من مواضع الويل في التنزيل ما قد يصح حمله على حَالٍ لَا تَبْلُغُ حَدَّ الكفران وإن كانت من العصيان بمكانٍ استحقَّ الوعيد بالويل ، كما في آي الماعون أن : (وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، فإنه قد وصفهم بوصف الإيمان فالصلاة أعظم أعماله ، وذلك ما قد يصح قرينة تصرف الويل من ويل التأبيد جزاء الكفرانِ إلى ويل التأقيت جزاء العصيان ، فكان الوعيد إذ سَهَوا عن بعض الصلوات ، فذلك ما لا ينقض أصل الملة ولو على قولٍ ذي وجاهة في هذا الباب ، إذ يقصر النقض على الترك المطلق ، لا مطلق الترك الذي يصدق في حق من ترك صلاة واحدة أو بعض صلوات فَصَلَّى بَعْضًا وَتَرَكَ بَعْضًا ، وإن كان ثم قول آخر يحكم بالنقض في حق مَنْ تَرَكَ صَلَاةً واحدة حتى يخرج وَقْتُهَا عالما بالتحريم عامدا مختارا فلا إكراه ، فضلا عن الاستباحة فَهِيَ نَاقِضٌ في كل حالٍ صَلَّى مطلقا أو تَرَكَ مطلقا أو صَلَّى بَعْضًا وَتَرَكَ بَعْضًا ، فاستباحة المعصية ناقض لأصل الشرعة ، ولو لم يُقَارِفْهَا المستبيح ، وكذلك الشأن في تَرْكِ الطاعة ، ومنها الصلاة محل الشاهد ، فمن استباح تَرْكَ الصلاةِ وَلَوْ صَلَّى ، أو اعتقد جواز ذلك بلا عذر معتبر من جهل أو تأويل ، من كانت تلك حاله فهو كافر الكفر الأكبر الناقض لأصل الملة ، فكان من الويل ما اختص به المصلون ، كما الويل الذي اختص به المكذبون في نحو قوله تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ، وكان من القيد بعد الويل ، كان من القيد ما يجري مجرى الاحتراز فهم : (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، فإن الصلاة ، بداهة ، لا تستجلب الويلات ، وَإِنَّمَا هي سبب في دخول الجنات ، فكان من القيد ما نَفَى الشبهة فَاحْتَرَزَ إذ قَصَرَ الوعيد على من سها عن الصلاة ، وذلك ما احتمل ، فإن دلالة العموم الذي استفيد من الإضافة ، إضافة المفرد إلى ضمير الغائب المجموع في "صلاتهم" ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يجري مجرى التغليب ، إذ يستغرق كل سَاهٍ عن الصلاة سواء أكان رجلا أم امرأة ، وَقَدْ قُدِّمَ الظرف "عَنْ صَلَاتِهِم" فهو محل العناية ومناط الجناية ، وبعده كان الوصف الجالب للوعيد وهو السهو الذي اشتق منه اسم الساهي ، وهو ما يصدق في كل من سها عن صلاة ، ولو واحدة ، فإن أطلقَ النَّاظِرُ القول أن تَرْكَ الصلاة ولو مطلق التَّرْكِ لِفَرْضٍ واحد بلا عذر مانع ، إِنْ أَطْلَقَ أَنَّ ذلك مِمَّا يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع ، فيصدق أن بعض المصلين قد تُوُعِّدُوا بالويل في الآخرة ، وَيْلِ التَّأْبِيدِ إذ قد طَرَدَ صاحب هذا القول ، طرد الحكم في التَّارِكِ ، فهو يصدق في كل تَارِكٍ ولو صلاة واحدة ، فيدخل في عموم قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" ، فَأُطْلِقَ التَّرْكُ في الشطر الثاني إذ تَسَلَّطَ الشرط على المصدر الكامن في الْفِعْلِ "تَرَكَهَا" ، فذلك ، على قول ، هو الإطلاق الذي يصدق بواحد من أفراد الحقيقة في الخارج ، فيصدق في تَرْكِ صلاة واحدة ، فمن تَرَكَهَا فقد كفر ، وقد أطلق الحكم بالكفر فَاسْتَغْرَقَ وجوه المعنى كما اطرد مرارا في هذا الباب : باب الأسماء والأحكام ، فذلك الكفر الأكبر الذي ينقض أصل الدين بمطلق الترك ، على هذا القول ، إذ يصدق فِيمَنْ تَرَكَ صلاةً واحدة أنه قد تَرَكَ الصلاة ، ولو مرة ، فحصلت فيه حقيقة الجنس المطلق في الذهن ، جنس التَّرْكِ ، فيصدق فيه الحكم ، وثم من يستدرك فإن تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل "تَرَكَهَا" مئنة من العموم المستغرق فلا يصدق إلا في حق التارك تَرْكًا مطلقا فلا يصلي أبدا ، أو هو يُصَلِّي نَادِرًا ، والنادر لا حكم له ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، فلا يكفر الكفر الأكبر إلا التارك التَّرْكَ المطلقَ لا التارك مطلق التَّرْكِ ، وكذلك الشأن في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" ، فَثَمَّ دلالة إطلاق في بَابِ الأسماء والأحكام إذ أُطْلِقَ لَقَبُ الكفر ، وهو من ألقاب الذم ، فإذا أطلق اللقب مَدْحًا أو ذَمًّا في نَصِّ الوحي المحكم ، فهو يَنْصَرِفُ إلى الجنس الأكبر إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ صارفة ، ولا قَرِينَةَ صارفة هُنَا بالنظر في العموم الذي خُتِمَ به الخبر عموم الترك في "تَرْكَ الصلاةِ" ، فهو يَنْصَرِفُ إلى التَّرْكِ المطلق الذي يستغرق آحاد العام جميعا ، فيصدق الكفر في حق من تَرَكَ الصلاة الترك المطلق ، خلاف من صلى تارة وَتَرَكَ أخرى فَيَصْدُقُ فيه أنه مُقْتَرِفٌ لِكَبِيرَةٍ قد تَدْخُلُ فِي حَدِّ الكفر وإن كان الأصغر الناقض للكمال الواجب ، إلا أن يكون ثم استباحة أو استخفاف وتهكم فكل أولئك مما ينقض أصل الدين المحكم وإن كان صاحبه يصلي ويصوم الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ ! ، فاحتمل الويل صدر الآي أَنْ : (وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) ، احتمل الويل الذي يجري وعيدا للكافر إذا كان السهو عن الصلاة هو السهو المطلق الذي يستغرق جميع الآحاد ، أو كان ذلك في حق الكافر الأصلي فلا يصلي بداهة ، ولا يَرِدُ على ذلك أَنَّ الْوَيْلَ قَدْ أُنِيطَ باسم الصلاة ، والكافر ابتداء ليس من أهلها ، فإنه ليس من أهلها فِعْلًا وإن كان من أهلها قُوَّةً ، كما يقول أرباب المنطق ، إذ يَتَوَجَّهُ إليه التكليف بِهَا وَبِمَا لا تصح إلا به من التوحيد الأول فهو أصل ما بَعْدَهُ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وصلاة وزكاة ، فالكافر مُصَلٍّ بالقوة إذ محله يقبل آثار التكليف بها ، مزك بالقوة إذ محله يقبل آثار التكليف بها ..... إلخ ، وَعَلَى هذا فَقِسْ ، فَصَحَّ من هذا الوجه أن يدخل الكافر في حد وعيد يتوجه ابتداء إلى المصلين فَيَصْدُقُ فِيهِ أنه سَاهٍ عن الصلاة مطلقا فلا يصلي أبدا ، واحتمل الويل ، من وجه آخر ، الويل الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب إن كان السهو عن بَعْضِ الصلوات دون بَعْضٍ على وجه يصدق في صاحبه لقب المصلِّي فَلَيْسَ تَرْكُهُ مطلقا أو ما قاربه من حال تَغْلِبُ فلا يصلي إلا فِيمَا يَنْدُرُ ، فهو يُلْحَقُ بِالتَّارِكِ أَبَدًا ، فَذَانِكَ لا يدخلان في الحد محل الشاهد ، حد التَّرْكِ الأصغر الذي لا يَنْفِي عن صاحبه اسم المصلي وإن لم يُثْبِتْهُ له على حَدِّ الكمال المجزئ ، الكمال الواجب ، فقد أَتَى بالأصل ولم يَبْلُغْ به حد الكمال فيكون وعيده من هذا الوجه ، الوعيد الأصغر فَلَيْسَ يُؤَبَّدُ فيكون الويل في هذه الحال هو الويل الأصغر ، فاحتمل الوعيد صدر الآية : احتمل الوجهين : الوعيد الأكبر بالويل المؤبد ، والوعيد الأصغر بالويل المؤقت ، فذلك مما يستأنس به من يجوز العموم في دلالة اللفظ المشترك ، فكان الْوَيْلُ للمصلين ، فاللام مئنة من الاختصاص والاستحقاق ، وذلك آكد فِي الوعيد الذي يُفِيدُ النهي ، فليس عن الصلاة بداهة ، فَثَمَّ إجمال يشكل إن توقف القارئ فلم يَصِلِ الآي بما بعده ، وذلك شاهد آخر أن مبنى التنزيل على الوصل إذ لا يكتمل المعنى بالوقوف على آخر الآية بل ذلك يفسد المعنى فلا بد من الوصل ، فَثَمَّ سؤال يدل عليه السياق اقتضاء فمن أولئك المصلون الذين تُوُعِّدُوا بالويل فذلك ما لا يَتَبَادَرُ إلى الذهن ، فكان الجواب هم : (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، فإما أن يجري ذلك مجرى الجواب عن السؤال المقدر آنف الذكر ، فيكون ثَمَّ مُسْنَدٌ إِلَيْهِ قَدْ حُذِفَ لدلالة المذكور المتقدم عليه ، فَتَقْدِيرُ الكلام على هذا الوجه : هم الذين عن صلاتهم ساهون ، أو يكون ذلك من الإطناب على حد البدل إذ ليس المبدَل منه المتقدِّم هو المقصود بالحكم أصالة وإنما تقدم بَيْنَ يدي البدل تَوْطِئَةً له وتمهيدا فضلا عما أحدث من فضول وتعجب بِهِ شَحْذُ الذهنِ واستحضاره فكيف يصح في الأذهان مطلقا أن جَزَاءَ المصلين الويلُ ؟! ، فكان الإطناب بالبدل الذي يَرْفَعُ الإجمال وَيُزِيلُ الإشكال ، فَلَيْسَ الويل لِكُلِّ مصلٍ بل لجنسٍ بِعَيْنِهِ وهو جنس مَنْ يَسْهُو عن صلاته على التفصيل آنف الذكر ، فلم يكن لقب المصلين المطلق في الآي المتقدم : (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) ، لم يكن هو مناط الحكم ، وإنما مَهَّدَ بَيْنَ يَدَيِ المناط ، وهو السهو عن الصلاة فذلك المعنى الذي اشتقت منه الصلة في قوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ثم محذوفا إذ استأنف بالموصول "الذين" على تقدير عامل اختصاص إما مطلقا فكأنه يجيب عما يتبادر إلى الذهن من استفهام كيف يكون الويل للمصلي المطيع ؟ ، فاستدرك : أخص به الذين هم عن صلاتهم ساهون فلا عموم له يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مصلي ، أو يكون تقدير العامل مقيدا بالذم على تقدير : أذم الذين هم عن صلاتهم ساهون ، ولا يخلو الإطناب بالوصل المجموع عَلَى الحد المذكر ، لا يخلو من دلالة التغليب لما تقدم مرارا من قرينة العموم في خطاب التكليف فذلك ما يستصحب أبدا حتى يرد دليل ناقل يقصر التكليف على جنس دون آخر ، ولا يخلو الوصل المجموع في "الذين" ، لا يخلو من دلالة إجمال أَبَانَتْ عَنْهُ الصلة فَهِيَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، مناط العلة ، فمناط الويل هو السهو عن الصلاة لا الصلاة أو السهو فيها ، وإنما تُوُعِّدَ مَنِ اشْتَغَلَ عَنْهَا بِغَيْرِهَا فَسَهَا ولم يُصَلِّ فلا تخلو الحال أن يكون ذلك مناط عذر إن كان ثم نسيان وذهول بطارئٍ مُفْجِعٍ يَفْجَأُ الناظر فلا يعقل ، خلاف ما يكون من نسيان يدل على قلة الاكتراث فهو يَتَكَرَّرُ بلا عذر ، فذلك مناط الوعيد والذم ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من زيادة تَقْرِيرِ وَتَوْكِيدٍ بتقديم ما حقه التأخير من المتعلق وهو الظرف "عن صلاتهم" ، فَلَوْ جرى الكلام على الأصل لكان تقدير الكلام : الذين هم ساهون عن صلاتهم .

وكذلك الشأن في الويل الذي أُنِيطَ بِعنوانِ التكذيب الذي اشتق منه العامل المضارع "يُكَذِّبُ" صدر السورة في قوله تعالى : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) ، فَقَدْ أُطْلِقَ الويل وأطلق مناطه وهو التكذيب ، فانصرف إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فالويل الأكبر لمن كذَّبَ التكذيب الأكبر ، والتكذيب في نفسه ، جَلَّ أو دَقَّ ، التكذيب في نفسه ناقض من نواقض الحقيقة ، فلا يتصور أن ثم تكذيبا أصغر لا ينقض الأصل ، فمن كذب بخبر واحد من أخبار الشريعة فقد كذب بها جميعا ، ومن كفر بِرُكْنٍ أو حكم فَقَدْ كَفَرَ بالدين كله إلا أن يكون ثم شبهة تأويل ، كأن يكذب بخبر آحاد فهو من الوحي ولكن إنكاره لا يقدح في الأصل إلا إن كان على حد العناد والمكابرة فضلا أن يكون ذلك أصلا يطرد فهو يكذب بالآحاد جميعا فلا يستدل بها إلا إن وافقت ما يهوى ، ويظهر التعظيم للتنزيل المتواتر دون أخبار الآحاد وإن كان المرجع واحدا فكلاهما قد خرج من مشكاة النبوة ، فالتفريق بينهما بالنظر فِي أَصْلِ التَّصْدِيقِ والاحتجاج وإن تَفَاوَتَ ، فالاحتجاج بِالْمُتَوَاتِرِ أقوى بداهة من نظيره بالآحاد ، فالتفريق بَيْنَهُمَا في أصل التصديق والاحتجاج تفريق بين متماثلين يخالف عن دلالة القياس الصريح إذ يَقْضِي بالتسوية بين المتماثلات ، فلا يستوي من كذب بخبر آحاد واحد لشبهة تطرأ لا أن يصير ذلك هو الأصل المحكم ، فذلك ما يجاوز التكذيب بواحد أو آحاد من الحقيقة إلى التكذيب بالحقيقة كلها ، فذلك أصل في المحدثة الدينية ولازمه إنكار جمهرة عظمى من الأدلة فغالب الأخبار آحادٌ ، وغالب الأحكام إنما وَرَدَتْ في السنة ، فلازم ذلك رَدُّ الجمهرةِ العظمى من أحكام الدين لا سيما في مواضع العلم التي لا تُنَالُ إلا من مشكاة الخبر فالأصل فيها التوقيف فأحدث من أحدث أصلا آخر لا يخلو من التناقض إذ يفرق بين المتماثلين ، فأحدث القول إن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في الإلهيات الخبرية فمحل الاحتجاج بها في الشرعيات العملية ، فصار الدليل صالحا في باب غير صالح في آخر مع ما بينهما من التلازم ، فالعلم والعمل صنوان ، إذ الثاني يصدق الأول ، والنص إذ أمر باتباع النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، النص إذ أمر بذلك فقد أطلق ولم يقيد ، فـ : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، فلم يقصر الأخذ على جنس دون آخر فما آتاكم من الأحكام المتواترة فخذوه وما آتاكم من آحاد فَرُدُّوهُ ! ، فذلك ما يخالف ، بداهة ، عن المنقول والمعقول جميعا ! ، فلازم هذا الإنكار : إنكار الآحاد جميعا فهو إنكار الجنس لا آحاد منه ! ، لازمه إنكار جمهرة عظمى من أحكام الشرعية على وجه يُفْضِي بلازم آخر إلى انْتِقَاضِ عرى الدين الجامعة ، وَكُلُّ أولئك إنما يجري مجرى اللوازم التي لا تكون قولا إلا أن يَلْتَزِمَهَا القائل بعد استبانة مآلاتها إذ لازم القول ليس بقول ابتداء ، كما قرر أهل الشأن ، خلاف ما يكون من تكذيب خبر أو بعض أخبار من الآحاد فإنكارها لا يقدح في أصل الدين الجامع وإن قدح في الكمال الواجب ، إلا إِنْ ثَبَتَ للناظر أن هذا الحديث صحيح في نَفْسِ الأمرِ بما احتف به من القرائن أو استقر عنده من العلم فَقَدْ صَارَ في حقه بما فَتَّشَ في الأدلة وحصل له من القرائن ، صار في حقه كالمتواتر فإن أنكره بعد ذلك فليس إنكاره كإنكار غيره من عموم الناس ممن لا اشتغال لهم بجمع الأدلة واستنباط الدلالات ، وكذا الشأن فيمن استباح ذلك فإن منكر الآحاد في الغالب لا يصرح بذلك فلا يقول إنه يكذب بخبر من أخبار الشريعة ولكنه يَتَذَرَّعُ بالتضعيف أو رجحان ما هو أقوى أو تكلف دعوى النسخ ...... إلخ من وجوه التأويل ، ولو مُتَكَلَّفًا ، فَهُوَ يَرْفَعُ الحكم بالكفر وإن لم يَرْفَعِ الإثم ، خلاف من استجاز رد الآحاد فَيَصْدُقُ فيه أنه قد استباح محظورا فإنكار بعض الشريعة ، وَلَوْ فُرُوعًا ، هو بداهة من المحظور المحرم فمن استباحه بلا شبهة أو تأويل فَقَدْ مَرَقَ مِنَ الدين ، أو يكون رده سخرية وتهكما فكل أولئك مما ينقض أصل الدين الجامع ، خلاف من يكذب بخبر أو بعض أخبار على التفصيل آنف الذكر ، فقد يُقَالُ من هذا الوجه إن تكذيبه لا يبلغ حد التكذيب الأكبر الناقض للأصل الجامع ، فهو تكذيب أصغر يُقَابِلُهُ الوعيد بالويل الأصغر ، فيكون كالويل الذي تَقَدَّمَ فِي حَقِّ المصلين فهو مما انْقَسَمَ في الخارج على جِهَتَيْنِ فَلَا تَعَارض إذ الجهة قد انْقَسَمَتْ أيضا على اثنين ، فانفكت الجهة فلا تعارض إذ جهة التكذيب الأصغر تخالف بداهة عن نظيرتها من التكذيب الأكبر ، والسياق هو الذي يُعَيِّنُ مراد المتكلم ، وقد يصح الجمع بَيْنَهُمَا في سياق واحد إذ يحتملهما جميعا ، كما في هذا الموضع ، فَوَيْلٌ أصغر للعاصي وآخر أكبر للكافر ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .

وبعده كان الإطناب بموصول آخر "الذين" في قوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) ، فإما أن يجري مجرى ما تقدم من البدلية على تقدير : فَوَيْلٌ للذين يُرَاءُونَ ، وهو قيد آخر يحتمل ، فإن الرياء في العبادة على أنحاء ، فمنه رياء في أصل العمل ، فذلك ما يُبْطِلُهُ ، ومنه رياء في زيادة كَمَنِ استأنف وقد حَرَّرَ النية ثم كان من الشائبة ما كَدَّرَهَا ، فالكدر يُبْطِلُ الزيادة والأصل قد سَلِمَ من الجناية على تفصيل مبسوط في مواضعه .

فكان من الويل صدر الكلام أَنْ : (وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) ، ما قُيِّدَ بالبدل في قوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، فثم سهو عن الصلاة فلا يتذكرونها إلا وَثَمَّ مَنْ يَرْقُبُ فصلاتهم رياء مُتَكَلَّفٌ ، فَذَلِكَ وجه الإطناب بالموصول الثاني : (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) ، فَحُدَّ استئنافا يُبِينُ عن جواب السؤال الثاني المقدَّر ، فالمخاطَب لا يَزَالُ يطلب بَيَانًا ، فكان البيان الأول أنهم ساهون عن الصلاة ، وإن صلوا فصلاتهم كَلَا صلاةٍ إذ خرجت مخرج الرياء ، فَيَصْدُقُ في المرائي أنه سَاهٍ عن الصلاة تَارِكٌ بالنظر في الحقيقة ، وإن أدى الصلاة بالنظر في الصورة ، وذلك مناط الإجزاء في أحكام الدنيا ، خلافا لأحكام الآخرة ، فَيَصْدُقُ في المصلي رياءً أنه قد صَلَّى بالنظر في أحكام الدنيا فصلاته تجزئ في إِبْرَاءِ الذمة وإن لم تكن مقبولة في نَفْسِ الأمر ، فلا يُؤَاخَذُ بالنية الباطنة بل يُقْبَلُ منه ظاهره ، وباطنُه إلى الله ، جل وعلا ، إلا أن يكون ثم فاضح لما استتر من النفاق ، فجهر صاحبه بما يبطل أصل الدين فهو يستتاب استتابة المارق ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ ، فَثَمَّ قادح في أصل الحقيقة الإيمانية لا يستلزم انْتِفَاءَ التصديق الباطن ولا تَرْكَ الصلاة ولا الزكاة ولا الصيام في الخارج ، فقد يكون الناقض باعتقاد أو قول أو عمل ، ولا يلزم في جميعها انْتِفَاءُ التصديق الباطن أو تَرْكُ القول والعمل الظاهر بل قد يكون المارق من المصدِّقين العالمين ، ومن الشاهدين بالقول فهو من أشد الناس توحيدا باللفظ ، ومن المصلين المزكين الصائمين ..... إلخ ، فهو من أَشَدِّ الناس امتثالا للأمر ، وهو ، مع ذلك ، قد قَارَفَ ناقضا باطنا كَبُغْضِ الدينِ وَمَنَ يَنْتَسِبُ إليه ولو نسبة مجملة لا تجاوز في أحيان حد الشعار الظاهر فهو يُبْغِضُ الدين وَيُبْغِضُ كُلَّ ما يَنْتَسِبُ إليه من أحكام باطنة أو ظاهرة ، خاصة أو عامة ، أو قَارَفَ ناقضا ظاهرا من قول كَسَبِّ الله ، جل وعلا ، أو الوحي أو صاحبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو عمل كَتَعْطِيلِ الوحيِ المنزَّلِ واستبدال آخرَ محدث به ، أو حرب على الوحي إن بالقول فهو يَلْمِزُهُ وَيَنْبِزُهُ بدعاية خصومه أَنَّهُ مناط التعصب والجهل ومبعث الحرب والقتل ..... إلخ ، أو بالعمل فهو في خندق خصومه أبدا ولو ذيلا لا يُؤْبَهُ بِهِ ، فَغَايَتُهُ تسجيل الجناية أنه خصم الديانة ! ، فَمَا يَنْفَعُ مَنْ تلك حاله إن صلى وصام رياء ؟! ، فذلك ما يُرَجِّحُ ، من وجه ، أن الرياء في السياق هو الرياء الأكبر الناقض لأصل الملة ، لا سيما والآي مكي قد صدر بالتكذيب بالدين ، فكان الاستفهام مبدأ السورة : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) ، وهو استفهام الإنكار والتوبيخ ، ومناطه ما اشتقت منه الصلة فَكَانَ من الإطناب بالموصول المفرد "الذي" ، وهو مئنة من عموم يستغرق ، وإن نَزَلَ عَلَى سبب ، وهو ما اخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هو العاص بن وائل تارة ، وقيل هو أبو جهل أخرى , وقيل هو أبو سفيان ثالثة ، فكل أولئك مما يجري ذكرهم ذِكْرَ المثالِ لعام فلا يخصصه وإنما يُبَيِّنُهُ ، كما قَرَّرَ أهل الأصول والنظر ، فإذا حُمِلَ السياق على المثال فذلك ما يُرَشِّحُ في الموصول دلالة العهد الخاص ، وذلك قول مرجوح وإن جاز حَمْلًا للمسكوت على المذكور فَيَجْرِي مجرى المعقول قِيَاسًا إذ السبب الذي نَزَلَ عليه العام وهو العهد الخاص الذي قصر الموصول على مثال بعينه كالعاص بن وائل ، هذا السبب يجري مجرى الأصل في القياس فهو المنطوق الذي يُقَاسُ عليه المسكوت الذي يُوَاطِئُهُ في الوصف وهو التكذيب بالدين ، وَالرَّاجِحُ أن يحمل ابتداء على العموم المستغرق فهو مناط الاستفهام الموبِّخ المستنكِر ، ومناط العلة فيه هو معنى التكذيب بالدين الذي اشتقت منه الصلة في قوله تعالى : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) ، وَقَدْ حُدَّ ، كما تقدم مرارا ، حَدَّ المضارع استحضارا للصورة من وجه ، واستصحابا يستغرق سائر أجزاء الظرف ، ظرف التكليف فمنه ما يُسْتَقْبَلُ ، ولا يخلو إذ أطلق أن يَنْصَرِفَ إلى التكذيب الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فذلك الأصل في ألقاب المدح والذم في باب الأسماء والأحكام ، وهو ما يُرَشِّحُ في الرياء ختام السورة أن يكون الرِّيَاءَ الأكبر ، وكذا السهو عن الصلاة فهو التَّرْكُ المطلق ، فإن ذلك من آثار التكذيب الأول ، فلا يكون والحال تلك إلا التكذيب الأكبر الناقض لأصل الملة ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التغليب استغراقا لجميع المحال القابلة لآثار التكليف لقرينة العموم في خطابه لا سيما فِي أصولٍ جامعة كالإيمان بالدين ، وهو ما احتمل بالنظر في دلالة المادة في أصل اللسان ، وإن لم يخرج الخلاف عن حد التَّنَوُّعِ فَكُلُّهَا معان يصح حمل السياق عليها ، فالدين ، من وجه ، هو الملة والشرعة ، فمادة دان مئنة من الخضوع والطاعة وذلك ما لا يكون بداهة إلا وثم عقد يُنْتَحَلُ وَشَرْعٌ يُمْتَثَلُ على وجه يستغرق حقيقة الدين كله ، فهي حقيقة الإيمان المجزئ اعتقادا وقولا وعملا ، وهو ، من آخر ، مئنة من الحساب والجزاء ، فلا يخلو في هذا الوجه أَنْ يُقَدَّرَ له محذوف بِهِ تمام المعنى فهو يُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين ، وهو ما أبان عنه التَّنْزِيلُ في مواضع أخرى كما في قوله تعالى : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) ، فَيَجْرِي ذلك مجرى حمل المحذوف في سياق على المذكور في آخر ، وهو مما يستأنس به المفسرون بادي قولهم وكذا بعض النحاة كصاحب "الشذور" رحمه الله ، فَبَعْضُ التَّنْزِيلِ يُفَسِّرُ بَعْضًا ، وكذا الشأن في تقدير المحذوف في النحو ، فكان من تقدير المضاف ما به يَؤُولُ الكلامُ إلى : أرأيت الذي يكذب بِيَوْمِ الدين ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وذلك مما يستأنس به من يجوز المجاز في الوحي واللسان ، فذلك من مجاز الحذف ، وثم من يستدرك فإن المحذوف ما حُذِفَ إلا وَثَمَّ دليل يشهد في موضع آخر من التنزيل فَحُمِلَ المحذوف على المذكور فَضْلًا أن ذلك مما اطرد فِي اللسان فَيَجْرِي مَجْرَى الحقيقة ، وَإِنْ عُرْفِيَّةً ، فَلَئِنْ سُلِّمَ أنه المجاز فهو المجاز المشتهر الذي يقدم على الحقيقة اللسانية المطلقة فهو ، من وجه ، حقيقة في عرف اللسان المشتَهَرِ فَلَيْسَ ثَمَّ موجب يُلْجِئُ الناظر أَنْ يَتَكَلَّفَ ما يَتَكَلَّفَ من المجاز وعلائقه وَقَرَائِنِهِ ، ولا يخلو اسم الدين ، أيضا ، أن يجري مجرى الْخُلُقِ ، كما في الخبر المشهور أَنِ : "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" ، فهو على خلائقه وَطِبَاعِهِ ، إِذْ كُلٌّ يَأْرِزُ إلى ما يُشَاكِلُ مِنَ الْبَشَرِ والقول والعمل ، فيكون التكذيب بأخلاق الوحي وأصلها التوحيد فهو خلق باطن لا تَنْفَكُّ آثاره تظهر إِنْ في الجنان حُبًّا وَبُغْضًا وهو باعث العمل إرادةً في الفعل أو أخرى في التَّرْكِ ، فَكُلُّ أولئك من الآثار الباطنة ، وثم أخرى تُضَاهِيهَا في الظاهر من القول والعمل ، وبها جَمِيعًا حقيقة الإيمان فَهُوَ الْخُلُقُ الكامل ، فذلك الدين الذي أُطْلِقَ فاستغرق دين الباطن اعتقادا ودين الظاهر قولا وعملا ، دين التوحيد ودين التشريع ، دين العلم ودين العمل ، دين التصور ودين الحكم ، دين السياسة ودين الحرب ، دين المال والتجارة ودين الرياضة والزهادة ، فالدين ، على هذا القول ، قد جاوز دلالة العهد الخاص في "أل" أَنْ تُقْصَرَ المادة على معنى بعينه كالحساب والجزاء فَفِي هذا الوجه ، وجه العهد الخاص ، يجري التكذيب بِيَوْمِ الدينِ مجرى الخاص الذي يُرَادُ بِهِ عام فهو يستغرق التكذيب بالدين كله ، وقد يقال إنه يفيد العموم أبدا وإن قُصِرَ على العهد الخاص ، فالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الحقيقة الإيمانية ، فإذا زَالَ زَالَ بُنْيَانُ الإيمان كله دون اشتراط لزوال بقية الأركان ، فدلالة "أل" تَتَرَاوَحُ بَيْنَ عهد خاص كما اطرد من معاني الدين ، وذلك ، من وجه آخر ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، إذ احتملت مادة الدين أكثر من وجه دون تَعَذُّرِ الجمع بَيْنَهَا فَجَمِيعُهَا تَشْهَدُ لِلسِّيَاقِ فَتَزِيدُ فِيهِ من المعاني الصحيحة الصريحة ما بِهِ يَثْرَى ، فَتَتَرَاوَحُ "أل" بين العهد الخاص ، كما تقدم ، والعهد العام الذي يَسْتَغْرِقُ الدين كله ، باطنه وظاهره ، أخباره وأحكامه ، ولا يشترط في التكذيب الناقض لأصل الدين أن يكون التكذيب به كله ، بل التكذيب بأصل من أصوله أو رَدِّ حكمٍ من أحكامه مع قيام الحجة واستبانة المحجة فَيَرُدُّهُ عالما عامدا فلا يخلو أن يكون جاحدا مستكبرا أو ساخرا مُسْتَهْزِئًا أو هو كل أولئك ! ، فالتكذيب على هذه الحال نَاقِضٌ لأصل الدين الجامع على وجه به تَزُولُ الحقيقة الإيمانية كُلُّهَا ، فَزَوَالُ بَعْضِهَا تكذيبا زوالٌ لها جميعا ، فذلك ما يجاوز العصيان الذي لا يدخل في جنس الكفران بما يكون من نَوَاقِضِ الدين اعتقادا أو قولا أو عملا ، فذلك ما يجاوز العصيان آنف الذكر فإنه مما تَزُولُ بِهِ بَعْضُ الحقيقة ولكنَّ أَصْلَهَا لا يَزُولُ ولا يَنْتَقِضُ ، فيكون نقص الإيمان عن حد الكمال الواجب دون انْتِقَاضِ الأصل الجامع ، خلاف ما يكون في أحوال التكذيب والتعطيل وسائر النواقض الباطنة والظاهرة ، فذلك ما بِهِ يَزُولُ الأصل أو يَنْتَقِضُ ، والسياق ، كما تقدم مرارا ، شاهد لهذا الوجه لا سيما والآي مكي يخاطب من غَلَبَ على حاله الكفرُ ، وبعد ذلك كان الجواب عن سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء إذ يستدعي الذهن بَيَانَ حال هذا المكذِّب فِرَارًا مِنْهَا لئلا يضاهيه في المآل إِنْ ضَاهَاهُ في الحال ، فيخالف عنه لِيَنْجُوَ من وعيده ، فذلك قياس العقل الصريح طردا وعكسا إن في الخبر أو في الإنشاء ، فلا يخلو السياق وهو سياق ذم وتوبيخ لا يخلو من دلالة إنشاء يَنْهَى عن سببه وهو التكذيب فلازم الاستفهام في هذا السياق وهو إنشاء ، لازمه إِنْشَاءٌ آخر يَنْهَى عن التكذيب أن : لا تكذبوا بيوم الدين ، وهو ، كما تقدم ، من المجمل الذي يفتقر إلى بيان ، فكان البيان الأول بالصلة فمعنى التكذيب الذي اشتقت منه هو مناط الحكم ، حكم التوبيخ والذم ، ثم كان البيان الثاني ، فالذهن قد استدعى السؤال عن وصف المكذبين ، فما وصف هذا المكذِّب ؟ ، فكان الجواب على حَدِّ العطف بالفاء في قوله تعالى : (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) مئنة من الفور والتعقيب وذلك آكد في التقرير والتوكيد ، ولا يخلو من دلالة التعليل ، فإن دَعَّ اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين من روافد التكذيب وإن لم يَكُونَا سَبَبًا من أسبابه بل هما عَرَضٌ من أَعْرَاضِهِ ، فذكرهما ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الإطناب باللازم ، أو الخاص بعد العام بحملِ التكذيب على المعنى الأعم فمن خصاله القسوة والبخل ، فَقَسْوَةٌ فِي دَعِّ اليتيمِ وبخل في عدم الحض على طعام المسكين ، وقد اسْتَوْفَيَا ، كما يقول بعض المحققين ، استوفيا شطر الحركة في الخارج ، فالدَّعُّ من الفِعْلِ ، وعدم الحض على طعام المسكين من التَرْكِ ، فاستغرق الفعل وَالتَّرْكَ جميعا فهما ، أيضا ، مما يجري مجرى المثال لعام وهو نوع الفعل ونوع الترك ، فالدع لليتيم مثال لنوع الفعل ، وهو مثال آخر لمعنى أعم من دَعِّ اليتيم فلا يقتصر عليه فَدَعُّ غيرِه من الضعفاء يذم ، أيضا ، بل القسوة والظلم جميعا مما يذم سواء أَتَوَجَّهَا إلى ضعيف أم قوي ، وإنما ذكر الضعيف إذ هو المظنة وَخُصَّ اليتيم إذ لا يجد المستند الذي إليه يَرْكَنُ ، وعدم الحض على طعام المسكين مثال لِنَوْعِ التَّرْكِ ، وهو مثال آخر لمعنى أعم وهو البخل والإمساك ، وإنما خص المسكين رعاية فهو أحق الناس بالصلة والإعانة فلا يقتصر المعنى على الإطعام فقط بل يستغرقه إلى سائر وجوه الإحسان ، ولا يخلو ذكرهما في سياق الذم من نهي عنهما ، من وجه ، وأمر بضدهما من آخر ، فذلك مما يجري مجرى التلازم إذ النهي عن شيء يستلزم الأمر بضده ، فلا تَدُعُّوا اليتيم وحضوا على طعام المسكين لتسلموا من وصف المكذبين المذموم ، فهو مما استفلت دركته فكانت الإشارة إليه إشارة الْبَعِيدِ تحقيرا ، وبعده كان الويل آنف الذكر أَنْ : (وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) ، وما بعده من بَيَانٍ أول وهو السهو عن الصلاة ، وتلاه ثان وهو الرياء ، فهو من البيان بالتكرار ، تكرار الموصول "الذين" في قوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) ، ولا يخلو من دلالة التعليل إذ أنيط الحكم بمعنى الرياء الذي اشتقت منه الصلة "يُرَاءُونَ" ، وذلك ما احتمل فإن حُمِلَ الويل على وَيْلِ التَّأْبِيدِ فذلك ما يرشح في السهو دلالة الترك المطلق ويرشح في الرياء دلالة الرياء الأكبر ، وإن حمل الويل على الأصغر فذلك التَّرْكُ لا مطلقا والرياء الذي يَطْرَأُ حينا ويزول أخرى فليس مما يَطَّرِدُ أبدا ، أو هو مما يطرأ على الزيادة فَيُبْطِلُهَا دون الأصل فلا يبطله ، والسياق ، لو تدبر الناظر ، يحتمل الوجهين ، وبه شاهد آخر لمن جَوَّزَ العموم في دلالة اللفظ المشترك ، ولا تخلو الصلة "يُرَاءون" وهي مناط العلة ، لا تخلو من جُمَلِ تَوْكِيدٍ تقدمت ، فَثَمَّ اسمية الجملة : (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) ، وثم تكرار الإسناد : مبتدأً ظاهرا وهو الضمير "هم" فذلك فاعل المعنى ، وفاعلًا آخر لفظيا ظاهرا وهو واو الجماعة في "يُرَاءُونَ" ، فضلا عن دلالة الإطناب في الخبر أن حُدَّ حَدَّ الجملة فذلك آكد في تقرير المعنى من القول في غير التنزيل المحكم : الذين هم مرائون ، ولا تخلو المضارعة في "يُرَاءُونَ" لا تخلو من استحضار للصورة وذلك آكد في التقرير والتوكيد ، فضلا عن دلالة الاستقبال فذلك مما يطرأ ويحدث شيئا بعد آخر ، وكذلك الشأن في المعطوف الآخر في قوله تعالى : (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) ، فثم قسمة أخرى ، لو تدبر الناظر ، فَيُرَاءُونَ في أعمالهم التي تقوم بذواتهم ويمنعون الماعون عن غيرهم فلا نفع فيهم يَلْزَمُ أو يَتَعَدَّى وبئست الحال ، ولا يخلو الإطناب من دلالة التلازم ، فلو أخلص في الصلاة والعمل الخاص فأداه تمام الأداء ولم يقتصر على الصورة الظاهرة ، لو كانت تلك حاله وهي الكاملة لتعدى نفعه العام إلى غيره ، ولا يخلو هذا الشطر ، أيضا ، من دلالة إنشاء يُلْزِمُ ، فلا تمنعوا الماعون فهو مناط ذم وَصِلُوا غَيْرَكُمْ به وذلك مناط مدح ، فكان التلازم طردا وعكسا إن خبرا أو إنشاء ، وثم من أجرى الإطناب في هذا السياق على حد التلازم في تعاطف الصلاة والزكاة في نحو قوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، فالماعون في كلامه هو الزكاة فكأنه عطفها على الصلاة في سياق ذم ، فالويل لمن سها عن الصلاة رياء ومنع الزكاة فاجتمع فيه تَرْكُ الركنين فصار أهلا للذم والوعيد في الدارين .

والله أعلى وأعلم .