ومن قوله تعالى : (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) ، فذلك من العطف بالفاء مئنة من الفور والتعقيب بعد أَمْرٍ آخر تَقَدَّمَ لا يخلو من دلالة التحدي المعجز في قول الرب المهيمن جل وعلا : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) ، فكان من الاستفهام المنكِر المبطِل فَلَيْسَ ثَمَّ شُرَكَاُء يُضَاهُونَ الله ، جل وعلا ، ولا يخلو تقديم الظرف "لَهُمْ" من حَصْرٍ وَتَوْكِيدٍ ، فَكَانَ من الاستفهام ما يُنْكِرُ وَيُبْطِلُ ولا يخلو من دلالة التحدي ، فَحَسُنَ العطف بالفاء مَئِنَّةً مِنْ فَوْرٍ وَتَعْقِيبٍ بالأمر أَنْ : (لْيَأْتُوا) ، فَهُوَ مَا ضُمِّنَ ، أيضا ، معنى التحدي ، فَرُفِدَ التحدي بآخر ، فَلَيْسَ لهم شركاء ، وهو ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ شركاءَ العبادة وشركاءَ التشريع والحكم وشركاءَ النفع والضر وشركاء التأثير في الخلق والرزق والتدبير ، فإن فُرِضَ أَنَّ لهم شركاء فَلْيَأْتُوا بهم إن كانوا صدقين ، فلا يخلو السياق من تحد ثالث بالشرط الذي يجري مجرى الإلهاب والتهييج ، فضلا عن زيادة الكينونة الماضية في قوله تعالى : (إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) مَئِنَّةً من دَيْمُومَةٍ وَاسْتِمْرَارٍ ، فذلك آكد في تقرير المعنى وَتَوْكِيدِهِ من القول في غير التنزيل الخاتم : فَلْيَأْتُوا بشركائهم إن صدقوا ، وثم إيجاز بالحذف إذ حُذِفَ جواب الشرط فقد دل المذكور المتقدم عليه ، فالمحذوف المتأخر من جنسه على تقدير : إن كانوا صادقين فَلْيَأْتُوا بشركائهم ، وذلك جار على المشهور المطرِّد من لسان العرب أن يدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر ، وبعده كان التقييد بالظرف : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) ، فذلك ظرف التحدي ، ولا تخلو المضارعة في "يُكْشَفُ" أن تَدُلَّ على استقبال لَمَّا يَأْتِ تأويله بعد ، فالمضارعة ، ابتداء ، مَئِنَّةٌ مِنْ حَالٍ تَارَةً واستقبال أخرى ، فهي من هذا الوجه كالمشترك اللفظي الذي يدل على أكثر من معنى ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم فأيهما يريد ؟! ، فكان من القرينة في هذا الموضع ما يرشح دلالة الاستقبال ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ثم وجها للحالية استحضارا للصورة فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا يخلو السياق من حذف آخر وهو حذف الفاعل فالكاشفُ هو الله ، جل وعلا ، فذلك مِنْ وَصْفِ فِعْلِهِ الذي يُنَاطُ بالمشيئة فَإِذَا أراد ، جل وعلا ، الكشف كَشَفَ ، وهو ما احتمل ، أيضا ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ على استعارة في لسان العرب فهو كناية عن الشدة والحرج ، كما في قول القائل : كشفت الحرب عن ساقها إذا اشتدت ، وإما أَنْ يُحْمَلَ على وصفِ ذات خبري وهو وصف الساق ، فقد أضيف إلى ضمير الغائب في موضع آخر من الوحي ، وهو قول حديث أبي سعيد ، رضي الله عنه ، مرفوعا وفيه : "يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ" ، فتلك ساق الله ، جل وعلا ، والقول فِيهَا كالقول في اليد والقدم وسائر الصفات الذاتية الخبرية ، فَثَمَّ أصل يطرد في هذا الباب عموما ، باب الإلهيات ، وباب الصفات الخبرية خصوصا ، فإثبات بلا تمثيل وَتَنْزِيهٌ بلا تعطيل ، ومن أثبت لا سيما في الصفات الخبرية التي لا تثبت إلا بالسمع ، فالعقل ابتداء يجوزها فلا يُثْبِتُهَا ولا يَنْفِيهَا ، فَتَجْرِي ، من وجه ، مجرى الجائز في العقل ، فهو ما احتمل على حد التساوي فلا بد من مرجح من خارجٍ يُثْبِتُ أو يَنْفِي ، وإلا وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي الباب فلا نَفْيَ ولا إثبات ، ومن أثبت في هذا الباب فإثباته يَقْتَصِرُ على المعنى دون الخوض في الماهية أو الكيف فذلك ما استأثر الله ، جل وعلا ، بِعِلْمِهِ ، وذلك أصل يُزَيِّفُ شبهات التعطيل أو التأويل بذريعة الفرار من التشبيه ، وما كان ذلك إلا وقد وَقَعُوا في التشبيه ابتداء ، وهو باطل فَرَامُوا نَفْيَهُ وقد أصابوا ولكنهم غَلَوا وَزَادُوا فَجَاوَزُوا حَدَّ العدل فَنَفَوا الحق وهو أصل المعنى ، فكان التعطيل أو التأويل في مقابل التكييف أو التمثيل ، والحق وسط بَيْنَهُمَا : إثباتًا بلا تمثيل وَتَنْزِيهًا بلا تعطيل وذلك أصل يطرد في جميع مسائل الباب ، فَثَمَّ معنى صحيح على حد الكناية لا سيما والساق في هذا الموضع لم تضف ، وثم آخر صحيح إذ يحمل الإطلاق في هذا السياق على التقييد بالإضافة في آخر في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ" ، وكلاهما يصح فَلَا حائل يمنع دون الجمع بينهما فهو ، من وجه ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم فِي اللفظ المشترك ، فَيُكْشَفُ عَنِ الساق ، و : (يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) ، فذلك من التكليف يوم الحشر وهو خلاف الأصل ، إذ الأصل في الدار الآخرة أنها دار الحساب والجزاء فلا عمل ، فلا يكون ثَمَّ من التكليف إلا مواضع تجري مجرى الاستثناء فلا تثبت إلا بدليل ، وهي ، لو تدبر الناظر ، مما يثبت الأصل ولا يَنْفِيهِ ، وكذلك الشأن في تكليف أهل الفترة أن يدخلوا النَّارَ ، فكان من الأمر أن اسجدوا ، فذلك أمر تكليف ولا يخلو ، من وجه ، أن يكون أَمْرَ فَضْحٍ وإهانة ، إذ به يَمْتَازُ الصادق من الكاذب ، والمؤمن من المنافق ، فَكَانَ مِنَ الأمر مَا أُرْدِفَ بالعاقبة إذ : (لَا يَسْتَطِيعُونَ) ، فَنَفَى الاستطاعةَ نَفْيًا قَدْ استغرق إذ أطلق العامل ، فَالنَّفْيُ قَدْ تَسَلَّطَ عَلَى المصدر الكامن فِيهِ ، فلا يستطيعونَ أَيَّ استطاعةٍ ، وَثَمَّ إطنابٌ بالحالِ فِي قوله تعالى : (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) ، إذ تُقَيِّدُ فَتَزِيدُ في الوصف فلا يستطيعون السجود مع خشوع البصر وغشيان الذلة ، فَثَمَّ تلازم بين العجز وخشوع البصر والذلة ، فالعجز يزيد العاجز ذلا وصغارا فَيَخْشَعُ بصره ولا يَرْتَفِعُ ، فاجتمع في حقهم عجز الحس ومعنى الإهانة فَضْلًا عَنْ عذابٍ آخر يستغرق ، فعذاب الحس إيلاما وعذاب المعنى إِهَانَةً وَتَقْرِيعًا ، وكان من الختام ما به الاحتراز فلا عذر ، فـ : (قَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) ، فَقَدْ دُعُوا إلى السجود وهم سالمون في دار الابتلاء فكان من الجزاء من جنس العمل أَنْ دُعُوا إلى السجود بعد كشف الساق يوم الحشر فلم يُطِيقُوا ، ولا يخلو السياق من إطناب آخر بالكينونة الماضية فذلك ، كما تقدم ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده من القول في غير التنزيل : وقد دعوا إلى السجود وهم سالمون ، فلم تكن دعوتهم مَرَّةً بل تكررت فكان من الديمومة والاستمرار ما دلت عليه الكينونة الماضية ، وَثَمَّ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا ، ثَمَّ دلالة تغليب فالمعنى بَدَاهَةً يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مُكَلَّفٍ دُعِيَ إلى السجود في الدنيا فَأَبَى ذَكَرًا أو أُنْثَى ، وبعده كان أَمْرٌ آخر يجري مجرى التهديد أَنْ : (ذَرْنِي) ، وَثَمَّ عَطْفٌ بالوصل "مَنْ" في قوله تعالى : (وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) ، وهو مئنة من عموم يستغرق ، من وَجْهٍ ، ولا يخلو من إجمال عُقِّبَ بِالْبَيَانِ ، فمناط التهديد هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو التكذيب بهذا الحديث ، وَقَدْ حُدَّ ، أَيْضًا ، حَدَّ المضارعة وهي ، كَمَا تَقَدَّمَ ، مئنة من ديمومة واستمرار ، وَذَلِكَ آكد في تسجيل الجناية ، ولا يخلو التقييد بالحديث أن يجري مجرى العهد الخاص في "أل" فهي مئنة من حديث الوحي الذي ينصرف ، بادي الرأي ، إلى الجنس المتواتر ، ولا يخلو أن يستغرق الآحاد ، فالجميع داخل في حد الوحي ، والإشارة إشارةَ القريب في "هَذَا" مَئِنَّةُ مِنْ يُسْرِ التَّنَاوُلِ وسهولة التداول لفظا ومعنى وهو ما بِهِ انقطاع الحجة ، ولا يخلو اسم الحديث وهو فَعِيلٌ من مفعول فهو محدَث لا أنه مخلوقٌ الخلق المتبادر وإنما الحدوث حدوث آحاده تَنَزُّلًا فهو ، من هذا الوجه ، وصف فعل يُنَاطُ بالمشيئة ، فنوعه قديم إذ المعنى قد قام بذات الله ، جل وعلا ، قيام الأول المطلق فهو من العلم الإلهي المحكم ، والعلم قديم قِدَمَ الذاتِ قَدْ قَامَ بها قيام الوصف بالموصوف على وجه يليق بذات المعبود ، جَلَّ وَعَلَا ، وَهُوَ مَا عَمَّ فَاسْتَغْرَقَ الْكُلِّيَاتِ والجزئيات ، إِنِ الشرعية أو الكونية ، فكان منه أول في الأزل فهو يدخل في حد القدم ، القدم المطلق فلا قديم يَتَقَّدَمُ الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فَذَلِكَ من وصف الذات معنى يلازم الموصوف فلا يفارقه فلم يكن الله ، جل وعلا ، وليس ثم علم بل هو الأول بالذات والوصف ومنه وصف المعنى كالعلم المحيط ، إن الكوني أو الشرعي ، ومنه وصف الخبر كاليد والقدم والساق ، على التفصيل آنف الذكر ، ومنه وصف الفعل الذي يُنَاطُ بالمشيئة فَلَئِنْ حَدَثَتْ آحاده إذ أنيطت بالإرادة ، فإن أراد الله ، جل وعلا ، أَنْ يحدث منها آحادا أحدث على الوجه الذي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَلَئِنْ حدثت آحاده فهي مِمَّا يَتَجَدَّدُ ، فَنَوْعُهُ قديم قِدَمَ الذات ، فالقرآن حديث فهو محدَث بالنظر في آحاده المنزلة نجما بعد آخر سواء أكان ذلك على سبب أَمِ اسْتِئْنَافًا ، وكذا الحال في آحاد السنة ، سنة القول والعمل والتقرير ، متواترةً وهي الأقل وآحادًا وهي الأكثر ، فمنها أيضا ما ورد على سبب وَمِنْهَا ما كان استئنافا فكل أولئك مما يناط بالمشيئة ، فالنوع ، نوع الوحي قديم ، والآحاد مِنْهُ حادثةٌ قُرْآنًا أو سُنَّةً ، فهو ، كما تقدم حديث محدَث بالنظر في آحاد الوحي المنزل ، وهو قديم أول بالنظر في النوع ، وذلك أصل يستصحب في جميع الأوصاف الفعلية التي تناط بالمشيئة الربانية ، فذلك حديث الشرع وهو ، كما تقدم ، من العلم الأول المحيط ، فَثَمَّ آخر وهو حديث الكون ، وكلاهما قد سطر في لوح التقدير المحفوظ ، فَفِيهِ قد جُمِعَتِ المقادير الكونية ونظائرها الشرعية ، فالحديث منه حديث وحي يَتَنَزَّلُ بالأمر والنهي ، وحديث كون يَتَنَزَّلُ بالخلق والرزق والتدبير ، ولا يخلو التكذيب في هذا السياق من احتمال يتكرر في سائر ألقاب المدح والذم ، فهو يحتمل التكذيب الأكبر الناقض لأصل الدين الأول ، ويحتمل نظيره الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم ، فلا يخلو السياق في هذا الموضع أن يرجح الأصل فهو يستصحب المعنى المطلق المستغرق لوجوه المعنى وذلك الجنس الأكبر حتى يَرِدَ دليل ناقل إلى الجنس الأصغر ، فالأصل يستصحب ابتداء فكيف والسياق قد رَفَدَهُ فهو سياقُ قرآنٍ مكي يَنْصَرِفُ خطابه ابتداء إلى الجنس الكافر ، فضلا عن الذم بوصف النقص إذ لا يسجدون بين يدي الله ، جل وعلا ، مع وصف الخشوع والذلة ، ودلالة التحدي والتهديد في قوله تعالى : (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) ، فكل أولئك مما يرجح دلالة التكذيب الأكبر ، وَبَعْدَهُ كان الإطناب في التهديد بالاستدراج أَنْ : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) ، وهو مئنة من حصول المعنى شيئا فآخر ، فلا يكون دفعة وإنما يكون المكر الإلهي العادل أن يمد لهم فيستدرجهم فيكون من الخداع ما يحمد إذ يظنون سببَ الهلكةِ سببَ نجاة ، ويظنون الفتنة بالدنيا فتحا ، ويظنون زخرف الدنيا وَزِينَتَهَا ثوابا وفضلا ، فكان من كمال المكر الذي يُحْمَدُ في حق الرب ، جل وعلا ، فهو العليم الحكيم الذي يَضَعُ الشيء في موضعه ، فمكره بالماكرين اللئام خير ، وذلك ، أيضا ، من وصف الفعل إذ يُحْدِثُ ، جل وعلا ، من آحاد الاستدراج حالا بعد أخرى فإن كان استدراجا بِنِعْمَةٍ فهو يفتح منها شيئا فآخر فَبَعْضُهُ يَتْلُو بَعْضًا فَيُفْتَنُ صاحب الملك والرياسة وصاحب المال والرياشة بما يكون من فتح وزيادة فهي ، لو تدبر ، عين الضيق والنقص ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَ) ، فالمعيشة ضنك في الحقيقة وإن كانت رغدا في الصورة فلا ينفك العاقل ينظر بعين الفطنة فَيَرَى ما لا يَرَى صاحب البطنة فهو نَهِمٌ يطلب اللذة ، جَشِعٌ يطلب الزيادة فلا يشبع أبدا ، لا حسا ولا معنى ، فصاحب الفطنة لا تخطئ عينه ذلة العاصي وضنك معاشه وإن كانت صورته في الظاهر صورة الكمال وَالرَّفَاهِ ، فكان من الاستدراج ما يحصل شَيْئًا فَشَيْئًا بِفَتْحٍ في الدنيا ، فذلك كالمكر والخداع فكلها من أوصاف الأفعال التي تُنَاطُ بالمشيئة ، فتحصل شيئا بعد آخر بإرادة التكوين النافذ ، فإذا أراد الله ، جل وعلا ، إيقاع شيء منه أوقعه بالمشيئة النافذة ، فنوع الوصف قديم إذ هو من الحكمة بمكان ، فإن المكر بالماكر والخداع للمخادع والاستدراج للظالم ، كل أولئك ما لا يكون بداهة إلا بعلم وحكمة ، فيعلم من بواطنهم ويعلم من أحوالهم ما لا يعلمه من اغْتَرَّ بمقالهم وتوقف عند صورهم فلم ينفذ بالبصيرة إلى عين الحقيقة فلا يبلغها إلا من عَظَّمَ الوحي والشريعة ، فكان من العلم والحكمة أن وضع المكر والخداع والاستدراج في المحال التي تلائم ، فكان من إحداث الفعل بأهل الغواية والشر ما يَتَكَرَّرُ ، فهو بالمشيئة يَتَعَلَّقُ وإن قَدُمَ نوعه قِدَمَ الذاتِ كسائر مسائل الباب ، باب الأوصاف الفعلية ، ومنها الاستدراج محل الشاهد ، فمادته في نفسها مئنة من الحصول شيئا بعد آخر ، فدرجة بعد أخرى ، فَضْلًا عن دلالة الألف والسين والتَّاءِ في قوله تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) ، فَهِيَ مَئِنَّةٌ مِنْ تَكَلُّفِ الفعل فلا يخلو من تكرار شَيْئًا بَعْدَ آخر ، ولا تخلو السين من تعجل وهو آكد في المساءة في هذا الموضع ، موضع الوعيد ، وثم زيادة مكر إذ ابتداء الغاية ، غاية الاستدراج من : (حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك ظرف قد قُيِّدَ بجهة لا تعلم ، وبعده كانت الزيادة إملاء بعد استدراج ، فـ : (أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) ، وهو ما أُرْدِفَ بالعلة على حد الاستئناف على تَقْدِيرِ سؤالٍ قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة الإملاء ؟! ، فكان الجواب لأن كيدي متين ، فذلك ، أيضا ، من وصف رب العالمين ، جل وعلا ، وصف الفعل الذي يُنَاطُ بالمشيئة ، ولا يخلو من قيد الاحتراز كما المكر والخداع والاستدراج فكلها بأهل الشر والغواية خير وهو ما يصح إطلاقه في وصف الرب جل وعلا .

والله أعلى وأعلم .