مما تقرر في قوادح العمل ومبطلاته أن الرياء في العبادة ، وهو أحد هذه المبطِلات ، أنه على أنحاء ، فمنه رياء في أصل العمل ، فذلك ما يُبْطِلُهُ كُلَّهُ ، ومنه رياء في زيادة كَمَنِ استأنف العمل وقد حَرَّرَ النية ثم كان من الشائبة ما كَدَّرَ صَفْوَهَا ، فالكدر يُبْطِلُ الزيادة والأصل قد سَلِمَ من الجناية ، وثم من قال بسريان الجناية من الزيادة إلى الأصل فَيَبْطُلُ العمل كله ، وَثَمَّ من فَرَّقَ بَيْنَ ما اتصل وما لا يتصل ، فما كان من غير المتصل كمجلس علم أو تلاوة ..... إلخ ، فالواجب الانقطاع إذا طرأ الرياء فهو يجهد في مدافعته ما استطاع ، فَيَنْقَطِعُ عن العلم ويحرر النية ويستأنف العمل والله ، جل وعلا ، يغفر ما قد سلف إذ يستغفر العبد فَيَدْعُو بالدعاء المأثور : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ" ، فكان من التوسل بالاسم الأعظم ، اسم الله الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى وَتَقَدَّسَ ، كان منه ما يمهد به الداعي بَيْنَ يدي دعائه ، فكان النداء المحذوف الذي قُدِّرَتْ أداته أداة البعيد مئنة من العلو ، علو الذات والوصف ، علو الشأن والقهر ، فكل أولئك مئنة من التوقير والتعزير ، فَذَلِكَ مَا يحسن صَدْرَ كُلِّ دعاءٍ فَمَنْ أَرَادَ مِنْ مَلِكٍ عطية فهو يمهد بالثناء بين يدي مسألته ، فَدُعَاءُ الثَّنَاءِ بَيْنَ يَدَيِ المسألة مما يجري مجرى حسن الاستهلال وهو من ضروب البلاغة في اللسان ، والميم في "اللَّهُمَّ" هي ، كما تقدم مرارا ، مما ناب عن أداة النداء صدرَ الدعاء ، فَنَابَ المتأخر المذكور عن المتقدم المحذوف ، وهو خلاف المطرد المشهور ، أن يدل المتقدم على المتأخر ، وبعده كان الدعاء الذي حُدَّ حَدَّ الخبر ، فهو من الخبر الدال على إنشاء ، إنشاء الدعاء أن : اللهم أعذني أن أشرك بك ما أعلم ، وذلك ما استغرق إذ أطلق العامل ، عامل الشرك المضارع "أُشْرِكَ" ، فاستغرق النوعين : الأكبر والأصغر جميعا ، ولا تخلو المضارعة من دلالة حال واستقبال مَعًا ، فَيَسْتَصْحِبُ الدَّاعِي الطلبَ في كل آن إذ وَارِدُ الشرك والرياء مما يطرأ في كل حال ، فلا يَزَالُ الداعي يُدَافِعُهُ وَيَرُدُّهُ ما استطاع وهو مع ذلك يَتَوَسَّلُ بالاسم الأعظم ، ويستعيذ بالرب الأعز الأكرم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، استعاذة الحال والاستقبال ، فتلك دلالة المضارعة ، ولا يخلو السياق من جُمَلِ تَوْكِيدٍ فزيادتها في المبنى تَزِيدُ في المعنى ، فكان من الزِّيَادَةِ : زِيَادَةُ الْمُؤَكِّدِ النَّاسِخِ صَدْرَ الدعاءِ ، وهو من توكيد اللفظ القياسي ، وبعده كان توكيد المعنى ، فاسمية الجملة إذ تقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا أعوذ بك ، فضلا عن تكرار الإسناد ، فاعل المعنى المظهر فذلك وصف المبتدأ في اللسان ، فهو المسند إليه إذ يُسْنَدُ الخبر إليه ، لا جرم كان الأصل في الخبر الاشتقاق أو قوة الاشتقاق ، كما يقال في نحو : محمد شجاع ، فالخبر وصف قد حُدَّ حَدَّ الاسم المشبه وذلك آكد في المدح أو الذم إذ يلازم الوصف الموصوفَ فلا يفارق الذات ، فَأُسْنِدَ المعنى الذي اشتق منه الخبر وهو الشجاعة ، أُسْنِدَ إلى المبتدأ لا جرم كان فاعلا في المعنى إذ الفاعل مَنْ قَامَ به الفعل أو اتصف بمعناه ، فمحمد في المثال آنف الذكر قد قام به وصف الشجاعة ، كما يقوم وصف القتال به في نحو قولك : يقاتل محمد ، وإن كان قيامه في هذا المثال قيام الفعل بالفاعل ، لا الخبر بالمبتدأ ، فضلا أن فعل القتال مما يطرأ فهو مما يحدث وَيَتَجَدَّدُ شيئا بعد آخر خلاف الشجاعة فهي وصف يلازم فهو باعث ما يكون في الخارج من المقاتلة ، فهو الباعث أو الحافز الباطن الذي تظهر آحاده في الظاهر ، في القول والعمل ، فهو معدن تُسْتَخْرَجُ منه آحاد تَتْرَى لا تَزَالُ تحدث شيئا فشيئا ، فقيام المعنى الذي اشتق منه الخبر كما في المثال آنف الذكر : محمد شجاع ، أو المعنى الذي يُؤَوَّلُ به الخبر إن كان وجه الاشتقاق الصريح لا يظهر فهو اسم جامد وإنما أُوِّلَ بالمشتق ، كما في قولك : محمد أسد ، فأسد اسم جامد ولكنه في تأويل المشتق إذ يَدُلُّ عَلَى معنى يلازم الحقيقة الأسدية وهو معنى الشجاعة النفسانية فهي خلق باطن تظهر آثاره في الخارج فلا يكون في الأبدان وإنما محله الجنان ، فقيام المعنى الذي اشتق منه الخبر أو تُؤُوِّلَ به ، هذا القيام مِنْ جِنْسِ قِيَامِ الفعل بالفاعل ، وهو محل الشاهد ، لا جرم كان المبتدأ فاعلا في المعنى ، وكان الخبر إذ يُسْنَدُ إلى المبتدأ كالفعل إذ يُسْنَدُ إلى الفاعل ، فَثَمَّ في الدعاء آنف الذكر : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ" ، ثم تكرار إسناد بِالنَّظَرِ في السياق حَالَ جُرِّدَ من الناسخ على تقدير : أنا أعوذ بك ، فكان من الابتداء ما هو فاعل في المعنى ، فقد أسند إليه الخبر "أعوذ" ، أو أسند إليه معنى الاستعاذة الذي اشتق منه الخبر ، وثم تكرار في الإسناد إذ الخبر قد أُطْنِبَ في حَدِّهِ فَحُدَّ حَدَّ المضارعِ "أعوذ" ، واستكن فيه ضمير الفاعل إيجابا ، فَذَلِكَ ، كَمَا قَرَّرَ أهل الشأن ، من مواضع استتار الضمير إيجابا ، فتقديره تقدير المتكلم الذي يَرْجِعُ إلى الضمير الأول : ياء المتكلم في "إني" ، أو ضمير المتكلم المنفصل حال جُرِّدَ السياق من الناسخ كما في التأويل السابق : أنا أعوذ بك ، فتقدير الضمير المستكن في "أعوذ" هو ذات الضمير الذي به السياق قد ابْتُدِئَ وهو ضمير المتكلم المفرد "أنا" ، وهو ، من وجه آخر ، رابط الخبر بالمبتدأ ، فالخبر إذ حُدَّ حَدَّ الجملة فلا بد من رابط ، فكان الضمير المستكن في العامل "أعوذ" هو الرَّابِطُ ، وهو فاعل اللفظ المستتر ، فَثَمَّ تَوْكِيدٌ بالتكرار ، من هذا الوجه ، تكرار الفاعل : فاعل المعنى المظهر وذلك المبتدأ "أنا" حال التجريد : أنا أعوذ بك ، وياء المتكلم حال التقييد : إني أعوذ بك ، وفاعل اللفظ المستتر وهو رابط جملة الخبر بالمبتدأ ، وتقديره من جنس المبتدأ الظاهر ، فَيُقَدَّرُ ضَمِيرَ المتكلم المفرد "أنا" فكان الإطناب بِتِكْرَارِ الإسناد من هذا الوجه ، وهو مِمَّا يَزِيدُ في الدلالة ، فتكرار المبنى مئنة من آخر يضاهيه في المعنى ، وثم باء تحمل معنى الاستعانة في "بِكَ" فأستعين بك أن تعيذني من الشرك ، فضلا عن دلالة المصاحبة فأستصحب معيتك أن تُعِينَنِي فَتُعِيذَنِي من الشرك ، وثم حذف آخر يجري مجرى القياس في اللسان وهو ما اصْطُلِحَ أَنَّهُ الحذف والإيصال ، فالاستعاذة لا بد لها من ابتداء غاية ، غايةِ المستعَاذِ منه وهو الشرك ، وابتداء الغاية مما حُدَّ في اللسان بِلَفْظِ "مِنْ" الجارة فَمِنْ مَعَانِيهَا : ابتداء الغاية ، وتقدير الكلام على هذا الوجه : اللهم إني أعوذ بك من الشرك ، أو أعوذ بك من أن أشرك بك ، فحذفت "من" تخفيفا وكان الإيصال بين العامل عامل الاستعاذة والمستعاذ منه بلا واسطة من ابتداء غاية أو بيان لجنس المستعاذ منه ، فقد اجتمع في "مِنْ" ، مِنْ هذا الوجه ، اجتمع فيها ابْتِدَاءُ الغايةِ وَبَيَانُ الجنس ، فذانك وجهان في المعنى اجتمعا في حد واحد من المبنى وذلك ما يجري مجرى الاشتراك في اللفظ ، وهو ، من وجه آخر ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك إذ احتمل المبنى الواحد أكثر من معنى في ذات السياق بلا تَنَاقُضٍ أو تَكَلُّفٍ بل كلاهما يعضد الآخر وهو مما يُثْرِي السياق ويزيد في دلالاته الصريحة ، ولا يخلو المجرور على تقدير : أعوذ بك من أن أشرك ، وهو "أن أشرك" لا يخلو من دلالة الإطناب إذ تُؤَوَّلُ "أن" وما دخلت عليه من العامل المضارع "أشرك" ، تُؤَوَّلُ بالمجرور على تقدير : اللهم إني أعوذ بك من الشرك ، فلا يخلو الإطناب على حد المصدرية التي تفيدها "أن" لا يخلو من زيادة معنى تضاهي زيادة المبنى ، فَضْلًا أَنْ تَجْرِيَ "أن" مجرى الاستقبال فتمحض المضارع لِلزَّمَنِ التَّالِي ، فيستصحب المعنى في الحال والاستقبال إذ هو ، كما تقدم ، مما يطرأ وَيَتَجَدَّدُ ، وكان من إطلاق العامل ما استغرق أجناس الشرك جميعا ، الأكبر والأصغر ، وإن انصرف ، بادي الرأي ، إلى الجنس الأصغر الناقض للكمال الواجب لقرينة السياق ، فقد سأل الصديق عن الجنس الأكبر الصريح أَنْ يُتَّخَذَ مع الله ، جل وعلا ، الند والشريك ، فـ : "هَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟" ، فذلك ما قال إذ خاطبه سيد الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أَنْ : "يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" ، فَنَادَاهُ نداء البعيد مئنة من تعظيم الاثنين : المنادِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمنادَى وهو الصديق الأعظم ، رضي الله عنه ، وتؤيده الكناية وهي مئنة من التعظيم كما اطرد في كلام العرب ، فلا تُكَنِّي إلا مَنْ تُعَظِّمُ كما في البيت المشهور :
أكنيه حين أناديه لأكرمه ******* ولا ألقِّبه والسوءة اللّقب .
ولا يخلو النداء في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَا أَبَا بَكْرٍ، لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" ، لا يخلو من شحذ الذهن ، ذهن المخاطَب فذلك آكد في تقرير المعنى وترسيخه ، فكان من النداء استحضارا ثم البيان استئنافا : "لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" ، فَصُدِّرَ الكلام بلام ابتداء تزيد في الدلالة فهي من المؤكدات اللفظية القياسية ، وثم أفعل تفضيل "أخفى" ، فهي تَزِيدُ في الدلالة لا سيما إن حملت على المبالغة ولا تخلو من دلالة الاستعارة بالنظر في المتعلق فَاسْتُعِيرَ دَبِيبُ النمل المحسوس لِطُرُوءِ الشرك الخفي فِي القلوب ، فهو من الجنس المعقول ، فَاسْتُعِيرَ المحسوس للمعقول ، وذلك آكد في البيان ، وبعده كان استفهام أبي بكر : "وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟" ، فذلك استفهام لا يخلو من دلالة الخبر نَفْيًا قَدْ حُدَّ حَدَّ القصر على تقدير : ما الشرك إلا مَنْ جعل مع الله إلها آخر ، على وزان الاستفهام في نحو قوله تعالى : (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) ، فتقدير الكلام : ما جزاء الإحسان إلا الإحسان ، فَضُمِّنَ الإنشاء استفهاما في قول أبي بكر رضي الله عنه : "وَهَلِ الشِّرْكُ إِلَّا مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟" ، ضُمِّنَ الإنشاء استفهامًا ، ضُمِّنَ معنى الخبر نَفْيًا قَدْ حُدَّ حَدَّ القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، ولا يخلو السياق مِنْ تَقْدِيرِ محذوفٍ ، فما الشرك إلا شرك من جعل الله إلها آخر فَحَذَفَ المضاف "شرك" وأناب عنه المضاف إليه "مَنْ جعل مع الله إلها آخر" ، وذلك من مجاز الحذف عند من يُثْبِتُهُ في الوحي واللسان ، ومن يُنْكِرُهُ فَهُوَ يجري ذلك مجرى الحقيقة ولو فِي عُرْفِ اللسانِ إذ اشتهر هذا الاستعمال فصار كالحقيقة في كلام العرب .
ولا يخلو القصر آنف الذكر ، بالنفي والاستثناء ، لا يخلو من دلالة الحقيقة بالنظر في اعتقاد المتكلم إذ ظَنَّ اقْتِصَارَ الشركِ على اتخاذ الند الآخر ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، فاستدرك النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَزَادَ فِي التوكيد ، فالخبر الأول خبر الابتداء لخالي الذهن ، والخبر الثاني قد زِيدَ في حده القسم ، فـ : "الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" فهو كالخبر الإنكاري إذ زِيدَ في تَوْكِيدِه بأكثر من مؤكد ، فكان التوكيد بالقسم واللام لام ابتداء في "لَلشِّرْكُ" ، فكان الانتقال من الأدنى ، وهو الخبر المؤكد بواحد : لام الابتداء في "لَلشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" ، إلى الأعلى وهو الخبر المؤكد باثنين : القسم ولام الابتداء في : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" ، وبعده كان الاستفهام عَرْضًا يَتَرَفَّقُ : "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟" ، ولا يخلو من دلالة التشويق والإلهاب ، فأجمل الشيء وهو ما يُذْهِبُ قَلِيلَ الشرك وكثيره ، فذلك من طباق الإيجاب الذي استغرق شطري القسمة ، القليل والكثير ، فلا يخلو الشرك أن يكون كثيرا وهو ما ينصرف إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، أو قَلِيلًا ينصرف إلى الجنس الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، وذلك ، من وجه آخر ، مما يشهد لعموم المعنى ، معنى الاستعاذة من الشرك الذي أُطْلِقَ عامله في الدعاء أَنِ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ" ، فكان من الاستعاذة من الشرك ، قليله وكثيره ، ما كان في اعتقاد أو قول أو عمل ، ما بَطَنَ تصورا وإرادة ، أو ظَهَرَ قولا وعملا ، فاستغرق محال الإيمان جميعا ، الباطنة والظاهرة ، الاعتقاد والقول والعمل فتلك قسمة الكفران التي تضاهي قسمة الإيمان فكما الإيمان : اعتقاد وقول وعمل فكذلك ضده من الكفران فهو : اعتقاد وقول وعمل ، فكان من الاستعاذة من الشرك ما قُيِّدَ بالحال "وَأَنَا أَعْلَمُ" ، وبعده كان الدعاء استغفارا مِمَّا لا يَعْلَمُ الداعي ، فَثَمَّ من المقابلة بين الشطرين ما استغرق الحالين : استعاذة مما يعلم واستغفارا لما لا يعلم ، فلا يخلو الشطر الثاني ، أيضا ، من دلالة إنشاء دل عليه الخبر على تقدير : اغفر لي ما لا أعلم ، فذلك شطر يقاسم الأول أن أعذني بك من الشرك وأنا أعلم .

فكان من إطلاق الشرك في شطري الكلام ما استغرق الأكبر منه والأصغر وإن انصرف في الخبر إلى الأصغر فهو أخفى من دبيب النمل خلافا لما ظهر منه واستبان من الشرك الأكبر الصراح فلا يخفى في العادة وإن قَارَفَهُ صاحبه لشبهة ، فهي تحول دون إطلاق الكفر المعيَّنِ ولكنها لا تحول دون وصف الناقض أنه من الكفر المطلق فلا يخفى فَهُوَ ناقض لمحكم الشرعة ، فإطلاق العامل "أشرك" مئنة من استغراق لأجناس المعنى ، وهو ما يؤيده السياق في موضع تال : "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟" ، فهو يُذْهِبُ قَلِيلَهُ وكثيره ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن كثير الشرك لا يستلزم الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فقد يكون من الرياء ، وهو من الشرك الأصغر ، قد يكون منه كثير إذ يَتَكَرَّرُ وهو مع ذلك من الجنس الأصغر ، وإطلاق اللفظ ، كما تقدم ، يستغرق سائر وجوه المعنى ، لا سيما والرياء ، أيضا ، جنس عام يستغرق وجوها منها ما ينقض أصل الدين الجامع وهو الرياء في أصل الدين ، وذلك النفاق إذ يُرَائِي صاحبه وَيُسَمِّعُ فَيُظْهِرُ من الإيمان ما لا يُبْطِنُ من ضده ، وكذلك ما يكون من رياء في عبادات لا يتصور فيها الرياء كالصلاة ، لا سيما على قول من يحكم على تاركها بالمروق ، فَمِثْلُهُ مَنْ يُصَلِّي رياءً فهو كالتارك إذ صلاته كَلَا صلاةٍ ، ومثله من يُصَلِّي بلا وضوء أو وهو جنب عالما عامدا ، فلئن حصل الوجود الكوني في الخارج صلاة بحركات في الظاهر فالوجود الشرعي المجزئ قد انْتَفَى لفوات شرط أو قيام مانع ، فلا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَارِفَ ذلك عالما عامدا مُصِرًّا فهو يكرره في كل صلاة وهو مع ذلك مؤمن ! ، فهو يَتَقَصَّدُ إبطال رُكْنٍ رَئِيسٍ من أركان الدين ، ولا تخلو الحال في صلاة كهذه أن يكون صاحبها إما مُرَائِيًا يخشى فهو يُصَلِّي صلاة الحركات بلا باعث من إيمان وإخلاص ، أو متهكما يسخر وذلك فِي نَفْسِهِ ناقض من نواقض الدين المحكم ، وإن امتثل المكلف الأمر والنهي ، ومنه ، أي الرياء ، جنس أصغر ناقض للكمال الواجب ، وهو ما يُبْطِلُ عملا بعينه ، فَيُبْطِلُ آحادا منه ولا يُبْطِلُ غَيْرَهَا ، فَقَدْ يُرَائِي في صلاة فلا تسري جِنَايَتُهَا إلى غيرها ، بل قد يَبْطُلُ من العمل الواحد شَطْرٌ دون آخر ، كمن يستأنف صلاة وهو صحيح النية ثم يطرأ الرياء على بعضها فَيُطِيلُ القراءة إذا ائْتَمَّ به غيره ، ولولا ذلك ما أطال ، فأصل النية صحيح وما طَرَأَ فَهُوَ باطل ، فَثَمَّ من قال إن الجناية تسري في العمل الذي يَتَّصِلُ فَتَبْطُلُ الصلاة كلها ، وثم من قال إن الجناية تُقَدَّرُ بقدرها فَتَبْطُلُ الزيادة ولا يبطل الأصل ، وذلك ، كما تقدم ، فيما اتصلت أجزاؤه ، وأما مَا انفصلت أجزاؤه كمجالس الدعاء والذكر والتعليم فالأمر فيها أيسر ، فهو يكف إذا طرأ عارض الرياء ، فَيُدَافِعُهُ ما استطاع ويستأنف من النية ما به يَنْسَخُ عارض الرياء فلا يضره بعد ذلك إلا إن اسْتَرْسَلَ واستحسن فلم يكن متألما مما هو فيه من نَقْصٍ إذ يغلبه الوسواس ، خلاف مَنْ كَرِهَ وَأَبْغَضَ واجتهد ما استطاع أن يَدْفَعَ أو يَرْفَعَ .

والله أعلى وأعلم .