الوفاء بالعقود وإنفاذ العهود هو ، لو تدبر الناظر ، من أعظم أخلاق المساجد التي تجاوز ، بداهة ، مواضع الصلاة والتلاوة والدعاء ، وإن كانت من أعظم شعائر الديانة ، وَذَلِكَ ، أي الوفاء بالعقود ، مَا أمر به الشارع ، جل وعلا ، أمر العموم الذي يستغرق سائر العقود كما في قول الرب المعبود جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فذلك أمر إيجاب يستغرق ، فيستغرق بإطلاقه الوفاء بالقول والعمل ، فضلا عَمَّا يُسْتَصْحَبُ ، أبدا ، من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، إلا أن يَرِدَ دليل صارف ، وليس ثم ما يصرف في هذا الموضع ، بل تصدير السياق باسم الإيمان على حد الوصل المجموع في "الذين" ، وهو مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، هذا التصدير مما يرشح الأصل المستصحب ، عموم التكليف الملزِم للرجال والنساء جميعا وإن حُدَّ اللفظُ مذكرا على حَدِّ التغليب آنف الذكر ، وفيه أي الموصول "الذين" يُقَالُ ما يُقَالُ في ضمير الجمع في "آمنوا" ، فمناط النداء من حصل فيه وصف الإيمان فهو أول من يدخل في هذا الخطاب إن ذكرا أو أنثى فمعنى الإيمان يقوم بهما جميعا بلا فرق يظهر إلا إذا نُظِرَ في مُسَمَّى الإيمان الجامع للاعتقاد والقول والعمل ، فَهُمَا ، أي الرجل والمرأة ، في الاعتقاد والقول على حَدٍّ سواء ، وإنما اختلفا في بعض الأعمال فَكَانَ لِكُلٍّ مِنَ التكليف في مواضع ما يَلِيقُ بِخِلْقَتِهِ وإن كان الأصل في العمل ، أيضا ، التَّسَاوِي ، فكان من معنى الإيمان ما أُنِيطَ به النداء ، نداء البعيد على حد التعظيم ، من وجه ، تعظيم المنادي ، جل وعلا ، فهو العلي بالذات والوصف فكان نداؤه من بُعْدٍ ، من هذا الوجه ، وإن كان قَرِيبًا من آخر قُرْبَ الإحاطة بالعلم ، فـ : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، وَقُرْبَ الإجابة بالوصف ، فـ : (إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ، فَثَمَّ من ندائه ، جل وعلا ، نداء البعيد ما به التعظيم ، من وجه ، والتكليف من آخر إذ يُنَادِي المكلَّف ، ولا يخلو من استحضار ذهن المغفَّل وذلك ما يرجح وجها آخر أن يخاطب به كُلُّ مُكَلَّفٍ آمن أو كفر ، فالكافر مؤمن بالقوة بما رُكِزَ فيه من الفطرة وإن لم يكن مؤمنا بالفعل كما هي حال من صَدَّقَ وَامْتَثَلَ ، فكان من العموم ، لو تدبر الناظر ، ما يستغرق كل مكلف ، ذكرا أو أنثى بدلالة التغليب في خطاب التكليف ، مؤمنا أو كافرا إذ يتوجه خطاب التكليف إلى الكافر ولو فَرْعًا فيخاطب به امتثالا له وامتثالا لما لا يصح إلا به من تكليف الإيمان الأول فهو أول واجب على العبيد ، فكان من الموصول "الذين" ما أُجْمِلَ ، وبعده الْبَيَانُ المستغرِقُ على ما تَقَدَّمَ من استغراق مادة الإيمان كُلَّ أحدٍ ، وإن توجهت ابتداء إلى من آمن بالفعل ، فلا يقتصر الخطاب عليه بل ثم آخر لمن آمن بالقوة بما قد رُكِزَ فيه من الفطرة ، فذلك ما يُسْتَصْحَبُ في كل موضع ، فضلا عن آخر عام يجمع إذ يُبِينُ عن عالمية الرسالة الخاتمة كما في مواضع من الآية النازلة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، و : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) .
وهو ، أي الأمر بالوفاء ، تكليف عام يَسْتَغْرِقُ وهو مبدأ كلِّ تكليف يَتْلُو ، بالنظر في الوفاء بعقد التوحيد الأول ، وَثَمَّ عموم آخر يستغرق وهو عموم "أل" في "العقود" ، فهي مئنة من بيانٍ لجنس المدخول من وجه ، وأخرى من عموم يستغرق آحاد المدخول فمنها عقد الديانة ومنها عقد السياسة ، ومنها عقد التجارة ، ومنها معاهدة السلم والحرب ...... إلخ ، ومنها عقد العلم الباطن وعقد القول والعمل الظاهر على وجه استغرق ، أيضا ، أجزاء الحقيقة الإيمانية في الخارج اعتقادا وقولا وعملا ، فذلك أمر قد عَمَّ ، كما تَقَدَّمَ ، فيدخل فيه كل عقد عام أو خاص ، عقدٍ يُبْرِمُهُ المتعاقد مع الرب الخالق ، جل وعلا ، أن عَقَدَ جنانه وَحَزَمَ أمره أَنْ يَعْبُدَهُ وحده ، فَصَدَّقَ بِمَا جاءت به النبوات ، وامثتل ما شرعت ، فَصَدَّقَ الدعوى العلمية بالأدلة العملية ، فذلك أعظم عقد وهو مناط السعادة والنجاة مُرَادِ كُلِّ عاقلٍ في الأولَى والآخرةِ ، وهو أصل كل عقد نافع ، فلا ينفك الوفاء بكل ما بعده أن يكون فرعا عنه ، فإن الوفاء من أعظم الشيم وأرفع القيم ومعدنها الناصح هو الوحي النازل الذي يواطئ فطرة التكوين الأولى ، فطرة التوحيد فهي باعث الخير في التصور والحكم ومنه الوفاء بالعقد ، فلا تجد مُعَظِّمًا لهذا الأمر ، إلا وفي نفسه من آثار الفطرة الإلهية ما به يُوَقِّرُ القيم الأخلاقية ومن أشرفها قِيمَةُ الوفاءِ ، وانظر في السموأل بن عادياء ، وهو مضرب مثل في هذا الباب ، فهو يهودي عربي قد تلبس هذا الخلق الشريف واكتسى منه لحاءَ صدقٍ وشجاعة ، فَبَذَلَ في سبيله ما حفظه الله ، جل وعلا ، فأعلى ذكره في الأرض ، وإن لم يكن له في الآخرة حظ ، فكان من العدل الإلهي أن رَفَعَ ذِكْرَ مَنْ وَقَّرَ مكارم الأخلاق ، فهي تشفع لصاحبها ولو في الدنيا عاجلَ فرجةٍ وعاجل رفعةٍ ، كما قال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لابنة حاتم ، فأمر أصحابه أن : "خَلُّوا عَنْهَا فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَاللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ" ، فَأَمَرَ أَمْرَ الإيجاب أَنْ :"خَلُّوا" ، وهو بالنظر في بساط الحال ، مما خص بِقَبِيلٍ أو قوم يمتثلون هذا الأمر امتثال المباشرة فلا يمتثله بداهة كل المخاطبين فَوَاحِدٌ مَنْ يخلي سبيلها أن يَفُكَّ قَيْدَهَا وَيُطْلِقَ سَرَاحَهَا ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن إخلاء سَبِيلِهَا فِعْلٌ يجاوز من يباشره فالآخرون يُقِرُّونَهُ فلا يَنْقُضُونَهُ ، فلا يجرؤ أحد أن يَعْتَرِضَهَا ، فَهُوَ يَتَأَوَّلُ الأمرَ بالكف كما يَتَأَوَّلُهُ مَنْ يُخَلِّي سَبِيلَهَا بالفعل ، فكان من الأمر ما انصرف إلى الإيجاب والفور ، وبساط الحال مما يُرَشِّحُ الفور ، أيضا ، إذ ذلك خُلُقُ الكرامِ أن يُعَجِّلُوا بالعفو وَيُكْرِمُوا أهل الفضل ، وَيُقِيلُوا عثرات الكرام ، فأولى الناس به خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنما بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مكارم الأخلاق ، فـ : "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ" ، فذلك ما حُدَّ حَدَّ القصر فلا يخلو من دلالة المبالغة ، وقد يقال إنه على حد الحقيقة بالنظر في معنى الأخلاق العام فهو يستغرق سائر أحكام الشريعة علما وعملا ، فالأخلاق مئنة من الشمائل التي تمازج الخلقة فهي مَا يِنْتَحِلُ صاحبها مِنْ دين وشرعة ، وذلك مثال الوحي التام الذي يستغرق كل فكرة وحركة ، فلا يقتصر ، كما يقول أعداء الوحي على ما خَصَّ الفردَ من شعائر وشمائل دون أن يكون ثم نظام يجمع ، فَثَمَّ من يَسْتَدِلُّ بما عليه يشهد ! ، كما استدل من استدل بآي الوحي المحكم : (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) ، فإن المساجد لله بالنظر في مواضع السجود وهو مئنة من الانقياد والخضوع فَيَسْتَغْرِقُ كُلَّ حكمٍ فلا يقتصر على الصلاة المعهودة في الشرع فضلا عن دلالة الدعاء فلا يقتصر على الدعاء طلبا برفع الأكف فإن الدعاء اسم عام يستغرق العبادة جميعا ، والعبادة ، من وجه آخر ، اسم جامع يستغرق كل ما يحب الله ، جل وعلا ، من قَوْلٍ أو عمل ، من فِعْلٍ أو كَفٍّ ، فلا يقتصر على ما قد يَتَبَادَرُ من فعل الفرد المكلف ، فَثَمَّ من أعداء الديانة مَنْ يَرُومُ الفصل والقصر ، فيفصل أمر الدنيا عن أمر الآخرة ويقصر فعل المسجد على الصلاة والدعاء والتلاوة ، فلا يكون للمسجد الذي كان بالأمس في المركز ، لا يكون له حُضُورٌ في المشهدِ إلا في طرف المجتمع والحياة فهو مَعْبَدُ الشعيرة بلا شريعة ، بل لا أَثَرَ لها يظهر خارجَ المعبدِ ولو في أخلاق الخاصة وما يَتَعَاطَوْنَ من عقود التجارة والإجارة ...... إلخ ، فَجُرِّدَتِ الشعيرة من آثارها النَّافِعَةِ في النَّفْسِ العاملة ، فصارت شعيرتها في حد ، وتجارتها وسياستها .... إلخ في آخر ، فانشطر الجنان وصار على طرفي نقيض ! ، فَطَرَفٌ في المعبد يصلي وآخر في الخارج يَسُوسُ وَيَتَّجِرُ ، وهو بذلك يفاخر أنه لا يدخل أمر الحياة في الوحي ، فقد ضاقت دائرته وانحسرت فلا تجاوز إلا تصور العلم المجرد مِنْ آثارِه في الجنان تصديقا وانقيادا يجاوز ، كما تقدم مرارا ، حد العرفان المجرد الذي يحصل لكل سامع فلا يستوي من سمع ومن استمع ، فالثاني قد تَكَلَّفَ من السمع ما أَبَانَتْ عنه الزيادة في حد العامل "استمع" ، فزيادة الألف والسين والتاء مئنة من الطلب كما قال أهل الشأن من أرباب الصرف ، فكان من زيادة المبنى مئنة من أخرى في المعنى ، فَثَمَّ انقياد وإذعان باعثه الرضى والقبول ، وآثاره الباطنة إرادة جازمة باعثها الحب فهو مادة الفعل ، والبغض فهو مادة الترك وبهما اكتمال القسمة في الخارج ، قسمة العمل ، فهو بَيْنَ الفعلِ إيجابا والترك إقلاعا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يستغرق سائر الأحكام فلا يقتصر على باب دون آخر ، فما من نازلة في شرعة أو سياسة أو حرب إلا وثم باعث إرادة باطن رائده الحب تَارَةً والبغض أخرى فإن لم يسلك صاحبها جادة محكمة تُلْجِمُ هَوَاهُ وذوقه فَتَأْطِرُ حُبَّهُ وَبُغْضَهُ على الحق ، فهو لا محالة سالك أخرى باعثها الهوى والذوق وما يطرأ من حظ النفس ، وهو ما لا نهاية له ، فصاحبه إن كان ذا بَقِيَّةٍ صالحة من فطرة ناصحة فلا يَنْفَكُّ يَتَأَوَّلُ ما يُقَارِفُ عَلَى سَنَنِ الحق النازل وإن خالف عنه صراحة أو ضمنا ، وكلما باعد عن الحق كان تأويله أضعف فهو بَيْنَ البعيد والباطل كما يُضْرَبُ المثل مِرَارًا بِتَأْوِيلِ أهل الباطن فهو أفحش أجناس التأويل إذ لا قرينة له من وحي أو لسان ولو بعيدا يُهْجَرُ ، فإن كان المخالف في هذا الباب مجاهرا بحرب الرسالة وخصومة الوحي فَمَا يلجئه أن يَتَأَوَّلَ لِمَا يُقَارِفُ بل هو به يجاهر ويفاخر سواء أكان من غير أهله بالنظر في النسبة والنشأة أم كان ممن يَنْتَسِبُ إليه اسما بلا مسمى ، صورة بلا حقيقة ، دعوى بلا بَيِّنَةٍ ، فذلك ما يدخل في حد المجاهر في قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ" ، فلا عافاه الله ، جل وعلا ، إذ استثناه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تاب عليه فما أجدره بدعوة الكليم ، عليه السلام ، وهو النبي الجليل وإن لم يخل من لِينٍ في القول أمره به الرب ، جل وعلا ، فـ : (قُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) فامتثل في العرض إذ تَرَفَّقَ ، فـ : (قُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) ، فلما آيس مِنْ فرعون والملإ دعا دعوة الجلال أَنْ : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، فلا تاب الله عليهم حتى يروا العذاب فلا تُقْبَلُ لهم توبة ولا تجوز فيهم شفاعة ، فكان من الإجابة ما حُدَّ تحقيقا ، فـ : (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) ، فكان التحقيق إذ دخلت "قد" على العامل الماضي "أُجِيبَتْ" وهو ما أُسْنِدَ إلى ما لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ إذ قد عُلِمَ بداهة فلا يجيب الدعاء ، جلالا أو جمالا ، إلا الله ، جل وعلا ، فذلك ما يحسن في حق من يجاهر بخصومة الوحي فلا يستحيي ولو تصنعا يَتَكَلَّفُ لأجله تأولا ، وإن بعيدا ، فمن جهر بالعصيان ومنع المساجد أن يذكر فيها اسم الرحمن ، جل وعلا ، وذلك ما يجاوز ما قد يتبادر إلى الأذهان لا سيما في أعصار عظمت فيها البلوى فَعُزِلَ الوحي عن الرياسة والدفة ، وصار حده في الناس طرفا بعيدا لا يجاوز حد الشعيرة وجملة أخلاق لا تأويل لها في عامة الأحوال إلا ما ندر ، فَذِكْرُ الله ، جل وعلا ، في المساجد ذكر المركز إذ يحكم في الأطراف ، أطراف الحياة من السياسات والتجارات وسائر المعاملات ، لا جرم ، كما يقول بعض المحققين ، أَنْ ظَهَرَتْ آثار ذلك في العمران ، فهو يحكي معادن الفكرة ومصادر الشرعة ، فكان المسجد في المركز في خطط العمران السالف إذ كان الوحي هو الحاكم ، فكان المسجد محل الصلاة ومحل الشورى ومعقد ألوية الفتح ومعهد الدرس والشرح ، فهو مركز الحياة إذ اتحدت الجهة فلم تَنْفَكَّ ، جهةُ : (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فليس شيء مِنْهَا لغير الله ، جل وعلا ، في أمر الحكم والرياسة ، وآخر يفضل ! ، فهو لله ، جل وعلا ، شعيرة تُؤَدَّى على عَجَلٍ فِي مَعْبَدٍ قد أقفر وَسُلِبَ خاصته الرئيسة ، خَاصَّةَ الوحي الذي يُتْلَى في جوانبه أن يَسْتَغْرِقَ سائر الأحوال الاختيارية فلا يقتصر على بَعْضٍ دون بَعْضٍ بلا دليل يُفَرِّقُ فليس إلا التحكم هوى وذوقا يُفَرِّقُ بين المتماثلات ويشطر الجهة المتحدة إلى اثنتين ، فجهة الشعيرة المجردة من الفعل والتأثير في المعبد الذي ألحق بالصوامع والبيع ، فانقطعت نسبته إلى الحياة إذ صار مأوى رهبان اعتزلوا الحياة فَبَطَلَ تأثيرهم في الجمع إذ ضَعُفُوا أن يصدعوا بالحق فانحازوا فرارا ، وذلك وإن شرع في أحوال لا سيما إذا عظمت الفتن وعجز الناظر أن يناجزها وخشي أن تَفْتِنَهُ فَتَصْرِفَهُ عن جادة الحق المحكمة ، فذلك وإن شُرِعَ في أحوال ، فلا يكون هو الأصل لا سيما في رسالة الختم فلا رسالة بعدها تُبِينُ ، فإذا انصرف أهلها جميعا وآووا إلى المساجد وما استحدث من الزوايا والتكايا والخانقاوات فمن يَنْهَضُ بأمر الوحي أن يكون له الفصل في كل خصومة ، فَلَهُ في كل حال تكليف يَأْمُرُ أو يَنْهَى إن في خاصة النفس أو عامة الجمع ، فكل أولئك مما يدخل في حد الأخلاق الجامع الذي يجاوز ، كما تقدم ، الخلال والشمائل النفسانية من كرم وشجاعة ..... إلخ ، فالأخلاق تستغرقها وتجاوزها إلى الباعث الأول ، باعث التوحيد والرسالة ، فهو أول مَنْزِلٍ فإن صَحَّ صَحَّ ما بعده ، وإن فسد الأول فسد الآخر فلا ينفع صاحبه إن نَفَعَ إلا ذكرا يحسن وعيشا يهنأ ولا خلاق له بعد ذلك ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ، فليس ثم في الآخرة إلا الهباء المنثور ، وإن كان من عدل الرب المعبود ، جل وعلا ، أن حفظ لصاحب الخلق الشريف حظه من الذكر الحسن والمدح الجميل ، كما حفظ لحاتم كرمه ، فكان شفيعا لذريته من بعده ، فلا يعدم فاعل الخير جوازيه ، فـ :
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ ******* لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ .


فكان من الثناء والخير ما به يستوفي صاحب الأخلاق حظه في الأولى إن لم يكن باعثه التوحيد الذي جاءت به الرسالات ، فهو أول منازل النجاة والسعادة وهو أصل الأخلاق والديانة ، فما بعده من أخلاق وأحكام وسياسات وتجارات وسائر ما يَتَعَاطَى الخلق من معاملات ، ما بعده فهو فرع عنه ، فلا يصح إلا إن صح الأصل ، فصحة الحكم من صحة التصور الذي يسبق ، فالحكم له تال يشفع ، على وجه اتحدت فيه الجهة فلا تنفك ، فجهة العقد والقول والعمل واحدة ، فكلها أجزاء الحقيقة الإيمانية الكاملة ، واسم الأخلاق ، كما تَقَدَّمَ ، يستغرقها ، فهي أخلاق الباطن ومبدؤها التصور علما ، فإذا صَحَّ وَصَحَّ المحل فهو يقبل آثار الحق بما أُلْهِمَ من هداية التوفيق والرشد ، فكان من صحة البيان والإرشاد ما واطأ محلا يقبل ، فكان التصديق الذي يجاوز ، كما تقدم ، العرفان المجرد ، فهو قبول وإذعان فلا يكون إلا بِرِضًى وانقياد به انبعاث الإرادة فعلا وَتَرْكًا ، فهي تأويل ما يكون في الجنان حُبًّا أو بُغْضًا ، فيكون الهوى تَبَعًا لما جاء به الوحي ، فهو يحب ما شرع ويبغض ما حظر ويجاهد النفس أن تُسَلِّمَ فلا تَجِدُ الحرجَ وَلَا الْعَنَتَ ، فتلك بينة الإيمان المجزئ ، فـ : (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، ولازم ذلك في الخارج ضرورة : قول وعمل يصدقه ، فهو شطر القسمة الثاني : قسمة الباطن تصورا وإرادة ، والظاهر قولا وعملا ، فهو لازم من وجه وقسيم من آخر يُشَاطِرُ الباطنَ قسمة الإيمان المجزئ إذ حَدَّهُ بعض أهل الشأن أنه القول والعمل ، فجعل القول على أنحاء منها ما بطن من التصديق وما ظهر من شهادة التوحيد ، وجعل العمل على أخرى منها ما بطن كالحب والبغض فهما أوثق العرى وهما باعثا الإرادة فعلا وكفا ، وما ظهر فهو التصديق بالقول تارة والسكوت أخرى ، بالفعل تارة وَالتَّرْكِ أخرى ، فانشطرت الحقيقة الدينية الشريفة إلى قول وعمل في قسمة الاثنين ، ولا تخلو من أخرى على شطرين : الباطن والظاهر ، فاستغرق الإيمان جميع الخلائق والشمائل وما يكون من آثارها في الجنان والأركان ، فلإتمامها كان بعث النبوات فهي ، لو تدبر الناظر ، معادن الإيمان المجزئ إن على قسمة الاثنين آنفة الذكر ، أو على أخرى فهي على أنحاء ثلاثة فكان من خُلُقِ الباطن اعتقاد ناصح فهو التوحيد السالم من كَدَرِ الشرك ما ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ ، ما كان في العقد أو بِقَوْلٍ أو عمل يخدش الأصل الجامع كما في نواقض الدين التي استقرأها أهل الشأن فَمِنْهَا ما يكون في الباطن اعتقادا بالباطل أو نقضا لاعتقاد الحق الناصح ، ومنها ما يكون في الظاهر بما يقارف الجناة المارقون من الأقوال والأعمال الناقضة ، فلا يقتصر جرم الشرك وسائر ما ينقض أصل التوحيد والإيمان فهو يجاوز الشرك إلى نواقض أخرى ، لا يقتصر كل أولئك على الاعتقاد الباطن كما زعم المحدِثة في باب الأسماء والأحكام من المرجئة لا سيما من غَلَا فَقَصَرَ الإيمان على التصديق المجرد أو العرفان المحض وَقَصَرَ الناقض على انْتِفَاءِ العلم من القلب أو انْتِفَاءِ التصديق فلا يُؤَاخَذُ من صَدَّقَ وإن قارف من نواقض القول والعمل ما قارف ، فهو يعلم بل ويشهد بلسانه بل ويجاوز في أحيان فيبذل طرفا من الشعائر ولو رياء به يداهن ، فَبُغْضُهُ للوحي وآله لا ينفك يظهر في فَلَتَاتِ اللسان ومراسيم الأحكام إن كان من أصحاب الولايات العامة كما قد عظمت البلوى بهذا الصنف في أعصار الانهيار والضعف ، فَوَلِيَ الأمر من يُبْغِضُ الوحي ويقدح في الشرع فهو يجاهر ويفاخر بهدم المساجد وإبطال الشعائر فضلا عن الشرائع ! ، فما أجدره بالدخول في الاستفهام المنكر الموبِّخِ الذي يتوعد هذا الصنف المحقَّر في عيون الخلق وإن صار له الأمر ، فكان من الاستفهام ما يَتَوَعَّدُ ، فـ : (مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) ، فذلك الظلم الأكبر الناقض للأصل ، وإن كان المانع ممن يصلي في أحيان بل قد يكون له في ذلك شأن ، وإن رياء وطلبا للحمد ، فالمنع ، كما تقدم ، ليس منع الشعيرة أذانا وصلاة ، وإن كان ذلك مما يدخل في العموم بداهة بل هو أول ما يدخل في حد المعنى ، فَثَمَّ منع يجاوز أن يعطل الوحي النازل ويعطل المسجد فهو ، كما تقدم ، المركز وما سواه فطرف به يُحْكَمُ ، فمن المسجد يخرج العالم والمفتي ، ومنه يصدر الساسة في أحكامهم ألا يجاوزوا الوحي في دقيق أو جليل ، ومنه يصدر الجند في غزوهم أن يحملوا الوحي إلى سائر الأمم ، ويتحروا العدل في سلمهم وحربهم فتكون وصاية النبي الأكرم ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وصديقه الأعظم ، رضي الله عنه ، إذ يوصي أسامة وهو يُوَدِّعُ ، فتكون هذه وصايتهم ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فذلك من تمام المكارم بل هو لها أصل جامع ، فالعدل آكد الفرائض وأشرف الشمائل وأعظمه التوحيد إذ يُفَرِّقُ بَيْنَ أعظم مختلفين ، الإله الحق في حد وآلهة الباطل من الطواغيت حسا ومعنى ، حجرا وحكما ، فذلك تصديق الوحي المحكم أَنْ : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) ، فكان من المقابلة بين الشطرين ، وطباق الإيجاب بين المادتين : مادة الحق ونظيرتها من الباطل ، كان منه فُرْقَانٌ مبين يواطئ القياس الصريح إذ يُفَرِّقُ بَيْنَ المختلفين ، فلا يسوي بينهما فالتسوية في هذه الحال ظلم أي ظلم ! إذ تخالف عن صحائح المنقول وصرائح المعقول ، فكل أولئك إنما يصدر عن المسجد الذي يخاصمه أعداء الوحي فلا ينفك الحرج وَالنَّزَقُ أن يكسو قسماتهم القبيحة وكلماتهم البذيئة ، فكان من ظلمهم الأكبر الناقض لأصل الديانة ما صدر به السياق استفهاما قد ضُمِّنَ معنى النَّفْيِ فلا أحد أظلم منهم ، وهو ما يحمل على المبالغة في قول ، والحقيقة في آخر إذا اقتصر الناظر على الباب فلا أظلم منهم في هذا الباب ، باب المساجد والمنابر التي وضعت في الأرض ليوحد الله ، جل وعلا ، ويعبد ، فلا أظلم ممن منع المسجد فجعله في الأطراف ومحله ، كما تقدم ، المركز ، فهو الأصل الرائد وهو الحافز الباعث إذ فيه الجهر بالتوحيد الذي يصدر عنه التشريع ، وفيه إتمام الأخلاق وبيان الأحكام التي عمت الباطن والظاهر ، الخاص والعام ، فاستغرقت الصلاة والنسك والمحيى والممات ، فكلها لله ، جل وعلا ، استحقاقا واختصاصا دلت عليه اللام في "لله" في قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، مع حسن ختام يجري مجرى التعليل إذ يقرن الحكم ألوهيةً واجبةً بِعِلَّتِهِ من الربوبية العامة الجامعة ، فالمسجد فِي المحل الأوسط فهو مركز الدين والدنيا ، وهو في المحل الأعلى فلا مرجع يجاوزه ، وهو ما ظهر ، كما تقدم ، في خطط العمران التي تحكي باعث الْبُنْيَانِ ، فلا تخلو من فكرة تدق ، فكان المسجد المركز والملجأ ، ثم كان النقص أن زاحمه قصر الإمارة ، فكان من السياسة المحدثة ما جاوز المسجد ، وإن لم تبلغ الحال أن يعطل المسجد فيكون الأمر للقصر ، فلا زال القصر وإن ظَلَمَ ، لا زال للمسجد يخضع ، وإن خالف عنه شيئا فشيئا فكان أول الوهن الذي لم يَزَلْ يعظم ، حتى آلت خطة العمران المعاصر ، كما يقول بعض الفضلاء ، أن يكون السوق في المركز فهو باعث الحركة ومصدر الشرعة ، فصارت الدنيا في المركز مُتَاجَرَةً ومضاربة ، وصارت السياسة والحرب آلتها ، بعد أن كان الكتاب الهادي ، كتاب المسجد ، هو الأصل وكانت السياسة الحاكمة والحديد الناصر له تَبَعًا فهو الآلة في إنفاذ الوحي وإقامة العدل ، فذلك جوهر الأخلاق الناصح الذي نَزَلَ الوحي الخاتم لِيُتَمِّمَهُ ، وجاء من جاء لِيُحَرِّفَهُ وَيُعَطِّلَهُ ، فهو أظلم الناس إذ منع المساجد أن تكون هي المراجع والبواعث ، بواعث السياسة والحرب والتجارة وسائر الأحوال اختيارا به يصدق المؤمن دعواه إذ يَرُدُّ الأمر للوحي في دينه ودنياه ، فيكون الإسلام الناصح على وزان الإسلام الخاتم الذي أُمِرَ به النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (بِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، فلا أظلم ممن : (مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) ، وذلك ما أجمل مَنْعًا ثم أبين عنه بالبدل فكان من الإطناب بالمجمل الذي شُحِذَ به الذهن ثم المبيِّن الذي شفى الغل ، فمناط الذم منع الذكر الذي استغرق ، كما تقدم ، فجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من ذكر الصلاة والتلاوة فهو ذكر الوحي الجامع الذي يُنَزَّلُ من الدنيا منزل المركز الحاكم فهي الأطراف المحكومة بأمره ونهيه ، وبعد بَيَانِ المنع : منعِ الذكر كان الإطناب باللازم أن يسعى في خَرَابِهَا بعد أن منع ذكرها ، وذلك ما يستغرق خراب المعنى وخراب المبنى ، فَعَطْفُ الخراب على المنع مما يجري ، من وجه ، مجرى الإطناب بالمرادف ولو معنى ، فإن خرابها هو مَنْعُ الذكرِ فِيهَا ، ومجرى الإطناب باللازم ، من آخر ، فمن منع الذكر فيها فَهُوَ أَبَدًا ساع في هدم البنيان وتخريبه ، فوجوده في الخارج آية تشهد بما يُبْغِضُ الهادم من مادة الوحي النازل ، فالخراب من هذا الوجه جنس عام يستغرق خراب المنع وخراب الهدم ، فيكون عطف الخراب على المنع في الآية : (مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) ، يكون عطف الخراب إذ أطلق فاستغرق الوجهين : المنع والهدم ، يكون عطفه على خراب المنع من باب التعاطف بين العام والخاص فَأَفْرَدَ خَرَابِ المنع بالذكر إذ هو الأفحش ، وهو خاص في لفظه وبعده كان الإطناب بالعام الذي استغرق سائر أنواع التخريب ، وتلك دلالة العموم : عموم المضاف في "خرابها" ، فالمضاف إلى المعرَّف ومنه الضمير في "خَرَابِهَا" ، المضاف إلى المعرَّف من صيغ العموم القياسي ، ولا يخلو السعي من تَقَصُّدِ الجناية على وجه يَنْتَفِي به العذر فهو عالم عامد قاصد طاعن ، وبعدها كان الاستئناف على حد الإشارة في قوله تعالى : (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) ، فتلك إشارة البعيد المجموع الذي يَرْجِعُ إلى مفردٍ في لفظه وهو الموصول الاسمي العام "مَنْ" في "مِمَّنْ" فَقَدْ أُجْمِلَ به البدأ أيضا ، ثم كان الإطناب بالصلة "مَنَعَ" ، فهي مناط العلة : عِلَّةِ الحكم بالظلم الذي أطلق فانصرف ، كما تقدم ، إلى الظلم الأكبر الناقض للأصل الجامع ، فَلَفْظُ الموصول "مَنْ" مُفْرَدٌ في لفظه جَمْعٌ في معناه ، فَرَجَعَتِ الإشارة في "أولئك" إلى المعنى المجموع ولا يخلو معنى البعد من تحقير وذم فقرينة السياق بذا تشهد ، فصاحبه قد اقترف الفعل المحرَّم المجرَّم ، فاستحق الذم والتحقير ، وكان من القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء في قوله تعالى : (مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) ، كان من هذا القصر ما به زيادة التَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ ، فلا يدخلونها إلا خائفين ، فتلك حالهم التي لا تَزَالُ تحدث شيئا بعد آخر كلما دخلوا المسجد الجامع للوحي فهو مركز الخصم الذي يناجزه الخائف وإن تَكَلَّفَ مَا تَكَلَّفَ من أوصاف الجبروت ، فهو أبدا المخذول المفضوح ، وبعده كان الإطناب بالوعيد على حد الاستحقاق والاختصاص ، فـ : (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، فتلك دلالة اللام في "لهم" وهي ما تَكَرَّرَ في كل شطر فزيادتها تكرارا في المبنى مئنة من أخرى في المعنى ، فضلا عن تقديم الظرف "لهم" وحقه التقديم مئنة من الحصر والتوكيد ، وزد عليه استغراق الوعيدِ شطري القسمة على حد المقابلة بين الأجزاء وطباق الإيجاب بين الألفاظ "الدنيا" و "الآخرة" ، وذلك آكد في المساءة أن جعل لهم العقاب في الدنيا خزيا لا تخطئه العين الناصحة ، وفي الآخرة عذابا عظيما تُشْفَى به الصدور الكاملة ، صدور من آمن فهم يشفون منه في الدنيا قتالا ومناجزة ، وفي الآخرة محاسبة ومعاقبة .

فكل أولئك مما شَرَعَ كتاب المسجد من مكارم الأخلاق ، فجاء يُتَمِّمُهَا بتصحيح المنزل الأول ، باعث الإرادة والعمل ، فكان التوحيد وهو أصل الأخلاق الكاملة ، ومنها العفو والصفح عند المقدرة حيث ينفع ذلك فلا يحسن في حق الفاسق الذي أفحش في القول والعمل ، وقارف من الجرم ما لا يغتفر ، فكانت خصومته خصومة الفاجر ، لا سيما إن تَوَسَّلَ بأذاه إلى ما لا ينجبر ، من جناب التوحيد ومقام خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودماء المعصومين وأموالهم وحرماتهم ، وإن كان أمر المال أهونها ، فالدم والعرض أعظم ما يُنْكِي وَيُؤْلِمُ ، فلا يكون من العفو فيهما ما يكون في المال أو ما دونه من مظالم تهون ، على تفصيل في ذلك وَفُرْقَانٍ واجب بين أحكام البغي وأحكام الحرابة والإفساد في الأرض بما عظم جرمه من الأقوال والأفعال وإلا ما أمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح بقتل رجال ونساء لم يشملهم عفوه ، فكان من الحكمة أن بذل السيف في موضعه ، موضع الجلال ، وبذل الندى في موضعه ، موضع الجمال ، فَقَتَلَ من عَظُمَ جرمه ممن تَعَرَّضَ لجناب الدين ، فمن عظم جرمه فالعفو عنه لا يحسن ، وذلك أمر يقدر تقدير المصلحة وهو ما يستوجب الإنصاف والتجرد فلا يكون ثم هوى في استيفاء حَقٍّ أو تَرْكِهِ ، فكان من أمر النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما تَقَدَّمَ في حق ابنة حاتم أَنْ : "خَلُّوا عَنْهَا فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَاللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ" ، فهو أمر ناجز به تَأَوُّلِ أحكامِ العفو والجمال في مواضعها ، وبعده أطنب بالعلة على حد الفاء فلا تخلو من دلالة السببية إذ اقترنت بالناسخ المؤكد في قوله : "فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ" ، فضلا عن فور وتعقيب يحسن في مواضع العفو ، فـ : "إِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ" ، وذلك ما جاءت به الرسالات وإن لم يصب حاتم أصلها فكان له من فروعها ما عظمت بَرَكَتُهُ ولو في حق الكافر فكانت شفاعة لأهله من بعده ، إذ صادف ما يحب ما يحب الله ، جل وعلا ، فـ : "اللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ" .

والله أعلى وأعلم .