُ بَعْضٌ في الجهرية والسرية ، خلاف آخر فَرَّقَ بين الجهرية والسرية فهي له قراءة في الجهرية إذ يسمع دون السرية إذ لا يسمع ، وَثَمَّ مَنْ حَرَّرَ مناطا أدق وهو السمع مطلقا إن في سرية أو في جهرية فَجَعَلَ مناط الحكم هو السكوت إلى بَدَلٍ وهو ما يُسْمَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الإمام ، فَلَوْ صَلَّى جهرية في صفٍّ مؤخر ولم يَسْمَعِ الإمامَ السمعَ المحقَّقَ فإنه يقرأ الفاتحة إذ لو سكت في هذه الحال لكان سكوته إلى غير بدل ، فَنَابَتْ قراءة الإمام عن قراءته ، وهو ما حُدَّ ، كما تقدم ، حَدَّ الشرط فَدَارَ الحكم وهو ما اسْتُنْبِطَ من الجواب من إجزاء في القراءة حَالَ ائْتَمَّ بإمامه ، دَارَ مع الشرط وهو حصول هذا الإمام في الخارج حصول الإجزاء الشرعي في صلاةِ فَرْضٍ أو نَفْلٍ ، فلا تخلو الفاء ، من هذا الوجه ، من دلالة السببية ، فضلا عن فَوْرٍ وَتَعْقِيبٍ وهو ، أَيْضًا ، آكد فِي التَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ ، وَزِدْ عَلَيْهِ تَقْدِيمَ الظرف "له" في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ" ، فَقُدِّمَ الظرف "لَهُ" وَحَقُّهُ التأخير ، فذلك مَئِنَّةٌ مِنَ الحصر والتوكيد ، فَثَمَّ مَنْ طَرَدَ هَذَا الخبر إذ لا يخلو من دلالة إنشاء ، فَهُوَ يَتَضَمَّنُ الأمر أن اجتزءوا بقراءة الإمام ولا تَزِيدُوا لا في سرية ولا في جهرية عند من طرد الباب فلم يُفَرِّقْ بَيْنَ سِرٍّ وَجَهْرٍ ، أو لا تقرءوا إذا كان الإمام يجهر ، أو لا تقرءوا إذا كان الإمام يجهر وقراءته تَبْلُغُكُمْ ، وثم من ضعف هذا الخبر كصاحب الجزء المشهور "القراءة خلف الإمام" فقد صنفه لِيَرُدَّ عَلَى بَعْضٍ حظروا القراءة خلف الإمام ، فَصَنَّفَ في هذا الباب وضعف هذا الخبر ، واستدل بجمل أخرى تخصص فهي تخرج أم الكتاب من هذا العموم ، فكان من استدلاله بخبر : "لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ" ، فسبب الورود يبين عن المعنى ، إذ صَلَّى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الفجر فَقَرَأَ رَجُلٌ خلفه ، فَكَانَ من النَّهْيِ الذي أُكِّدَ بالنون المثقلة في "يَقْرَأَنَّ" فَهِيَ سبب البناء العارض للعامل المضارع "يقرأ" ، وقد أطلق العامل فاستغرق فثم عموم استفيد من هذا الوجه ، فضلا عن تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فلا يَقْرَأَنَّ أَيَّ قراءةٍ ، لا فاتحة ولا غَيْرَهَا ، وهو ما عم ، من وجه آخر ، إذ أُسْنِدَ العامل إلى اسم "أحدكم" على حد الفاعلية وهو ما أفاد العموم القياسي إذ أُضِيفَتِ النَّكِرَةُ إلى الضمير ، ضمير المخاطب المجموع ، فاستفادت التعريف في لَفْظِهَا وَالتَّعْمِيمَ فِي مَعْنَاهَا ، وذلك ، من وجه آخر ، مما يَسْتَغْرِقُ كُلَّ أحدٍ ، ذَكَرًا أو أُنْثَى ، اسْتِنَادًا لأصلٍ يُسْتَصْحَبُ أَبَدًا في نُصُوصِ التَّكْلِيفِ المنزَّل إلا أن يكون ثَمَّ قَرِينَةٌ تخرج نوعا أو فردا ، فكان من النهي ما يستغرق ، وهو ما لا يُفِيدُ فِي نَفْسِهِ معنى في الشرع يَجُوزُ الوقوف عليه وإن أَفَادَ فِي النَّحْوِ جملة قد اكتملت أركانها مسندا وهو الفعل "يَقْرَأَنَّ" ومسندا إليه وهو الفاعل "أحدكم" ، فلا يفيد مع ذلك حقيقة في الشرع فهي أخص من حقيقة اللسان إذ لا نَهْيَ في الشرع عن القراءة مطلقا ، فالوقوف على ذَلَكِ لا يخلو من إِجْمَالٍ على أنحاء ، فَثَمَّ إجمالٌ فِي الموضع ، موضع القراءة ، أفي عبادة أم خارجها ، أفي صلاة أم خارجها ، أفي فَرْضٍ أم نَفْلٍ ، أفي سر أم جهر ، أفاتحة كتاب أم ما يزيد ، فكل أولئك من وجوه الإجمال التي حالت دون الاجتزاء بالحد الصحيح في اللسان ، حَدِّ الجملةِ : لا يَقْرَأَنَّ أحدكم ، فَهِيَ ، كما تقدم ، مما اكتملت أركانه في اللسان المحقق ولم تكتمل في بَيَانِ الشرع المنزَّل ، فكان من الإجمال ما افْتَقَرَ إلى بَيَانٍ وهو ما زادته الحال "والإمام يقرأ" ، فتلك فضلة في المبنى وَلَكِنَّهَا عمدة في المعنى إِذْ لا تحصل الفائدة الاصطلاحية الأخص إلا بها وإن حصلت الفائدة اللسانية الأعم بدونها ، فيشبه ، من وجه ، الحال في نحو قوله تعالى : (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، فالجملة ابتداء مما اكتمل في مبنى اللفظ وإن خالف عن معيار العقل ، فالاقتصار على النهي أَنْ : (لَا تَمُوتُنَّ) ، لا تحصل به فائدة شرعية بل ذلك مما لا يُتَصَوَّرُ فهو من التكليف بما لا يطاق ، بل هو من المحال إذ الموت مآل كل نَفْسٍ وإن طال بها العمر ، فـ : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، فذلك العموم القياسي وإن لم يخل من وجوه تخصيص ، فخرجت بالتخصيص العقلي نَفْسُ الرَّبِّ الْعَلِيِّ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فهو : (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، فضلا عن آحادٍ وَقَبِيلٍ يَسْلَمُ من الصعق يوم الْمَنْشَرِ ، فـ : (نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، فَثَمَّ استثناء لعمومٍ مجملٍ فَتِلْكَ دلالة "مَنْ" ، فهي نص في الباب ، ولا تخلو من إجمال فَثَمَّ أهل الجنان من الحور والولدان ..... إلخ ، وإن كانت حيواتهم تَفْتَقِرُ إلى سَبَبٍ من خارج خلاف حياة الرب الخالق ، جل وعلا ، فهي وصفُ ذاتٍ لا يُفَارِقُهَا أَبَدًا فَلَا يَفْتَقِرُ إلى سبب من خارج إذ الذاتي ، كما يقول النظار ، لا يُعَلَّلُ ، فلا يُتَصَوَّرُ الوقوف على النهي أَنْ : (لَا تَمُوتُنَّ) ، فذلك مما لا يطيق البشر إذ يخالف عن سنن الكون النافذ ، فكان التَّقْيِيدُ بالحال على حد الاستثناء في قوله تعالى : (إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، على تأويل : تحروا الإسلام في كل حال فلا يَأْتِيَنَّكُمُ الموتُ إلا وَأَنْتُمْ لَهُ ملازمون ولأحكامه مُمْتَثِلُونَ ، فالحال في هذا السياق ، أيضا ، عمدة في المعنى وإن كانت فضلة في المبنى ، فكذلك الشأن في الخبر محل الشاهد ، فكان التقييد الأول بالحال : "وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ" ، فالقراءة مطلقا لا تحرم ، بل منها الفرض ومنها النفل ، وذلك عموم آخر قد خص بالاستثناء المتصل : "إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ" ، فهو من وجوه التخصيص المتصل ، فخرجت فاتحة الكتاب فهي مما تجب قراءته مُطْلَقًا إِنْ فِي فَرْضٍ أو في نَفْلٍ ، إن في جماعة أو خارجها ، إن في جهرية أو سرية ، إن في قراءة إمام أو في سَكَتَاتِهِ ، فلا بد من الإتيان بِهَا فَلَا تجزئ صلاة إلا بها ، فذلك عموم آخر قد استفيد من مواضع ، فـ : "لا صلاةَ لِمَن لم يقرَأْ بفاتحةِ الكتابِ" ، فكان من تسلط النفي على الحقيقة ما احتمل وجوها ثلاثة ، فاحتمل انتفاء الحقيقة وهو ما لا يطرد في هذا الموضع فقد يَتَعَذَّرُ حمل النفي على الحقيقة إذ ثم مَنْ يُصَلِّي في الظاهر ولا يَقْرَأُ الفاتحةَ فذلك أمر باطن فَيَصْدُقُ فِي ظاهر ما أَتَى بِهِ من مَاهِيَّةِ الصلاة الشرعية ، يصدق فيه حَدُّ الوجود العيني في الخارج ، وهو وجود يجزئ في أحكام الدنيا فَتَبْرَأُ به الذمة في أحكامها ولا تَبْرَأُ بداهة في أحكام الآخرة إذ ليس ثم وجود شرعي يجزئ قد اسْتَوْفَى الأركان والشرائط وَانْتَفَتْ عَنْهُ الموانع ، واحتمل انْتِفَاءَ الصحة : فلا صلاة صحيحة ، أو الكمال : فلا صلاة كاملة وإن صحت بالنظر في الأصل ، والراجح منها ما اطرد في كلام النظار إذ رَجَّحُوا في هذه الحال نَفْيَ الصحةِ إلا أن تكون ثم قرينة تُرَجِّحُ نَفْيَ الكمالَ دون الصحة ، فَرَجَحَ من هذا الوجه فَرْضُ الفاتحة فلا صلاة صحيحة لمن لم يقرأ بِهَا ، وهو ما أطلق فاستغرق القراءة بها أبدا ولو خلف إمام يجهر ، فإذا قَرَأَ بَعْضًا في سكتة الإمام ثُمَّ شَرَعَ الإمام في قراءةِ النَّفْلِ فلا يَقْطَعُ قراءتَه بل يُتِمُّ الفاتحة إذ لا صلاة تصح إلا بها ، فذلك موضع استثناء ، ولا يخلو ، أيضا ، من استثناء ثَانٍ يخصصه ، وهو ما ورد في موضع آخر من الخبر ، فـ : "من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة" ، فتلك ركعة تجزئ بلا فاتحة تُقْرَأُ ، وذلك خلاف الأصل المحكم أن : "لا صلاةَ لِمَن لم يقرَأْ بفاتحةِ الكتابِ" ، فهي رُكْنُ الْقَوْلِ الوحيد ، ومع ذلك استثنيت حال أدرك المأمومُ الإمامَ في الركوع ، وثم من طرد الأصل فجعل الفاتحة رُكْنًا لا يسقط إلا بالإتيان به فَلَوْ أدرك الإمام راكعا ما أدرك الركعة فَيَلْزَمُهُ الإتيان بأخرى ، وذلك مذهب أهل الظاهر إذ أخذوا بظاهر : "لا صلاةَ لِمَن لم يقرَأْ بفاتحةِ الكتابِ" ، ولم يعتبروا ظاهر : "من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة" ، إذ هو عندهم من الضعيف فلا يقضي في آخر فوقه في الدرجة فهو صحيح ، فلا يقدم ضعيف على صحيح وأجيب بأن ضعفه مما يحتمل ، فضلا أَنْ لَيْسَ ثَمَّ تَعَارُضٌ ، فالمسألة ليست تعارضا لا يمكن فيه الجمع بل ظاهره التعارض والجمع فيه جائز بل هو الأولى أن يجري الأمر مجرى العام والخاص فالخاص قطعي الدلالة يقضي في العام فهو ظني الدلالة ، فيقضي القطعي في الظني ، وذلك لازم القياس الصريح ، وَيُخَصِّصُ إدراكُ الركعةِ بإدراك الركوع يُخَصِّصُ عمومَ النفي لصحة الصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فذلك إنما يقتصر على من أدرك الإمام وهو قائم ووجد فسحة أن يقرأ الفاتحة ، فلا تسقط في حقه ، فهي ، كما تقدم ، الركن القولي الأوحد في الصلاة .
فكان من استثناء الفاتحة إذ تجب قراءتها في كُلِّ حالٍ ، على تفصيل في هذا الباب ، فهي مما يُخَصَّصُ به عموم الشرط في قول الرب جل وعلا : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فإذا قرئ القرآن ، قرآن النفل ولم يكن المأموم قد قرأ الفاتحة فَهُوَ يَقْرَؤُهَا ولا يُنْصِتُ للإمام في قِرَاءَةِ النَّفْلِ ، فَثَمَّ عموم قياسي استفيد من تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل "قُرِئَ" ، فاستغرق كل قراءة فوجب الاستماع وهو قدر زائد على مطلق السمع إذ زيادة مَبْنَاهُ : أَلِفًا وَسِينًا وَتَاءً مئنة من أخرى في معناه إذ تدل على الطلب فلا يخلو من تَكَلُّفٍ وَتَقَصُّدٍ وذلك آكد في التكليف بالأمر وهو ما رشح دلالة الإيجاب فضلا أنه الأصل في الأمر ، كما قرر أهل اللسان والأصول ، فَخُصَّ هذا الأمر ، من وجوه ، فَثَمَّ من قصر ذلك على قرآن الصلاة فلا تخلو "أل" في "القرآن" ، من هذا الوجه ، لا تخلو من دلالة العهد الخاص ، فهي قراءة الصلاة ، وهي ما خُصَّ ، أيضا ، فَخَرَجَتِ الفاتحة فهي تُقْرَأُ أَبَدًا وإن حال القراءة فلا يستمع المأموم ولا ينصت إذ اشْتَغَلَ بما هو أولى من فَرْضِهِ الَّذِي لا تصح صلاته إلا به ، فلا يُقَدِّمُ ، بَدَاهَةً ، الاستماعَ إلى نَفْلِ القراءةِ بعد الفاتحة لا يُقَدِّمُهُ على فرضه أَنْ يَقْرَأَ الفاتحة ، فَالْفَرْضُ يُقَدَّمُ أبدا حال التعارض وتعذر الجمع فإذا تَزَاحَمَا فِي محل أو ضاق الوقت فَتَعَذَّرَ الجمع بَيْنَهُمَا قُدِّمَ الفرض كما يضرب المثل بمن خشي فَوَاتَ الوقتِ فَلَا يُصَلِّي النفلَ ، بَدَاهَةً ، إذ لو شَرَعَ فِيهِ وقد تَضَايَقَ وَقْتُ الفرضِ فهو آثم وإن ابْتَغَى الأجرَ إذ لم يحسن النظر فَيُقَدِّمَ ما حقه التقديم من الفرض الذي لا يحتمل التأخير ، وكذا الشأن في أفعال الفرض ، فلا يخلو من نَوَافِلَ كقراءةٍ بعد الفاتحة وَزِيَادَةِ تسبيحٍ عن القدر الواجب فَلَوْ دَخَلَ الصلاةَ وقد تَضَايَقَ الوقت لكان من الواجب أن يختزل ما استطاع في النوافل فلا يطيل قِرَاءَةً بعد الفاتحة أو لا يَقْرَأُ إن خشي أن يخرج الوقت وَلَمَّا يستوف القدر الواجب الذي به درك الصلاة ، وهو الركعة ، كما في الخبر المشهور : "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ" ، فثم دلالة منطوق ومفهوم تجريان مجرى الطرد والعكس ، فمن أدرك ركعة فَقَدْ أدرك الصلاة ، وإن كان ذلك ، بداهة ، دون مَنْ أَوْقَعَهَا جَمِيعًا فِي الوقت ، ومن لم يدرك رَكْعَةً فَمَا أدركها فَصَلَاتُهُ قضاءٌ من هذا الوجه ، فَيَتَجَوَّزُ الْمُصَلِّي إذا تَضَايَقَ الوقتُ وَيُخَفِّفُ ما استطاع بِلَا إِخْلَالٍ يُذْهِبُ الطمأنينةَ فَلَا يُكْثِرُ من النَّوَافِلِ في القراءة والتسبيح حتى يُوقِعَ في الوقت ما به تَقَعُ الصلاة أداء ، فهو يجتهد ما استطاع أن يُوقِعَهَا جَمِيعًا في الوقت فإن تَعَذَّرَ أَوْقَعَ مِنْهَا ما به يَثْبُتُ الأداء وإن لم يكن الأكمل ، فأكمله ما كان في أول الوقت جماعة ، وآكده ما كان في جماعة المسجد وإن أجزأت أخرى غَيْرُهَا ما لم تكن ذريعة إلى هجران المسجد وإبطال الشعيرة أذانا وإقامة وصلاة ..... إلخ ، وكذلك الشأن إن تضايق الوقت فَتَزَاحَمَتْ فائتة مع حاضرة على قول من يُوجِبُ التَّرْتِيبَ فِي قضاءِ الفوائت ، فَلَوْ فاته ظُهْرٌ ودخل وقتُ العصرِ فَتَضَايَقَ فَشَارَفَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ ، فَلَوِ الْتَزَمَ التَّرْتِيبَ فِي قَضَاءِ الفوائتِ لَخَرَجَ وقتُ العصر ، فَإِنَّهُ يصليه أولا ولا يلتزم الترتيب رعاية لوقت الحاضرة فهي أولى بالتقديم ، على تفصيل في ذلك ، وكذلك الشأن في قراءة الفاتحة في حق المأموم ، وهي محل الشاهد المتقدِّم ، فلا يشتغل بالاستماع إلى قرآن الإمام ، قرآن النفل الذي يجاوز الفاتحة ، فلا يقرأ المأموم الفاتحة والإمام يقرؤها ، فذلك مما يدخل في عموم قوله تعالى : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فثم معنى أخص يجاوز قرآن الصلاة وهو قرآن الفرض من الفاتحة دون النفل الذي يَزِيدُ عَلَيْهَا ، فلا يقرأ المأموم وإمامه يقرأ الفاتحة بل ينصت ويستمع ، وهو ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ زَجْرُ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟" ، فهو ، كما يقول بعض المحققين ، نهي أن يزيد المأموم في القراءة عن الفاتحة ، أو يجهر والإمام يقرأ الفاتحة ، ولا يَرَدُ على ذلك ما قد خُتِمَ به الخبر السابق من قول القائل : فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذلك مما حكم عليه أهل الشأن من أرباب الرواية أنه مدرج من كلام بعض الرواة ، لا سيما والراوي وهو أبو هريرة ، رضي الله عنه ، كان يأمر الناس بقراءة الفاتحة أبدا ، فمذهبه يخالف عن ذلك ، فلا وجه لقول القائل إن أبا هريرة قد خالف بِفِعْلِهِ قَوْلَهُ فالعبرة بقوله ، فَلَيْسَ ذلك من قوله ابتداء ليكون لهذا الوجه من الترجيح اعتبار ، فكل أولئك مما يرجح حملان "أل" في "القرآن" على العهد الأخص وهو قرآن الفاتحة في الصلاة الجهرية ، وثم من أطلق فأوجب الاستماع والإنصات أبدا ، فإذا قرئ القرآن في الصلاة أو خارجها فاستمعوا له وأنصتوا ، وثم من خص ذلك بما جلس له المستمع الذي يَتَقَصَّدُ لا السامع الذي يصدق في كُلِّ أحدٍ يسمع ولو لم يَتَقَصَّدِ الاستماع ، فكان من التكليف ما حُدَّ حَدَّ الأمر "فَاسْتَمِعُوا" فهو ، بادي الرأي ، مَئِنَّةٌ من الإيجاب ، وزيادة المبنى حروفَ الطلب مما يُرَجِّحُ دلالة الإيجاب ، على التفصيل آنف الذكر ، وثم إطناب بالعطف أن "أنصتوا" ، فاستمعوا ولا تَتَكَلَّمُوا فمن تمام الإنصات ألا يتكلم المستمع ومخاطبِه يَتَكَلَّمُ ، فذلك من عطف التلازم الذي يَسْتَغْرِقُ وجوه المعنى ، ولا يخلو من دلالة احتراز فقد يَسْمَعُ ولكنه يَتَكَلَّمُ فَوَجَبَ أَنْ يُنْصِتَ ويسكت وذلك ، كما تقدم ، مما يكون في غير الفاتحة فَلَا بُدَّ أن يَأْتِيَ بِهَا ولو لَمْ يُنْصِتْ إلى قرآن الإمام فِيمَا زَادَ عن الفاتحة ، وثم إيجاز بالحذف ، حذف المتأخر لدلالة المتقدم المذكور فجنس المتعلق المحذوف من جنس نظيره المذكور الذي تَقَدَّمَ على تقدير : فاستمعوا له وأنصتوا له ، أيا كان القارئ ، فقد حُذِفَ الفاعل صدر الكلام في "قُرِئَ" مئنة من العموم المستغرق ، وبعد التكليف بالأمر حسن الختام بالوعد على حد التعليل في قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فلا تخلو "لعل" أن تجري مجرى النيابة عن اللام لا التعليل على تقدير : لترحموا ، فضلا عن دلالة الرجاء فذلك ما يرجو الله ، جل وعلا ، لعباده الصالحين رجاء الغني الحميد الذي لا يفتقر ، بداهة ، إلى قراءة قارئ ولا استماع مستمع ولا إنصات منصت ، وقد حُدَّ العامل "تُرْحَمُونَ" حَدَّ المضارع استحضارا للصورة ، كما تقدم مرارا ، واستقبالا فذلك مما يكون تأويله يوم الحساب والجزاء ، وقد يقال إن ثم من جملة الرحمات ما يُعَجَّلُ في هذه الدار بُشْرَى المؤمن الصادق ، وقد حُذِفَ الفاعل في هذا الموضع ، أيضا ، للعلم به ، بداهة ، فالراحم هو الله ، جل وعلا ، فهو الرحمن وذلك ما لا يصح إطلاقه إلا في حقه رحمةً عامة قد اسْتَغْرَقَتِ الخلقَ جميعا ، وهو الرحيم فذلك عهد خاص رحمةً خاصة بالمؤمنين ، وإلا فالبشر يصح إطلاق لقب الرحمة في وصفهم ، كما في الخبر المشهور : "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ" ، فكان الجزاء من جنس العمل وهو ما حَسُنَ معه الجناس بين "الراحمون" و "يرحمهم" اشتقاقا من مادة "رحم" ، ولا يخلو الإخبار عنهم بالمضارع أن يكون مَئِنَّةً من استحضار للصورة فذلك آكد في الوعد المرغِّب ، فضلا أنه مما يستقبل إن رحماتٍ في الدنيا أو نظائر لَهَا في الآخرة .
فثم عهد خاص يجاوز الرحمة المخلوقة إلى أخرى غير مخلوقة وهي رحمة الرب ، جل وعلا ، فهي من وصفه الذي يقوم بذاته ، وهي ، من وجه آخر ، مما تحدث آحاده في الخارج تَتْرَى فَتُنَاطُ بالمشيئة والحكمة ، وهي ، من وجه آخر في هذا الموضع ، هي رحمة الرحيم الأخص لا رحمة الرحمن الأعم التي يدخل فيها كل أحد آمن أو كفر ، فالاستماع للقرآن لا يكون إلا من مُؤْمِنٍ خلاف السماع الذي يَعْرِضُ فهو مما يحصل للمؤمن وللكافر وإنما اختص المؤمن بقدر زائد أنه يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ فَثَمَّ تَقَصُّدٌ للفعل على حَدِّ الرضى والقبول والإذعان والانقياد الذي يجاوز حد الاستماع إلى الامتثال فهو تصديق الدعوى أنه مستمِعٌ مُعَظِّمٌ ، مؤمن مُنْقَادٌ قَدْ رَضِيَ الوحي مرجعا ودليلا في كل دقيق وجليل من الأخبار فَوَاجِبُهَا التصديق ، والأحكام فَوَاجِبُهَا الامتثال ، ولا يخلو إطلاق العامل "تُرْحَمُونَ" من استغراق لوجوه المعنى ، فهو يستغرق الرحمة بالرحمة غير المخلوقة وصف الله ، جل وعلا ، ونظيرتها بالرحمة المخلوقة وهي الجنة ، فـ : "قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي" ، فذلك قول في الغيب لا يثبت بداهة إلا بالنقل الصحيح فهو من مواضع التوقيف ، وثم في السياق جمل مؤكدات فثم القصر وَأَدَاتُهُ "إِنَّمَا" مئنة من التوكيد والحصر ، وثم تعريف الجزأين "أنت" و "رحمتي" ، وثم إضافة في "رحمتي" تجري ، كما تقدم ، مجرى إضافىة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، ولا تخلو من دلالة التعظيم بِنِسْبَتِهَا إلى خالقها ، جل وعلا ، فَعِظَمُ رَحْمَتِهَا مِنْ عِظَمِ خالقها ، تبارك وتعالى ، وبعده كان الإطناب في الخبر على حد القياس في اللسان إذ اجتمع خبران مفرد وجملة والقياس أن يقدم المفرد كما في هذا الموضع ، فَقُدِّمَ الإخبار بالمفرد "رحمتي" ثم كان الإخبار بالمضارع : "أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي" فهو وصف فعل من هذا الوجه يناط بالمشيئة استقبالا ، وثم عموم للمرحوم فتلك دلال الموصول "مَنْ" ، ولا تخلو المشيئة التي أُطْلِقَتْ في هذا الخبر ، لا تخلو من حكمة فلا يرحم الله ، جل وعلا ، إلا من استحق الرحمة من العباد المؤمنين فإضافتهم إلى ياء المتكلم ضمير الرب ، جل وعلا ، في هذا الموضع ، إضافتهم من هذا الوجه تجري ، أيضا ، مجرى التعظيم ، فهو العباد العابدون اختيارا عبادة التصديق والامتثال ، ولا تخلو الباء في "بِكِ" أن تجري مجرى السببية ، من وجه ، فالجنة سبب الرحمة ، إذ بِسَبَبِ ما فيها من وجوه النعيم تكون الرحمة بالداخلين ، ولا تخلو من دلالة الآلية والمصاحبة فهي آلة بها تكون النعمة التي تصاحب الْمُتَنَعِّمَ فلا تفارقه أبدا ، فذلك وصف الخلد الذي امتن به الله ، جل وعلا ، على من آمن واتقى ، ذكرا أو أنثى فلا يخلو ذكر العباد من هذا الوجه ، لا يخلو ، أيضا ، من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف فَاسْتَغْرَقَ العابدين والعابدات جميعا .
فكل أولئك مما يرفد المعنى وذلك آكد في تقرير الوعد حضا على امتثال الأمر ، ولا يخلو اللفظ "ترحمون" من دلالة العموم المستغرِق لكلِّ مكلفٍ بقرينة التغليب فهو يجاوز ما وضعت له الواو : واو الجمع المذكر ، فيستغرق جمع الإناث ، وكل من يصح تكليفه ، لقرينة العموم في خطاب التكليف .

والله أعلى وأعلم .