مما تواتر في التنزيل الخاتم ، حد التكذيب وهو ما يجاوز الكذب ، فالكذب ابتداء الإخبار بما يخالف عن الحق ، والتكذيب رد لما ابتدئ من الحق ، وإن صح أن يقال إِنَّ فلانا يُكَذِّبُ بالباطل إذ يَرُدُّهُ فذلك تصديق بالحق على حد اللازم فمن كذب بالباطل آمن بالحق ، على القول باستغراق مادة الباطل لكل ما خالف وإلا فَلَوْ حملت "أل" على العهد الخاص في باطل معين فقد يكذب به ويصدق باطلا آخر ، خلاف الحق فهو واحد فمن صدق به فلا يصدق بغيره ، ومن كذب به فلا يعدل إلى حق سواه فما سواه فهو باطل ، إذ صراط الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة مُتَعَدِّدَةٌ ، فالعامل "كَذَّبَ" قد ضُعِّفَ فِي مَوَاضِعَ من الآي المحكم ، كما في قوله تعالى : (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، فذلك مما أضمر عامله كما اطَّرَدَ فِي حكاية الأخبار المستقبَلَةِ ، فتقدير الكلام : واذكر يوم نحشر من كل أمة فَوْجًا ، وذلك مما حُدَّ حَدَّ العامل المضارع الذي أسند إلى ضمير الجمع وهو ما دلت عليه النون في "نحشر" فهي حرف مبنى لا يخلو من شوب معنى إذ دل على الضمير المقدر فهو ضمير الجمع ، جمع المتكلمين ، ولا تخلو المضارعة من دلالة استقبال فذلك أمر لَمَّا يَأْتِ تأويله بعد ، فضلا عن دلالة استحضار للصورة ، فالمضارعة لا تخلو من دلالة الحال ، فاجتمع في العامل الوجهان : الحال والاستقبال ، وهو ، من وجه ، مما يستأنس به من يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ولا يخلو الجمع في الضمير المستتر الذي أُسْنِدَ إليه العامل ، عامل الحشر ، لا يخلو من دلالة التعظيم ، فذلك مَوْقِفٌ مَهِيبٌ فَحَسُنَ فِيهِ تَعْظِيمُ الرب الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وثم عموم قد استغرق كل أمة ، فكان حشر الفوج الذي نُكِّرَ فلا يخلو من إجمال قد أبانت عنه "من" في قوله تعالى : (مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا) فهي مئنة من بيان الجنس ، جنس المدخول ، ولا يظهر فيها معنى التبعيض ، فلا يحشر فوج من المكذبين دون بعض بل جميعهم يحشر ، فذلك من قَبِيلِ بَيَانِ الجنس في قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ، فلا يظهر فيه معنى التبعيض في "منهم" إذ كلهم عَدْلٌ قد وُعِدَ الخيرَ ، ولا تخلو "من" في آي المكذبين آنف الذكر في قوله تعالى : (مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا) ، لا تخلو من ابتداء الغاية ، فابتداؤها من المكذبين فهم مناط الحكم ، فلا يخلو الْبَيَانُ من دلالة تَعْلِيلٍ ، إذ أنيط حكم الحشر بمعنى التكذيب بآي الوحي ، وهو ما عَمَّ إذ أُضِيفَ إلى ضمير الفاعلين في "آياتنا" مَئِنَّةً مِنْ تَعْظِيمٍ تَقَدَّمَ صَدْرَ الآية إذ أُسْنِدَ العامل "نحشر" إلى ضمير الجمع المستتر إيجابا ، ولا يخلو من حسن تلاؤم بَيْنَ أجزاءِ الكلام ، فَثَمَّ إسنادٌ إلى ضمير الجمع المستتر إيجابا في "نحشر" ، وآخر إلى ضمير الجمع المظهر في "آياتنا" ، ولا يخلو من عموم فهو ينصرف ابتداء إلى آي الوحي خبرا وحكما ، ولا يخلو من عموم أعم بالنظر في الجنس المطلق ، فالآي مئنة من الإعجاز إذ تخرج عن العادة ، فَثَمَّ إعجاز يستوجب الاعتبار في آي الوحي المنزَّل إن أخبارا أو أحكاما ، فَثَمَّ إعجاز البيان وهو الأصل ، فذلك مناط التحدي الأول ، إذ نَزَلَ يُعْجِزُ العرب الخلص فَتَحَدَّاهُمْ في صناعتهم التي مهروا فلا يكادون يحسنون غيرها ، وثم إعجاز الإخبار عما مضى وما هو آت ، بل وثم إعجاز بَيَانٍ لأحوال قد خفيت فأخبر بها صاحب الوحي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وثم إعجاز التشريع المحكم في الأمر والنهي ، وهو ما قد علم باستقراء الفروع ، فلا تخلو من إحكام إذ رُدَّتْ إلى أصول كلية جامعة ، فلا تخلو من إحكام إن في مقاصدها الكلية أو في مَوَاضِعِهَا الجزئية وهو ما بِهِ التَّعْلِيلُ يُنَاطُ في الأحكام معقولة المعنى ، فلا ينفك الناظر يحرر المناط سواء استخرجه مباشرة فهو المنصوص وهو أَيْسَرُهَا ، أو استخرجه تهذيبا إذ يخلص من شَوَائِبِ الأوصاف الطردية ، أو تخريجا وهو أعسرها إذ يجهد العقل في تقليب وجوه المعنى ليحرر معنى صحيحا يُؤَثِّرُ في وجود الحكم وعدمه فَيَدُورُ معه طَرْدًا وَعَكْسًا ، فكل أولئك من إعجاز الآي المحكم ، وهو ما به كفاية التصور بصحيح الأخبار ، وكفاية الحكم بصريح الأمر والنهي ، فكل أولئك مما يدخل في جنس الآي التشريعي الحاكم ، وهو قسيم لجنس آخر وهو الكوني النافذ ، فذلك ، أيضا ، مناط إعجاز وإن في الحال فلا يستصحب كما الإعجاز في الشرع فهو محكم لا ناسخ له محفوظ لا مبدل له إن بالزيادة أو بالنقص ، فالآي الكوني مناط إعجاز آني لا يجاوز فَيُحْكَى بعد ذلك خبرا ولا يكون التحدي به حال الإخبار إلا إذا كان ثم نكتة تلطف ، كالإخبار بما تواطأ أهله على كتمانه كما كانت حال يهود في قصة أصحاب السبت فكتموها خوفَ المذمة ، أو كان ثم أخرى تَلْطُفُ في سنن كون قد استظهره أهل الجيل التالي بما توافر لهم من أسباب البحث والتجريب ، وإلا فإعجاز الآي الكوني يقتصر على أهل زمانه في آي جلال كإهلاك طاغوت أو إِنْزَالِ العذاب العام أو الخاص مع بقاء آثار تشهد كما في قوله تعالى : (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) ، فَثَمَّ توكيد بالناسخ "إِنَّ" ، فضلا عن اسمية الجملة فتقدير الكلام حال انفصل الضمير ، ضمير الخطاب المجموع ، تقدير الكلام : أَنْتُمْ تَمُرُّونَ عليهم مصبحين وبالليل ، ولا يخلو الضمير "أنتم" أو كاف المخاطب المجموع جمع التذكير في "إنكم" ، لا يخلو من دلالة التغليب فلا يقتصر على الجمع المذكر بل يستغرق كل مكلف ، وكذلك الشأن في ضمير الجمع في "تمرون" ، وثم لام قد أخرت فَزُحْلِقَتْ في "لَتَمُرُّونَ" لئلا يجتمع صدر الكلام مؤكدان ، فهي لام ابتداء مُقَيَّدَةٌ زِيدَ في وصفها أنها المزحلقة لعلة التَّزَاحُمِ فَلَا يثقل الكلام على الناطق ، فكان من زيادة اللام وتأخيرها ما به استصلاح اللفظ وتوكيد المعنى ، وزد عليه دلالة المضارع في "تمرون" فَبِهَا استحضار الصورة ، فضلا عن تكرار الفعل ، فعل المرور صباحا ومساء ، وهو أمر يستقبل ، فَيَتَكَرَّرُ بِتَجَدُّدِ زَمَانِهِ ، وَثَمَّ طباق إيجاب قد استغرق شطري القسمة الزمانية ، صباحا ومساء ، وذلك آكد في الاعتبار والنظر ولا يخلو من تسجيل الحجة على المار فلا يكون مروره لهوا أو لعبا ، وإنما يَتَخَشَّعُ وَيَتَذَلَّلُ ويطلب النجاة إذ يعتبر اعتبار الطرد والعكس بمصير من كذب من القوم فلا يساويهم في الحال لئلا يطاله ما طالهم من العذاب ، وإنما يخالف عن جادتهم ويسلك ضدها فيحصل له ضد ما قد حصل لهم ، فيكون الاطراد والانعكاس في الاعتبار ، فمن اعتبر بمآل من كذب سلك ضد جادتهم فصدق ، فكل أولئك من الآي الكوني الذي انقضى زمانه وبقيت آثاره ، ومنه ما ذكره الوحي واستبان إعجازه بعد قرن أو اثنين ، فكان من إعجاز التكوين ما اتصل زمانه فكان حجة على كل عَالِمٍ ، فذلك مما احتج به الرب ، جل وعلا ، على مشركي العرب ، فكان الاستفهام إنكارا وتوبيخا : (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، فتلك آية أن علمه العلماء من أهل الكتاب الأول بما عندهم من الوحي المنزل ، فَبِهَا يستدل من ليس له من الرسالة حظ ، بِهَا يستدل على صدق الوحي وعدله ، فلا زالت آياته تشهد ، فكان من الجنس الأعلى المطلق ما جَرَّدَهُ الذهن فهو مئنة من أمر يعجز فيخرج عن العادة فليس مما يطيقه الخلق ، ومنه ما اطرد سننا يجري فقد لا يظهر فيه حد الإعجاز كشروق الشمس وغروبها فَهُوَ مما يتكرر حتى اعتاده الخلق فلا يتدبرونه ، ولو تدبروا لعلموا منه وجوه إعجاز لا سيما في الأعصار المتأخرة ، فكان من إطلاق المادة في الذِّهْنِ ، مادة الآي ما دَلَّ على الإعجاز ، وَكَانَ من انقسامها في الخارج ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، آي التشريع ، ومنه الخبر إثباتا ونفيا ، والإنشاء أمرا ونهيا ، وآي التكوين ، ومنه ما يكون على حد التكريم معجزة نبوة أو كرامة ولاية ، كما قد اصطلح من تأخر ، فجعل آي التكريم على ضربين : ما يتحدى به من معجزة النبوة ، وما يستعان به من كرامة الولاية ، وثم من أطلق فلم يقصر المعجزة على التحدي وإن كان ذلك هو الأصل في آي النبوة ، فمنها ما لم يكن على حد التحدي كتكثير الطعام بين يدي صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو انفجار الحجر إذ ضربه الكليم فانبجست منه الأعين قد علم كل أناس مشربهم فلا تخلو من تكريم للكليم ، عليه السلام ، من وجه ، وعناية بالقوم أن يشربوا فلا يهلكوا ، فَثَمَّ من أطلق في المعجزات وكذا الشأن في الكرامات ، كرامات الأولياء ، فَلَئِنْ كان الأصل فيها الاستتار فلا يُتَحَدَّى بها خلافا لما تقدم من آي النبوة فالأصل فيها الاشتهار إذ هي مناط التحدي ، فالأصل في الكرامات ألا يكون ثم تحد بِهَا ، فهي مما يستعين به أهل الولاية ، فيستترون بها كما تستتر الحائض بدمها ويحمدون الله ، جل وعلا ، على عظيم فضله أن اختصهم بهذه العناية ، وهي مع ذلك فلا تخلو من مواضع تحد كما تحدى خالد ، رضي الله عنه ، فاحتسى السم بعد أن ذكر اسم الله ، جل وعلا ، فلم يصبه أذى ، وكذا يقال في قسمة أخرى ، فثم من آي التكوين ما يجري مجرى التكريم ، ومنه ما يجري مجرى الإهانة كما يذكر أهل السير في خوارق كذاب بني حنيفة ، فوضع يده على رءوس فصلعت ، وحنك أفواها فلثغت ، فكان من قسمة الآي ما أنيط الحكم ، حكم الحشر في موضع الذم ، ما أنيط بالتكذيب بها ، فَمَنَاطُ التَّعْلِيلِ هو معنى التكذيب الذي اشتق منه العامل المضعَّف "يُكَذِّبُ" ، ولا تخلو المضارعة فيه ، أيضا ، من استحضار الصورة ، وإلا فتقدير الكلام حال وقوع تأويله أن يُحَدَّ حَدَّ الماضي إذ كان منهم التكذيب ابتداء فكان العقاب يوم الحشر أن حشروا فهم يوزعون ، فتقدير الكلام في يوم الحشر : ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن كذب بآياتنا فكان منه التكذيب في دار الابتلاء والتكليف ، وكان الحشر يوم الحساب والجزاء ، ولا يخلو الاسم الموصول "مَنْ" في قوله تعالى : (مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا) ، وهو موصول اسمي مشترك ، لا يخلو من دلالة عموم من وجوه ، فيدخل في حده الجنس المؤنث وإن حُدَّ حَدَّ المذكر ، لِقَرِينَةِ العمومِ في خطاب التكليف المنزل ، ولا يخلو من دلالة عموم يستغرق الجمع وإن حُدَّ مفردا ، فكان من رعاية المعنى أن ختمت الآية بالجمع في ضمير الغائب وواو الجماعة في قوله تعالى : (فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، فَلَوْ رُوعِيَ لفظ الموصول "من" ، وهو اللفظ المفرد لختم السياق بقوله فهو يوزع ، إن بالنظر في مرجع الوصل "من" فهو ، كما تقدم ، مفرد في لفظه ، أو بالنظر في مرجع الفوج فهو أيضا مفرد في لفظه جمع في معناه بالنظر في آحاده ، فكان من إجمال الفوج نكرة ، وكان من تخصيصه بالوصف وهو متعلق الظرف : (مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا) ، وكان من الختام ما عطف بالفاء في قوله تعالى : (فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، فلا تخلو من دلالة الفور والتعقيب ، وذلك آكد في الذم والتنكيل فذلك موضع وعيد في حق من كذب بآي الله ، جل وعلا ، المحكم ، فهم يوزعون إذ يُحْبَسُ أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا تحت لواء واحد ، فالعدد ، كما يقول بعض المحققين ، كثير وَأَطْرَافُهُ مُتَبَاعِدَةٌ ، وقد ذكر ابن عباس له مثلا بجمع يَتَصَدَّرُهُ أبو جهل والوليد وشيبة ، وهم أساطين الكفر في قريش ، فذلك مما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه فَهُوَ من تفسير العام بمثال خاص فلا يحول دون دخول غيره إذ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللفظِ لا بخصوص السبب أو المثل المضروب فإنما ضُرِبَ تَقْرِيبًا لِلْفُهُومِ ، فيدخل فيه ما سواه ، إذ المعنى يستغرق الجميع ، وذلك مما يَثْرَى به المعنى إذ يستبين بكثرة ما يُضْرَبُ من المثال المفهِم ، ولا تخلو المضارعة هنا ، أيضا ، في "يوزعون" ، لا تخلو من دلالة استقبال فَلَمَّا يأت تأويله بعد ، فضلا عن دلالة استحضار للصورة بالنظر في الدلالة الحالية للصيغة المضارعة .
وذلك خبر ذم للمكذبين فَيُفِيدُ بلازم أول إنشاء النهي أن لا تسلكوا جادتهم فَتَلْقَوا ما سَيَلْقَوْنَهُ من العذاب وسوء الحساب ، وهو ما يفيد لازما آخر في الإنشاء وهو الأمر بضده أَنْ : صَدِّقُوا لا تدخلوا في حد هذا الوعيد ، فالنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده .

والله أعلى وأعلم .