مما تقرر بَدَاهَةً فِي النَّقْلِ الصحيح والعقل الصريح ما تَوَاتَرَ من دلالة التلازم بين الإيمان بالحق والكفران بالباطل ، وضده الإيمان بالباطل والكفران بالحق ، كما في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، فكان من الابتداء بالموصول "الذين" ما أُجْمِلَ ، فَثَمَّ تَشَوُّفٌ وَتَشَوُّقٌ ، فلا زال الموصول يَفْتَقِرُ إلى البيان ، فكان من البيان ما رُفِدَ ثانيا جريا على قانون اللسان المحكم إذ الصلة تَلِي الموصول فِي تَرْتِيبِ الكلام المفهِم ، وذكرها يُبَيِّنُ ، فلا يكون البيان المزيل للإجمال إلا بها إلا في مواضع يكون الإبهام فيها قصدا فهو يفيد ما لا يفيد الإفصاح ، فَالْبَيَانُ في أحوال يكون في عدم الْبَيَانِ إذ يذهب الذهن في المبهَم كلَّ مذهب وذلك يفيد من التهويل ما لا يفيده الإفصاح ، كما يقال في نظرية السلطة المعاصرة فإنها لا بد أن تحتفظ بجزء غيبي لا يطلع عليه الفرد فيكون أبدا في حال تَرَقُّبٍ وخوف ! ، خوفٍ من العقاب ، فذلك آكد في الزجر من إيقاع العقاب المباشر إذ يعلم الفرد الغايةَ فإذا علمها وأطاقها فما يحول بينه وبين المعاودة والتكرار فقد أَمِنَ العقاب وإن لاقاه في كل مرة ، إذ استمرأه واعتاده فَوَطَّنَ نفسه على التحمل أو هو ابتداء يَتَحَمَّلُ أو العقاب يسير غير مجزئ في حصول الزجر ، وكذا يقول أرباب التربية في فنون التَّنْشِئَةِ لِلصِّبْيَةِ ، فَلَا تُعْلِمِ ابنك غاية ما به تُعَاقِبْ فإنه إن عَلِمَ فقد ذهبت هَيْبَةُ العقاب من قَلْبِهِ ، فالسكوت في أحيان يَزْجُرُ ما لا يَزْجُرُ القول ، فيكون الإبهام خيرا من الإفصاح إذ يذهب الذهن ، كما تقدم ، يذهب في حد العقاب كل مذهب ، فَيَخَافُ وَيَنْزَجِرُ إذ لا يعلم الغاية ، كما في قوله تعالى : (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) ، وقوله تعالى : (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) ، فلم يذكر الغاية بل أبهم الصلة والأصل فيها أنها مناط بَيَانٍ ، فكيف يكون البيان بمجمل يفتقر هو الآخر إلى بيان فيكون التسلسل إذ كل مُبَيِّنٍ يفتقر إلى آخر ؟! ، فالجواب أن الإجمال في موضع الوعيد الزاجر هو عين البيان الناجز الذي يفيد ما لا يفيد الإيضاح ، فكان من الموصول في الآية محل الشاهد : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، كان منه ما أُجْمِلَ صدرَ الكلام ، وَحُدَّ حَدَّ الجمع "الذين" مئنة من العموم وإن حصل بالمفرد ، فَإنَّ الموصولَ مطلقا : نَصٌّ في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، ولا يخلو ، كما تقدم مرارا ، من دلالة تغليب تجاوز حد اللفظ فالمعنى أعم إذ يستغرق المؤنث كما المذكر ، ولا يخلو من التشويق ، فمناط التعليل هو الصلة ، إذ تُشْعِرُ بادي الرأي بمدح أو ذم ، فهي في هذا السياق تشعر بالذم ، فالإيمان مطلقا يَنْصَرِفُ إلى الجنس المحمود الإيمان بالحق وأشرفه ما كان من عند الرب فمادته الوحي المحكم ، فذلك ما انصرف إليه الذهن إذ طَرَقَهُ عنوان الإيمان في الآية ، فكان من التقييد بالباطل ما صرفه إلى ضده ، فذلك معنى يذم لا سيما وقد استغرق بدلالة "أل" فلا تخلو من دلالة بَيَانٍ لجنس المدخول وهو ما بطل وإطلاقه يستغرق باطل العقد والقول والعمل ، باطل الباطن ونظيره في الظاهر ، باطل التصور وما يَنْشَأُ عنه من باطل الحكم ...... إلخ ، وأقبحه ما كان باطلا يناجز الحق المحكم ، حق الرسالة المنزَّل ، فانتحاله يستلزم تعطيل ما يضاهيه من ضده ، فَيُعَطَّلُ مِنَ الحق بقدر ما يُنْتَحَلُ مِنَ الباطل ، فَثَمَّ تلازم أبان عنه السياق إذ عطف الكفر بالله ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (وَكَفَرُوا بِاللَّهِ) ، وهو ما يصرف الباطل في هذا الموضع إلى الباطل الأكبر الناقض لأصل الدين ، فمقابله في السياق الكفر بالله ، جل وعلا ، وذلك ما ينصرف بداهة إلى الكفر الأكبر ، ولا يخلو الإطناب به من مقابلة بين شطرين على حد التلازم ، فضلا عن طباق إيجاب بَيْنَ الألفاظ : الإيمان والكفر ، فذلك طباق تام ، والباطل والله ، جل وعلا ، فذلك طباق ناقص أو هو من طباق اللازم فَكُلُّ مَا خَلَا الله ، جل وعلا ، باطل ، أو هو مما يجري مجرى المثال لعام ، فإن ضد الباطل في قياس اللفظ ، ضده هو الحق ، وذلك جنس مطلق أعم ، أشرف آحاده وأعظمها هو الله ، جل وعلا ، بل هو معدن كل حق في الكون والشرع ، فأنزل الحق ، فـ : (يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ، فتلك الرؤية العلمية التي تَتَعَدَّى إلى مَعْمُولَيْنِ اثنين ، فهي رؤية تجاوز رؤية العيان فأشرف منها رؤية الجنان ، وهو ما أُنِيطَ باسم العلم إيتاء ، فذلك أعظم العطاء من رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، ولا يخلو من إيجاز الحذف إذ قد حُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، فهو الرب المؤتي المعطي ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فذلك من وصف فعله الذي يَتَجَدَّدُ فلا يَزَالُ يُؤْتِي من اصطفى ، يُؤْتِيهِ العلمَ ، فذلك أعظم الاصطفاء الذي يجاوز ، بداهة ، حَدَّ التصور والتلقين فَثَمَّ الحكم والتأويل ، تأويل ما تَعَلَّمَ من خبرٍ أن يُصَدَّقَ ، وَمَا تَعَلَّمَ مِنْ حكم أن يمتثل ، فيكون من اسم الإيمان ما يَنْفَعُ فَتِلْكَ ثمرة العلم لا أن يكون ثم صورة في الذهن هي مبدأ العمل ، إذ الحكم فرع عن التصور فلا تخلو من شَرَفِ وصفٍ وَعِظَمِ قَدْرٍ فَلَوْلَاهَا ما كان السداد في القول والعمل ، فلا بد من تصحيح المحل الأول اعتقادا وتصورا ، ولكن ذلك لا يجزئ بداهة في حصول المدح الكامل والمآل الآمن إلا أن يُشْفَعَ بقسيمه في حَدِّ الدين المجزئ : العمل ، فالإيمان قول وعمل ، أو هو الاعتقاد والقول والعمل فلا بد أن يشفع الباطن تصورا بقسيمه من الظاهر قولا وعملا هو ، من وجه آخر ، اللازم المصدِّق ، فلا يَنْفَعُ التصور المجرد إذ ليس باعثا للإرادة التي منها ينشأ القول والعمل في الخارج على وجه يستغرق ، لو تدبر الناظر ، سائر حركات الاختيار للأفراد والجماعات ، فكان من العلم ما أنيطت به الرؤية العلمية النافعة ، فَيَرَى من أوتي العلم ، ولا تخلو دلالة "أل" في "العلم" أن تدل على عموم يستغرق ، فذلك عموم المعنى الذي تدخل فيه وجوه العلم جَمِيعًا ، فمن أوتي منه حظا كان له من رؤية السداد أن يجزم في الحكم ، فـ : (يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ، فكان من الإجمال ثانٍ في الموصول المفرد "الذي" ، ولا يخلو من دلالة التعليل إذ أنيط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الْإِنْزَالُ من الله ، جل وعلا ، فذلك إِنْزَالُ الوحيِ المحكم فهو الحق القاطع ، فكان من التَّوْكِيدِ جُمَلٌ قياسية تَزِيدُ فِي الدلالة الْبَيَانِيَّةِ ، فَثَمَّ تعريف الجزأين "الَّذِي أُنْزِلَ" و "الحق" مئنة من القصر وَهُوَ مِنْ قَصْرِ المبالغةِ إِمْعَانًا فِي تَقْرِيرِ المعنى وَتَوْكِيدِهِ ، وثم التوكيد بالضمير "هو" ، وثم اسمية الجملة فإن عامل الرؤية العلمية يدخل على الجملة الاسمية فلا يدخل إلا على ما كان أصله المبتدأ والخبر وهما ركنا الجملة الاسمية ، ولا تخلو دلالة "أل" في "الحق" في هذا الموضع أن تحكي استغراقا لوجوه المعنى ، فضلا عن دلالة عهد خاص قد دل عليه السياق فذلك حق التنزيل المحكم من الرب المهيمِن ، جل وعلا ، فهو الحق النازل من الحق ، فالله ، جل وعلا ، هو الحق ، فيدخل في حد الاسم فهو أشرف آحاده فلا يُضَاهِيهِ حق سواه بل هو ، كما تَقَدَّمَ ، مرجع كل حق في الوجود ، في الكون تقديرا وإيجادا وإعدادا وإمدادا وتدبيرا ، وفي الشرع عِلْمًا وَتَنْزِيلًا ، خبرا وتشريعا قد استغرق جميع المحال الباطنة والظاهرة ، فما نَزَلَ من الوحي فهو حق في نفسه ، وهو هَادٍ فَتِلْكَ دلالته إذ يَتَعَدَّى ، فـ : (يَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ، فكان من المضارعة في "يَهْدِي" ما به استحضار الصورة ، ولا يخلو من دلالة السببية ، فالوحي سبب في حصول الهداية ، هداية البيان والإرشاد ، ولكن ذلك لا يحصل صورة علمٍ يَنْفَعُ أو آخر به تُقَامُ الحجة الرسالية ، ولكنه لا يحصل إلا أن يَشَاءَ الرَّبُّ المهيمِن ، جل وعلا ، فَيَخْلُقُ في الجنان صورةَ علمٍ صحيح سواء أَجُرِّدَ فَكَانَ عِرْفَانًا به قيام الحجة على المنكر الجاحد أم اقْتَرَنَ بالرضى والقبول وأمارات التصديق التي تجاوز حد العرفان المحض ، فلا تحصل الصورة العلمية النافعة بَيَانًا وَإِرْشَادًا إلا أن يشاء الله ، جل وعلا ، فَضْلًا عما يجاوز من هداية التوفيق والإلهام أن يَقْبَلَ المحل آثارَ الحق وَيَتَأَوَّلَهَا فِي قول وعمل به عِمَارَةُ الجوارحِ في الخارج ، فتلك هداية أخص يَضَعُهَا الله ، جل وعلا ، حيث شاء ، على وجه يُوَاطِئُ قانون الحكمة إذ يضع الهداية النافعة في المحال الكاملة التي تقبل آثارها وتطيق أثمانها فهي السلعة الغالية فلا تُشْتَرَى إلا بالنفائس ، فدونها الدماء والأموال وسائر ما يعظم ويشرف ، فالوحي هو الذي يَجْرِي سَبَبًا ، والله ، جل وعلا ، هو الذي يُنْزِلُهُ ويجريه فهو المسبِّب ، والوحي المنزَّل ، من وجه آخر ، هو من وصف الرب العزيز الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فهدايته للناس هي هداية الله ، جل وعلا ، لهم فلا تعارض إذ الوصف في ماهية الموصوف يدخل ، فهداية الله ، جل وعلا ، للناس بالعلم والحكمة ، فهو يهدي بكلامه المنزَّل الذي يُصَحِّحُ التصور وَيُرَشِّدُ الحكم ، وهو يهدي الناس جميعا فتلك هداية البيان والإرشاد ، وأما هداية التوفيق والإلهام فلا تكون إلا لمن اصطفى ، جل وعلا ، بالعلم والحكمة والمشيئة والقدرة ، فاصطفى بجمال الحكمة وجلال القدرة أن هَيَّأَ المحل لقبول آثار الحق ، وَيَسَّرَ لَهُ من أسبابه ما يُوَاطِئُ حاله فالطيب للطيب فضلا والخبيث للخبيث عدلا ، وَرَكَزَ فيه من قوى الانتفاع بالحق ما به تَأَوَّلَ الوارد فكان من الإرادة ما عَمَرَ الجنان ، وكان من لَوَازِمِهَا ما عَمَرَ الأركان بالقول الشاهد والعمل المصدِّق ، فتلك هداية أخص فلا يَنَالُهَا إلا الصفوة ، وهو يهدي ، من وجه ثالث ، إذ أطلق العامل ، يهدي في العلم والعمل ، فكلاهما يدخل في عموم الصراط الذي ختمت به الآية : (صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ، وهو ما أضيف على وجه لا يخلو من عموم آخر في الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فهو العزيز الذي استجمع أوصاف العزة فَحَصَلَ لَهُ من وجوه المعنى ما استغرق عزة القدر والشأن والقهر ، فَلَزِمَ فَهُوَ ذو القدر الرفيع في نفسه ، وَتَعَدَّى فهو القاهر لغيره وذلك مئنة من الجلال فَذَكَرَ منه المثال وهو العزة ، وهو الحميد الذي استجمع أوصاف الحمد فلا تخلو "أل" في هذا الوصف ، أيضا ، من دلالة العهد الخاص إذ لا يطلق الاسم محلى بها على حد العلمية إلا على رب البرية ، جل وعلا ، مع استصحاب الدلالة الوصفية المستغرقة لوجوه المعنى فذلك ما يرشح العهد الخاص في واحد إذ لا يكون ذلك إلا للرب الخالق ، جل وعلا ، وحده فليس ثم غيره من استجمع أوصاف الحمد التي حُدَّ اسمها حد "فعيل" فلا تخلو من دلالة المفعول فهو المحمود في ذاته ، ودلالة فاعل فهو الحامد لغيره بما يكون من صالح قوله وعمله ، فذلك ، من وجه ، مما يجري مجرى المجاز عند من يقول به في الوحي واللسان ، فذلك مجاز التعلق الاشتقاقي ، إذ ناب مشتق عن آخر ، فناب "فعيل" عن المفعول والفاعل جميعا إذ دلالته أظهر في الوصف فحده في اللسان حَدُّ المبالغة ، كما قرر أهل الصرف ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون شاهدا به يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، إذ دل "فعيل" على أكثر من معنى : فاعل ومفعول في نفس الآن على وجه لا تَعَارُضَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ إذ الجهة قد انفكت ، فجهة المفعول هو ذات الرب المعبود ، جل وعلا ، واسمه ووصفه وفعله وحكمه فهو المحمود أبدا على وجه قد استغرق وذلك ما أفاده إطلاق اللفظ ، فهو المحمود في ذاته واسمه ووصفه وفعله وحكمه ، وجهة الفاعل هي الله ، جل وعلا ، أيضا ، ولكن من وجه آخر فهو الحامد لغيره بما يكون من صالح قوله وعمله ، فكان من ذكر الحميد ما ناب عن جنس الجمال نِيَابَةَ المثالِ عن العام ، فلا يخصصه ، فكان من حسن الختام التمثيل بوصف العزة نائبا عن الجلال ، ووصف الحمد نائبا عن الجمال وبهما جميعا كان الثناء بالكمال على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فذلك صراطه الكامل الذي به صلاح العاجل والآجل ، وبه عمران المحال جميعا ما بطن عقدا وما ظهر قولا وعملا .

فأنزل الحق ، جل وعلا ، الحق من عنده ، فكان الاستفهام إذ ينكر ويوبخ في قول الرب المهيمن جل وعلا : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) ، فكان من الإضراب ما احتمل ، فهو إضراب إبطال لقولهم أنه مفترى ، فأطنب بضده على وجه يجري مجرى الطباق ولو بدلالة اللازم ، فلازم الافتراء أن الْمُفْتَرَى باطل فجاء بالمطابق وهو الحق على حَدِّ الإضراب إبطالا للأول وذلك آكد في تَقْرِيرِ المعنى وَتَوْكِيدِهِ ، ولا يخلو الإضراب ، من وجه آخر ، لا يخلو أن يكون إضراب انْتِقَالٍ إذ لم يُبْطِلِ المعنى الأول بالنظر في دلالة الإنكار والتوبيخ في الاستفهام ، فَوَبَّخَهُمْ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى بَيَانِ ما يدحض مقالتهم وهو ما حُدَّ حَدَّ القصر بتعريف الجزأين "هو" و "الحق" وذلك ما يحتمل المبالغة ، من وجه ، فليس هو الحق وحده بالنظر في أجناس أخرى من الحق ، فهو حق في الإخبار والإنشاء ، فذلك حق التشريع ، وليس وحده عين الحق ، بل ثم حق التكوين في الخلق والرزق والتدبير ، وثم حق من أقوال البشر كما أَقْوَالُ الرَّبِّ ، جل وعلا ، فَثَمَّ حق السنة التي نطق بها صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن كان ذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في الكتاب المنزَّلِ ، فكتاب التشريع منه الآي المتواتر المعجِزُ بِلَفْظِهِ ومعناه المتحدِّي بَنَظْمِهِ ، ومنه الأخبار وأكثرها من الآحاد فهي معجِزة بمعناها في الإخبار بِغَيْبٍ أو الحكم بِعَدْلٍ ، وهي مناط تحد أن يضاهيها غيرها من الشرائع المحدثة ، فَثَمَّ حق من أقوال البشر كما تقدم من قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقول من جاء بعده من الخلفاء المهديين ومن تَحَمَّلَ عنهم من كبار التابعين ومن خلفهم من الأئمة الأعلام وهو ما اتصل إسناده وإن كان في كلامِ كُلٍّ ما يُرَدُّ مما خالف فيه الحق ، فليس ككلام الله ، جل وعلا ، وكلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مناط البلاغ والبيان ، فما سواهما فلا يخلو من باطل وإن لم يستوجب ذم القائل فقد يخالف عن الحق سهوا به يعذر إذ له من سلامة القصد وتحري الحق ما به تَبْرَأُ الذمة من جناية الكذب أو الإنكار ، فَفِي كَلَامِ كُلٍّ من الحق ما يُقْبَلُ وكلما كان إلى مشكاة النبوة أَقْرَبَ وكان بها ألصق كان من الحق في كلامه ما يَكْثُرُ ، فكلُّ أولئك من الحق ، ولو تدبر الناظر ، أَقْوَالَ النَّاسِ وأحوالهم ولو لم يكونوا من أتباع الرسالات لَوَجَدَ أَنَّ الحق في كلامهم إنما يَرْجِعُ إلى فطرة أولى ولو آثارا وذلك ما جاءت النبوة تَرْفِدُهُ ، فجاءت تُكْمِلُهُ وَتُبَيِّنُهُ ، فَمَرَدُّ الحق جميعا ، لو تدبر الناظر ، إلى الله ، جل وعلا ، وما أَنْزَلَ من الوحي فهو مناط السعادة والنجاة ، وهو معدن الإرشاد والإلهام في الأقوال والأعمال ، فكان ابتداء الغاية في الآية ، فـ : (هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) ، كان مِنَ الرب ، جل وعلا ، فَحُدَّ اسمَ رُبُوبِيَّةٍ تَقْرِيرًا للمنة العظمى فهي من عطاء الربوبية ، بل هي أعظم عطاء من رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فأي عطاء أعظم مما يصلح الدين والدنيا من رسالات السماء المحكمة ، ولا يخلو الضمير في "ربك" أن يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فخوطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم به خطاب المواجهة الأول ، وَمَعْنَاهُ يَعُمُّ كَسَائِرِ المواضع في خِطَابِ الوحي إلا إن كان ثَمَّ دليل على اختصاصه بَوَاحِدٍ معين فذلك خلاف الأصل وتلك دعوى لا بُدَّ لَهَا من دليل ناقل عن الأصل المستصحب ابتداء فإن أَوْرَدَهُ المستدل قُبِلَتْ دعواه الناقلة إذ شُفِعَتْ بالأدلة الناصحة ، فالعموم هنا على الأصل المستصحِب لقرينة العموم في خطاب التكليف المنزَّل ، فهو الحق من ربكم ، إذ التكليف به يَعُمُّكُمْ كما يَعُمُّ صَاحِبَ الشرعِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو أول مكلف به تصديقا وامتثالا ، ومن بعده من أمته فهم له تَبَعٌ .
وكذلك الشأن في الحق الموحى به في قوله تعالى : (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، فكان من الوصل في "الذي" ما يَجْرِي مجرى العموم ، كما تقدم مرارا ، ولا يخلو من دلالة العهد الخاص بالنظر في عهد التنزيل الخاتم فهو آخر ما أوحى به الرب الخالق ، جَلَّ وَعَلَا ، فضلا عن دلالة انتهاء الغاية إلى ضمير الخطاب المفرَد في "إليك" فلا يخلو من دلالة العهد الخاص في مخاطَب بِعَيْنِهِ وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَمَا أُوحِيَ إليه هو الكتاب وذلك ، كما تقدم مرارا ، ما يستغرق كتاب التشريع كله ، خبرا وحكما ، آيا وأخبارا ، متواترا وآحادا ، فكل ما صحت نسبته إلى الرسالة فهو داخل في هذا العموم المستغرق الذي دل عليه الموصول "الذي" ، فَلَئِنِ احتمل العهد الخاص من وجه بالنظر في دلالة التنزيل الخاتم ، فهو عام يستغرق من آخر ، فَيَسْتَغْرِقُ كل ما جاء به الوحي من خبر الصدق وحكم العدل ، ما خَصَّ الفرد وَعَمَّ الجماعة ، وهو ما احتمل ، أيضا ، عموما آخر أعم ، فيستغرق كلَّ مَا أَوْحَى بِهِ الرَّبُّ ، جل وعلا ، من الرسالات وإن نسخت بالخاتمة ، فمناط الحكم بالحق قد أُنِيطَ بمعنى الوحي الذي اشتقت منه الصلة "أوحينا" ، وهو ما أسند إلى ضمير الفاعلين المجموع : "نا" الدالة على المتكلمين ، مَئِنَّةً مِنْ تَعْظِيمٍ يحسن في موضع مِنَّةٍ بحكمة وقدرة ، فالوحي من وصف الرب ، جل وعلا ، القدير الذي يأمر الملَك فَيَنْزِلُ بالوحي ، الحكيم الذي يصطفي من المحال ما يَقْبَلُ آثاره ويهدي إليه من أناب أن يُصَدِّقَ أخباره وَيَمْتَثِلَ أحكامه ، وثم ابتداءُ غاية وَبَيَانُ جنس في قوله "من الكتاب" ، فلا يظهر فيها معنى التبعيض فليس في الكتاب بَعْضٌ أُوحِيَ به وآخر لم يُوحَ به فذلك ما لا يُتَصَوَّرُ بداهة ، بل الجميع مما أوحى به الرب ، جل وعلا ، فكان من بَيَانِ الجنس : بَيَانُ الكتاب الذي استغرق ، كما تقدم ، فاستغرق كتاب الذكر الحكيم وكتاب السنة : سنة البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك الوحي الذي حُدِّ حَدَّ القصر بتعريف الجزأين : "الذي أوحينا" و "الحق" ، وذلك ، كما تقدم ، مما يجري مجرى المبالغة ، إذ الحق منه الوحي وهو كلام الرب ، ومنه ما دونه من كلام العباد ، فَكَمْ أَجْرَى الله ، جَلَّ وَعَلَا ، على لسان أهل الْفَضْلِ من كلمات الحق المحكمة ، فكم من أقضياتهم ومأثوراتهم ومواعظهم ما صَدَّقَهُ العمل فكان لهم من شاهد الفعل وَالتَّرْكِ مَا صَدَّقَ القول ، فذلك حق لا يكون ، لو تدبر الناظر ، إلا شعبة من الحق الأول ، حق الوحي المحكم ، وحق الفطرة الناصعة التي سلمت من كدر الباطل ، فكان من الحق الأعظم ما أوحى به الرب الأعز الأكرم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فهو من هذا الوجه معهود خاص ، فَهُوَ حَقٌّ مُعَيَّنٌ لا أشرف منه فَهُوَ ذروة السنام ، فهو الحق الأعظم من الله ، جل وعلا ، وهو أعظم حق في الوجود فَلَا أشرف من ذاته واسمه ووصفه وفعله وحكمه ، وثم توكيد آخر بالضمير "هو" في قوله تعالى : (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا) ، ولا يخلو السياق من توكيد آخر بالحال "مصدِّقا" فهي الحال المؤكدة ، فهو مصدق لما بين يديه من الكتب الأولى ، فَصَدَّقَهَا في الجملة والأصول وإن نسخ بعض الفروع ، وبعده كان الاستئناف بالناسخ في قول الرب الخالق جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، ولا يخلو من حسن ملاءمَةٍ فإن الخبير وهو من يعلم الدقائق ، البصير الذي أطلق وصفه فهو بصير بالعين ، بصير بالعلم ، على وجه يليق بذات القدس ، فمن أوحى بالحق فهو ، بداهة ، الخبير البصير العالم بأحوال عباده فأوحى ما به صلاح حالهم ومآلهم ، فكان من مثال "فعيل" في : "خبير" و "بصير" ما زاد في المعنى فرعا على زيادة المبنى ، فَفَعِيلٌ من فَاعِلٍ ، وإن كان الخبر والبصر مما يَتَعَدَّى بواسطة وهي الباء ، فخبر بالأمر وبصر به ، والخبر ، من وجه آخر ، مما يَتَعَدَّى بنفسه فَخَبَرَ الرجلَ إذ علم دواخله ، فَيَجْرِي ، من هذا الوجه ، مجرى المبالغة فإن فعيل من المتعدي مثال مبالغة ، وفعيل من اللازم وصف مشبه كما الحال في اسم البصير ، فاحتمل اسم الخبير : المبالغة تَارَةً فَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَهُوَ مَئِنَّةٌ من الحدوث والتجدد فَيَخْبُرُ الشيءَ إذ عَلِمَ دقائقه وهو ما يكون آحادا تَتْرَى ، فذلك من وصف الفعل الذي تَتَجَدَّدُ آحاده وإن كان نوعه قديما قَائِمًا بِالذَّاتِ فَذَلِكَ وَجْهُ اللزومِ الذي لا يَتَعَدَّى فيه العامل إلا بواسطة ، فالله ، جل وعلا ، خَبِيرٌ بالأشياء ، فَيَعْلَمُ دَقَائِقَهَا وإن لم يكن ثم موجود مخلوق بَعْدُ فهو ، جل وعلا ، الموجود الأول في الأزل ، وهو العليم الخبير إذ قَدْ عَلِمَ ما سيكون من المقادير عِلْمَ التفصيلِ الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أَحْصَاهَا ، وهو يَخْبُرُ كُلَّ معلومٍ إذا وَقَعَ فصار من الموجود الكائن بعد أن كان من المقدور الغائب ، فذلك وجه التجدد والحدوث الذي يناط بالمشيئة فَيَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ آخر ، فكان من إطلاق الاسمين "الخبير" و "البصير" ما استغرق كل مخبَر وكل مبصَر ، ولا تخلو "أل" في "الخبير" و "البصير" أن تجري مجرى الاستغراق لوجوه المعنى ، وهو ما يُرَشِّحُ دلالة العهد الخاص فإن الأصل في هذه الأسماء : أسماء الثناء ، الأصل فيها إذا دخلت عليها "أل" أن تكون مئنة من عهد خاص يَبْلُغُ فِي الثَّنَاءِ حَدَّ الإطلاق ولا يكون ذلك إلا لذي الجلال والإكرام ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وهو ما حسن معه التوكيد بِجُمَلٍ مَشْهُورَةٍ من المؤكداتِ ، فَثَمَّ التوكيد اللفظي بالناسخ "إِنَّ" ، وثم اسمية الجملة ، وثم لام الابتداء المؤخرة فهي المزحلقة في "لَخَبِيرٌ" ، فقد تأخرت إذ صُدِّرَ الكلام بالمؤكد الأقوى ، فالناسخ "إن" هو أُمُّ البابِ الذي أشبه الفعل في حَدِّهِ إِذْ قد زِيدَ فِيهِ عن الحرفين ، فَلَمَّا أَشْبَهَهُ في المبنى ، من وجه ، وأشبهه في المعنى إذ ضُمِّنَ مَعْنَى الفعل ، فِعْلِ التَّوْكِيدِ ، فَلَمَّا أشبهه في المبنى والمعنى ألحق به إذ تَعَدَّى إلى الاسم نصبا ، فأشبه الفعل في عمله إذ ينصب معموله ، فالناسخ ، وهو محل الشاهد ، أم الباب : باب التوكيد ، فلا تَنْهَضُ اللام أن تُنَازِعَهُ فَأُخِّرَتْ لأجله إذ اشتغل المحل بِهِ فلا يَشْتَغِلُ بشاغلين ، إذ المحل لا يَتَّسِعُ حَالَّيْنِ والغمد لا يحتمل سيفين ، فَلَمَّا اشتغل صَدْرُ الكلامِ بالناسخ الأقوى أُخِّرَتْ لأجله اللام فدخلت على الخبر "لَخَبِيرٌ" ، فهي لام ابتداء مخصوصة زِيدَ في حَدِّهَا وصف التزحلق إذ تأخرت فدخلت على الخبر المؤخر الذي يَلِي المبتدأ في قانون العربية ، وزد عليه تقديم ما حقه التأخير وهو الظرف "بعباده" ، وذلك ما يشهد للوجه اللازم ، وجه الوصف المشبه في اسمي الخبير والبصير ، وهو ، لو تدبر الناظر ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده إذ لا يفارق ذات الموصوف فهو يلازمه وذلك مما يزيد في المدح والثناء ومن ذا أحق به من رب الأرض والسماء جل وعلا ؟! ، فقدم الظرف "بعباده" وحقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، ولا يخلو من عموم ، من وجه ، فعموم المضاف إلى الضمير ، هاء الغائب في "عِبَادِهِ" ، هذا العموم يَسْتَغْرِقُ كُلَّ عَبْدٍ فيجاوز المؤمن إلى الكافر ، فهو مئنة من العبودية العامة : عبودية العبد التي تدخل فيها العبودية الخاصة : عبودية العابد ، ولا يخلو ذكر العباد في هذا السياق ، لا يخلو أن يكون من المثال لعام ، فهو يستغرق جميع الأشياء ، فالله ، جل وعلا ، خبير بصير بكل شيء ، لا بالعباد وحدهم ، فذكرهم ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المثال لعام فهو يُبَيِّنُهُ ولا يُخَصِّصُهُ ، فكل أولئك من الحق الذي لا يَنْزِلُ إلا من الحق الذي استجمع وجوه المعنى ، فهو الحق المطلق ، فذلك من اسمه ، جل وعلا ، المحكم ، وهو ما ورد فِي مَوَاضِعَ من التَّنْزِيلِ ، كما في قول الرب الحميد المجيد تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ، فكان من الإيجاز بالتنوين ، تنوين العوض عن جملة تُصُيِّدَ تَقْدِيرُهَا من السباق المتقدم ، في قول الرب المهيمن جلا وعلا : (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، فَقُدِّرَ المتأخر المحذوف من جنس المتقدم المذكور وذلك الأصل في باب التقدير ، فَيَوْمَ إذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم يُوَفِّيهم الله دينهم الحق وبعد الظرف كان الفعل : فِعْلُ التَّوْفِيَةِ ، تَوْفِيَةِ الجزاءِ ، وهو ما حُدَّ حَدَّ المضارعة استحضارا لصورة بها يَتَّعِظُ العاقل وَيَتَهَكَّمُ الجاهل ، فـ : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) ، فذلك مما به التعريض بمن لم يخش فهو الجاهل الذي لم يَقْدُرِ الله ، جل وعلا ، حَقَّ قدره ، فكان من المضارعة في مادة التوفية في الآي آنف الذكر : (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ، كان منها ما استحضرت به الصورة ، من وجه ، ولا تخلو من استقبال فذلك مِمَّا لم يأت تأويله بعد ، فاحتملت المضارعةُ في هذا السياق : الحالَ والاستقبالَ جميعا ، فَإِمَّا أن يُقَالَ إِنَّهَا على الأصل فمادة المضارعة ابتداء قد وضعت للحال والاستقبال ، وإما أن يُقَالَ فيها بالاشتراك ، فَثَمَّ اشْتِرَاكٌ لَفْظِيٌّ إذ دَلَّ اللفظ على أكثر من معنى في سياق واحد ، فذلك مِمَّا يَسْتَأْنِسُ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظِ المشتركِ ، فَيُوَفِّيهِمُ الله ، جل وعلا ، وذلك من وصف فعله الذي يُنَاطُ بالمشيئة فوصفه أنه الْمُوَفِّي ، فَيُوَفِّي كُلًّا حقه وذلك مئنة من الحكمة إذ يضع الشيء في محله فَيُعْطِي كُلَّ ذي حق حقه ، فيوفيهم جَزَاءَهُم الحق فذلك تأويل الدين في هذا الموضع ، فهو مئنة من الجزاء وذلك ما أطنب في وصفه فهو الحق المحكم ، فكان من الإطناب بالوصف الذي استغرق وجوه المعنى فتلك ، كما تقدم مرارا ، دلالة "أل" في مثل هذا الموضع فدخولها على مادة الحق قد أفاد ، من وجه ، بَيَانَ جنس المدخول ، فضلا عن استغراق وجوهه ، فهو دينهم الثابت في نفس الأمر ، الكائن فلا مَرَدَّ له فذلك من قدر التكوين النافذ ، فهو حق في الغيب الأول وَلَمَّا يَأْتِ تأويله المصدِّق ، فإذا جاء صار حقا بالفعل فهو يُؤَكِّدُ ما تَقَدَّمَ في العلم الأول المحيط فتأويله ما يكون في عالم الشهادة في الأولى ، وما يكون بعده في البرزخ ودار المحشر فَفِيهِمَا يكون من الغيب ما يظهر فَيَصِيرُ حقيقة مشهودة ، فإذا وفوا الجزاء علموا : (أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ، فكان من مادة العلم ما حُدَّ حَدَّ المضارعة في "يَعْلَمُونَ" ، فَلَا يخلو من حسنٍ في الملاءمةِ ، إذ عُطِفَ المضارع "يَعْلَمُونَ" على مثله "يُوَفِّيهِمُ" وإن اختلفَ المسند إليه في كُلٍّ ، فَأُسْنِدَ فِعْلُ التَّوْفِيَةِ إلى الله ، جل وعلا ، وَأُسْنِدَ فعل العلم إليهم ، فـ : (يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) ، فلا يخلو من طباق آخر أو مقابلة بَيْنَ فعل الخالق ، جل وعلا ، تَوْفِيَةً ، وفعل المخلوق عِلْمًا بوصف الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فكان من التوكيد ما سد مع مدخوله وهو الجملة الاسمية : الله هو الحق المبين ، ما سد مع مدخوله مسد المعمولين ، معمولي عامل العلم الذي يَتَعَدَّى إلى اثنين على تقدير : ويعلمون وصف الله ، جل وعلا ، بالحق والإبانة ، يعلمونه كائنا لا محالة ، فَثَمَّ إطناب بالتوكيد القياسي ، فذلك توكيد الناسخ اللفظي ، وثم اسمية الجملة وتعريف الجزأين والضمير المؤكد "هو" ، فضلا عن الإطناب في الخبر فهو ، جل وعلا ، الحق في نفسه ، الْمُبِينُ الذي يُبِينُ لغيره عن الحق ، فَنَزَلَتِ النبوات باسمه ووصفه وفعله وحكمه فكانت الإبانة عن الديانة جميعا ، أصولا وفروعا ، إلهيات وحكميات ، فهو ، جل وعلا ، الْبَيِّنُ الذي استبان لكلِّ ناظرٍ من العلم بذاته واسمه ووصفه وفعله وحكمه ما به قيام الحجة الرسالية الناصعة ، وما به صلاح الحال والمآل فلا تكون سعادة ولا نجاة إلا والوحي رَائِدٌ في الإخبار والإنشاء ، في الإثبات والنفي ، في الأمر والنهي ، وهو ، تبارك وتعالى ، من وجه آخر ، المبين الذي يُبِينُ لغيره عما شاء من الغيب ، وأعظمه ما غاب من الإلهيات فَمُتَعَلَّقُهَا أشرف الموجودات : الذات القدسية وما قام بها من الاسم والوصف والفعل وما صدر عنها من الحكم إِنْ حكمِ التكوين النافذ أو نظيره من حكمِ التشريع العادل الذي استغرق ، لو تدبر الناظر ، جنس النبوات إن أخبارا صادقة أو أحكاما عادلة بها تستقيم الحال ويحسن المآل ، وذلك مطلوب العقلاء كافة ، فجاءت النبوات بما يُوَاطِئُ المعقول الصريح ، فَهِيَ تُوَاطِئُ الفطرة الكامنة في النفوس ، من مادة التوحيد المجملة التي أبان عنها الرب المبين ، جل وعلا ، بما أَنْزَلَ من الوحي المبين ، فهو مُبِينٌ مِنْ مُبِينٍ وذلك قياس الحكمة فلا يصدر عن المبين إلا ما به يستبين الحق فتحصل المنة العظمى بهداية بَيَانٍ وإرشاد فهي مادة النبوات المنزلة ، فـ : (الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) ، فاسمه ، جل وعلا ، الحق ، ووصفه الحق وخبره الحق وحكمه الحق ورسله ، عليهم السلام ، حق ، وكتبه الحق ، فهو الحق فلا يكون منه إلا الحق ، فكان من وصفه بالحق في سياق التعليل في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فالإشارة إلى ما تقدم في السباق في قوله تعالى : (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ، فذلك إما أن يجري مجرى التعظيم فهو من أظهر آي الربوبية ، فَيُنْزِلُ ، جل وعلا ، على الأرض الهامدة الجامدة الماءَ الذي به تحيى وَتَرْبُو فتكون الزيادة بالإنبات من كل زوج بهيج ، فهو المبهِج الذي يَسُرُّ الناظرين وَبِهِ يَنْتَفِعُونَ في الدين إذ يستدلون على الرب ، جل وعلا ، الذي أَنْزَلَ الماء وهو الرزق المحسوس الذي به حياة الأرض ، يستدلون عليه ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بما يكون من ربا الأرض وارتفاعها ، وذلك الربا النافع ، ربا الإنبات بالزوج البهيج الذي اختلفت أنواعه وألوانه وطعومه ، فهو آية في اختلاف ألوانه ، واتحاد السُّنَّةِ في خروجه بسبب واحد ، فالسبب واحد وَالسُّنَّةُ واحدة ، فماء مُنْزَلٌ يباشر الحبة ولا بد له من جملة شروط تُسْتَوْفَى وأخرى من الموانع تَنْتَفِي ، فالحبة تُبْذَرُ في الأرض وَتُكْفَرُ بالتربة وفيها من أسباب الحياة ما يلزم فعناصرها تمد الحبة بأسباب حياة ونمو ، فَثَمَّ الماء وبه خروج النبت ، فتلك باء السببية بما ركز في الماء من قوة الإحياء والإنبات ، فـ : (جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، فلا تخلو "مِنْ" ، في وجه من وجوه التأويل ، لا تخلو من دلالة السببية ، فبسبب الماء جعل الله ، جل وعلا ، من الحيوات ما اختلفت أنواعه وإن كانت السُّنَّةُ ، كما تقدم ، واحدة ، فاتحاد السنة مئنة من وحدانية الرب المحيي المنبِت ، جل وعلا ، فإن نسبة الإنبات إليه نسبة الفعل إلى الفاعل ، فذلك من وصفه الفعلي الذي يُنَاطُ بالمشيئة فيدخل في عموم الإرادة الكونية في قوله تعالى : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فنسبة الإنبات إلى الماء نسبة المسبَّب إلى السبب ، ونسبته إلى الله ، جل وعلا ، نسبة الفعل إلى الفاعل ، فلا تعارض إذ انْفَكَّتِ الجهة ، وليس ثم سبب إلا وهو يفتقر إلى ما تَقَدَّمَ مِنْ شَرْطٍ يُسْتَوْفَى ومانع يَنْتَفِي ، وجميعها آخر أمرها تَرْجِعُ إلى حق واحد وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، فَصَدَرَتْ عَنْهُ صُدُورَ المفعول عن الفاعل ، فتلك العلة التامة التي لا تفتقر إلى غيرها ، علة التكوين الأول ، كلمة التكوين النافذ ، وهي ما به تأويل الوصف ، وصف الفعل فَلِكُلِّ فعلٍ من الكلمات ما به تظهر آثاره ، فظهور اسم الخالق بكلمة تكوين خالقة ، وظهور وصفه المنبِت بكلمة إنبات نافذة ، وهي محل الشاهد ، فاتحاد السنة في الخلق من الماء مئنة من وحدانية الرب الخالق ، جل وعلا ، واختلاف الأنواع مئنة من القدرة النافذة والحكمة البالغة ، وبهما جميعا الثناء التام على الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فكان من السنة ما اطرد إذ تلك دلالة "إذا" ، فهي ظرفية ، من وجه ، شرطية من آخر ، على وجه يَثْبُتُ به التلازم بين الشطرين : الشرط والجزاء ، فَيَدُورُ الثاني مع الأول وجودا وعدما على وجه يُوَاطِئُ القياس الصريح ، فكان من الشرطية والظرفية ما أبان عن السنة الربانية : سنة الاهتزاز بما يَقْرَعُ الأرض من قطرات الماء فهي تخترق التربة وتلامس البذرة وَتَسْتَثِيرُ فِيهَا مادة الحياة فَيَخْرُجُ الجنين من الكمون ، فَيَحْيَى من موات ، فذلك اهتزاز بِهِ الحياة بِمَا يَرْبُو من النبت من كل زوج بهيج ، فتلك سنة الخلق أزواجا ذكرانا وإناثا ، وبها ثناء آخر على الرب الفرد الصمد ، جل وعلا ، فلا يَفْتَقِرُ إلى الزوج كما يَفْتَقِرُ الخلق ، فكان من ذلك ما أشير إليه في لحاقه في قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) : ما أُشِيرَ إليه إشارة البعيد مئنة من التعظيم ، من وجه ، أو هو مما يجري على سنن العربية أن يشار إلى ما انْقَضَى مطلقا إشارة البعيد ، قَرُبَ العهد به أو بَعُدَ ، وكلا الوجهين ، أيضا ، يصح ، وهو مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وبعدها كان التعليل القياسي بالباء في قوله تعالى : (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى) ، فَسَبَبُ مَا تَقَدَّمَ أن الله ، جل وعلا ، هو الحق ، ومنه حق التكوين والإحياء وهو ما عُطِفَ عَطْفَ الإطناب بخاص بعد عام ، فإحياء الموتى يدخل في عموم الحق ، فهو من وصف الحق ، جل وعلا ، الفعلي ، فسبب ما يكون من نبت الأرض بالزوج البهيج أن الله ، جل وعلا ، هو المحيي المميت ، فيحيي الموتى ، وذلك عموم يستغرق بدلالة "أل" في "الموتى" ، فهو يستغرق النبات والحيوان والإنسان ، فكلها قد خلق من الماء ، فـ : (اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) ، فخلقوا بسبب الماء ، وخلقوا من جنس الماء وخلقوا من بعضه وهو ما يقذف في الأرحام من نطف ، وَبِهِ كَانَ حفظ الحيواتِ ، فاستغرقت "أل" في "الموتى" في قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى) ، ما تقدم من الأنواع ، واستغرقت ، من وجه آخر ، الإحياء المعقول كما المحسوس فكما نَزَلَ الماء وبه حياة النبت ، فقد نَزَلَ الوحي وبه حياة القلب ، فكان من الوصف "يُحْيِي" ما حُدَّ حَدَّ المضارعة جَرْيًا على ما تَقَدَّمَ مِرَارًا من استحضار الصورة فضلا عن تجدد الآحاد التي تُنَاطُ بالمشيئة النافذة ، ولا يخلو التعليل من تَوْكِيدٍ ، فَثَمَّ ، أَيْضًا ، التوكيد اللفظي بالناسخ ، والتوكيد المعنوي باسمية الجملة فهي مئنة من الديمومة والثبوت ، وتعريف الجزأين "الله" و "الحق" ، والضمير المؤكِّد "هو" ، وبعده كان الختام الذي يُوَاطِئُ السياق فلا يخلو من حسن تلاؤم بَيْنَ الأجزاء ، فَخُتِمَ بالقدرة التي عمت فتلك دلالة "كل" في قوله تعالى : (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وهي ، كما يقول أهل الشأن ، نص في العموم ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بعام بعد خاص فهو ، جل وعلا ، القدير على إحياء الموتى ، وذلك عموم آخر قد رَفَدَ الصورة الأولى : صورة الخصوص في إحياء بعينه وهو إحياء الأرض بالماء ، فذلك خاص أُرْدِفَ بعام أول وهو إحياء الموتى جميعا فعام ثان وهو عموم القدرة ، فذلك ما يجري مجرى التدرج في البيان من الخاص إلى العام إلى الأعم ، فكان من الختام العام الأعم الذي زيد في حده ، أيضا ، فكان الإطناب بتكرار الناسخ "أنه" ، وكانت الاسمية مئنة من الديمومة والثبوت ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : هو على كل شيء قدير ، ولا يخلو السياق ، من وجه آخر ، من دلالة حصر وتوكيد بتقديم ما حقه التأخير من الظرف "على كل شيء" ، فضلا عن حَدِّ الاسم "قدير" " فَعِيلًا من فاعل فهو القدير من قادر ، وذلك ما يحمل على الوصف المشبه وإن كان حده فاعلا ، فالقدرة من وصف الذات الذي لا يفارقها ، فضلا أنه مما لا يَتَعَدَّى بنفسه في العربية ، فَيَتَعَدَّى بالأداة "على" ، وذلك ما يرشح دلالة الوصف المشبه على دلالة الفاعل ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إنه مما يَتَعَدَّى بنفسه ، كما في قوله تعالى : (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) ، وإن كان ذلك مَئِنَّةً من التَّضْيِيقِ ، فالقدر لا يخلو من تضييق إذ يقدر كل شيء على حد مخصوص فلا يكون ثم زيادة ولا نقص ، فكان من القدرة ما عم وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل من وجه آخر في حد الحق ، فمنه حق القدرة جلالا كما الحكمة جمالا .
فَاسْمُهُ الحقُّ يجري ، كما تقدم ، مجرى العهد الخاص فِي "أل" في نحو قوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) ، فكان من الإشارة ما تقدم بَيَانُهُ مِرَارًا ، وكان من التوكيد بالناسخ واسمية الجملة وتعريف الجزأين والتوكيد بالضمير ، ولا يخلو السياق من مقابلة استوفت شطري القسمة في باب العبادة ، فالمعبود بحق وهو الله الحق ، جل وعلا ، في شِقٍّ ، وسائر ما يدعون من دونه من آلهة الباطل في آخر ، فصراط الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة ، فَثَمَّ المقابلة بين الشطرين ، وثم طباق الإيجاب بين الله ، جل وعلا ، في حد والموصول الاسمي المشترك "ما" في آخر فهو يستغرق كل معبود سواه ، وثم طباق آخر بين الحق والباطل ، فكل أولئك مِمَّا بِهِ تَقْرِيرُ المعنى وتوكيده ، وبعده كان الإطناب بتكرار الناسخ في قوله تعالى : (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، فحسن الإطناب بأوصاف الجلال ، العلو والكبر ، وهما مما أُطْلِقَ فاستغرق وجوه المعنى إطنابا في الثناء ، فضلا عن دلالة "أل" استغراقا لوجوه المعنى وعهدا خاصا في عَلِيٍّ كَبِيرٍ معين وهو الرب المهيمِن ، جل وعلا ، إذ وحده مَنْ له العلو والكبر المطلق ، ولا يخلو ذكرهما أن يجري مجرى الإطناب بالخاص بعد العام ، فهما ، لو تدبر الناظر ، يدخلان في حد الحق الذي استغرق أوصاف الرب ، جل وعلا ، جميعا ، أوصاف الجمال ونظائرها من الجلال .

والله أعلى وأعلم .