مما تَوَاتَرَ فِي الشرع الخاتم أن الضلال في القول والعمل هو مَنَاطُ الحكمِ ، الحكم بالخسران ، كما في قوله تعالى : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) ، فيدور الحكم مع العلة وجودا وعدما ، فإذا كان ثم ضلال فَثَمَّ خسران في الأولى والآخرة ، وذلك الطرد ، وإذا كان ثم هدى في القول والعمل ، في القصد والفعل ، في الباعث والحاصل ، في الصورة العلمية المبيِّنَةِ والصورة الإرادية المحفِّزَةِ والصورة العملية المصدِّقة ، فَثَمَّ الفوز ، فالمفهوم : أن الفائز هو من هُدِيَ في السعي ، سَعْيِ العلم والإرادة باطنا ، والقول والعمل ظاهرا ، فَذَلِكَ السداد ، فاطرد الخبر وانعكس ، واطرد معه الحكم وانعكس ، فكان الضلال الذي حصل منه الخسران ، مع قيد آخر بحال تَصِفُ ، فـ : (هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) ، فَثَمَّ فساد في التَّصَوُّرِ فصاحبه يظن أنه يحسن وهو يُسِيئُ فكان من الحسبان ما يجري مجرى الظن الراجح ، بل قد يَبْلُغُ في أحيان حد اليقين الجازم ، ولو دعوى الظاهر وإن اسْتَيْقَنَ الباطن ضده ، أو قد يكون من فساد العقل أن يَعْتَقِدَ الباطل حقا فَثَمَّ اختلال في المعيار الحاكم صَيَّرَ صاحبه على جَادَّةِ الباطل فهو يَظُنُّهُ حقا محكما ، وإن لم تخل هَذِهِ الحالُ من خَيْرٍ يُرْجَى فإن من صدق اعتقاده ، ولو باطلا يخالف عن الحق في نفس الأمر ، فَهُوَ يُنَافِحُ عما يعتقد أنه الحق وَيَنْصُرُ ما يَتَحَرَّى أنه العدل فَنَقْصُهُ من جهله لا من إرادته ، فَثَمَّ فساد في الصورة العلمية فإن وجد من يُصَحِّحُ وَيُرْشِدُ فَهُوَ يستجيب ويصلح فيسلك جادة الحق المحكم إن اسْتُوفِيَتِ الشرائط وَانْتَفَتِ الموانع ، ومن أعظمها الْكِبْرُ الذي يحول بين الجنان وقبول مادة الإيمان ، فمن تواضع وهضم النفس في مقابل الحق فهو أهل أن يُهْدَى ، لا إيجابا على الرب الأعلى ، عز وجل ، وإنما فضلا مِنْهُ وَمِنَّةً ، فتلك المنة العظمى أن يُهْدَى الجنان جادةَ الحق : هدايةَ البيان والإرشاد الأولى وهي وإن حصلت للكافر فلا تخلو من مِنَّةِ فالعلم مبدأ العمل ، والفكرة باعث الحركة فإن صح المحل الأول فذلك خير ، فَهُوَ كمعرفة الداء وذلك نصف الشفاء أو يَزِيدُ ، فلا تخلو هداية البيان والإرشاد أن تكون مِنَّةً رَبَّانِيَّةً ، وإن لم يحصل بها النفع التام إلا أن تُقْرَنَ بالتوفيق والإلهام فيكون التصديق والانقياد ، فالباطن يُصَدِّقُ والظاهر يَنْقَادُ ، ولا يكون ذلك إلا بانتفاء الموانع التي تحول دون قبول الحق ، وأعظمها ، كما تقدم ، الكبر ، فهو سبب الخسران الأعظم وبه كَانَ أول عصيان ، فكان الحسد لآدم ، عليه السلام ، والكبر أن يسجد له إبليس الآثم وإن عَرَفَ وَصَدَّقَ ، فَتَصْدِيقُهُ لم يجاوز حَدَّ العلم المجرد من العمل ، فهو يُخَالِفُ عن جادة القياس المحكم إذ يقضي بالتلازم بين العلم والعمل ، وذلك ما يستوجب ، كما تقدم ، انتفاء المانع ، فالكبر يفسد التصور والحكم فصاحبه يخالف عن جادة النقل والعقل جميعا ، فكان من إبليس أن خالف عن الجادة ، فَفَسَدَ اعتباره إذ قَاسَ في مقابل النص ، فاتهم الوحي الذي صدر عن الرب ، جل وعلا ، وهو الأعلم والأنصح والأفصح ، فكان أمره صريحا غير مُلْبِسٍ ، فتأويله المبادرة إلى الامتثال فهو آية الصدق ، صدق الدعوى الإيمانية ، فبادرت الملائكة إذ صح القياس أن الأعلم والأنصح والأفصح هو الأجدر أن يُتَّبَعَ فَيُصَدَّقَ خَبَرُهُ وَيُمْتَثَلَ أمره ، فكان الفور والتعقيب ، في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ، فَثَمَّ الفور والتعقيب في "فَسَجَدُوا" فكان لهم من الهداية قَدْرٌ يَزِيدُ وهو الإلهام والتوفيق خلافا لإبليس فَلَهُ من الهداية بَيَانٌ وَإِرْشَادٌ به أُقِيمَتْ حُجَّةُ الوحيِ معذرةً إلى الرب ، جل وعلا ، فَالْفَوْزُ أن يُوَاطِئَ العلمُ الحقَّ في نَفْسِ الأمر ، وأن يُصَدَّقَ العلمُ بالعملِ ، فيكون من الإرادة الباطنة ، حُبًّا أو بُغْضًا ، والحركة الظاهرة ، فِعْلًا أو تَرْكًا ، يكون مِنْهُمَا مَا يُوَاطِئُ العلم الأول ، علم الحق المحكم ، فيكون من الهدى ما يحسن به الصنع حقيقة لا دعوى ، فَثَمَّ دليل من الوحي يُصَدِّقُ فَهُوَ اللفظ الذي صَحَّ نَقْلُهُ وَصَرُحَ عَقْلُهُ ، وَثَمَّ سداد أن يصدقه الجنان وَتَتَأَوَّلَهُ الأركان ، فيكون من التلازم بين العلم والعمل ما يستغرق الصلاة والنسك ، الحياة والموت ، فَرَائِدُهُ الإخلاص لله ، جل وعلا ، وحده ، فَمَا فَتِئَ صاحبُه إذ أدرك الحق بدليله أَنْ صَدَّقَ وَامْتَثَلَ فَشَفَعَ الدعوى بالدليل الشاهد ، وذلك مَئِنَّةُ السدادِ الذي لا يَنَالُهُ إلا المؤمن الفاضل ، وانظر في عمر ، رضي الله عنه ، وقد كان في الجاهلية شديد الوطأة على من آمن ، فكان صادق النُّصْحِ لِمَا نَشَأَ عليه من الدين ، ولو مُبَدَّلًا قد خالف عن جادة الخليل إبراهيم ، عليه السلام ، فَنَافَحَ دونه فَلَمَّا قام لله ، جل وعلا ، قيام المتدبِّرِ الذي سمع الوحي في مَوَاضِعَ فَاسْتَوْقَفَهُ ما فيه من مواعظ ، فكأنه قد امتثل الموعظة المحكمة في قول الله جل وعلا : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) ، فَكُلَّمَا قَلَّ العدد حال الموقف صَفَا الذهن وَخَلَا فكان من انْتِفَاعِه بقوة الفكرة ما لا يكون حال الخلطة ، وذلك من فضائل العزلة حال النظر ما لَمْ يكن صاحبها ممن قَلَّ فِقْهُهُ فَاسْتَغْوَاهُ الشيطان وَلَبَّسَ عليه الوسواس فلا تشرع له العزلة ، وذلك من فِقْهِ النفوس فهي تَتَبَايَنُ في الفهوم والطبائع ولكلٍّ ما يصلحه من الأخلاق والشمائل ، فكان من وقوف عمر وقوف المتدبر في الفكرة الرسالية المحكمة التي تخالف عن دين الجاهلية المحدَثة ، فدافع النفس ودافعته فهو يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الإيمان بدين الآباء والانقياد لوحي السماء ، وهو ، مع ذلك ، يجتهد في درك الحق فلا يَزَالُ الوحي يُرْشِدُهُ ويسدده فهو إلى الحق أقرب مع كل شمس تطلع حتى شاء الله ، جل وعلا ، له أن يؤمن فَمَا كَانَ إِيمَانَ الصُّدْفَةِ أو الْفَجْأَةِ وإن كان ذلك من الجائز فالله ، جل وعلا ، على كل شيء قادر ، فإيمانه إيمان الناظر المتدبر الطالب لِلنُّصْحِ الراغب في الحق فَهُوَ أبدا ناصرٌ ما اعتقد : حقا أو باطلا ، فإذا نافح عن قول فليس الجاحد المعاند وإنما هو المصدق المدافع لخصمه إذ يظن الحق في قوله ، فإذا أُعْلِمَ بالحق أو عَلِمَهُ بعد طول فكرة فليس يجبن أن يَتَّبِعَهُ ولو نَقَضَ ما سبق من غزله ، فهو غزل الباطل المتهافت ، فالعاقل يَسْتَبْدِلُ به غَزْلَ الحق المتماسك ، وذلك قياس العقل الناصح أن يُرَدَّ المتشابه إلى المحكم ، وهو ما صنع عمر المسدد إذ لم يكن المعاند الجاحد ، فَصَدَقَ فيه دعاء المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "اللهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ" ، فكان من التوسل باسم الله ، جل وعلا ، الاسم الأعظم ، فهو الجامع لكمالات الذات والوصف والفعل والحكم ، وهو ما أردف بميم نابت عن نداء البعيد تعظيما للمنادَى وتوسلا أن يستجيب للمنادِي ، فَتَأْوِيلُ الكلامِ أَنْ : يالله فلا تخلو من توسل آخر بمعنى العلو المطلق فضلا عن تصدير الدعاء بالاسم الأعظم ، وبعده كان الطلب أن "أَعِزَّ الْإِسْلَامَ" ، فَثَمَّ همز التعدي الذي جاوز بالعامل فَنَصَبَ المعمول "الإسلام" بلا واسطة ، فكان من طلب العزة للدين الخاتم دين الإسلام الجامع ، فدلالة "أل" فيه دلالة العهد الخاص فهو إسلام الشرعة الخاتمة ، ولا يخلو ، لو تدبر الناظر ، من دلالة بيان للجنس ، جنس ما دخل عليه من مادة السلم ، فهو سَلَمُ الجنان من الشرك وعمرانه بضده من التوحيد الذي جاءت به الرسالات جميعا ، فهو دين النبوات وإن اختلفت الشرائع ، فلا تخلو "أل" ، من هذا الوجه ، أن تجري مجرى العموم المستغرق فإسلام عمر عِزٌّ للإسلام الخاتم ، والإسلام الخاتم يواطئ ما تَقَدَّمَ من إسلام النبوات ، فمعدن الجميع توحيد رب العالمين ، جل وعلا ، فكان إسلام عمر ، من هذا الوجه ، عزا للإسلام الجامع ، إسلام النبوات ، فاحتملت "أل" ، من هذا الوجه ، دلالة العهد الخاص تارة ، ودلالة العموم أخرى ، فضلا عن دلالة بَيَانٍ لجنس المدخول من مادة السلم الذي به يخلص الجنان من كدر الشرك ، فإذا خُلِّيَ وَطُهِّرَ ، حُلِّيَ وَزُيِّنَ بِضِدِّهِ مِنْ مَادَّةِ الإسلام والتوحيد ، فلا تخلو "أل" ، من هذا الوجه ، أن تجري مجرى المشترك الذي يدل على أكثر من وجه في سياق واحد فلا تَعَارُضَ ولا تَنَاقُضَ بل الجميع يَرْفِدُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَكَانَ من الدعاء أن يُعَزَّ الإسلام بأحد العمرين ، فلا تخلو الباء من دلالة السببية والآلة ، فَفِيهَا معنى الاستعانة ، كما في قول القائل : كَتَبَ فُلَانٌ بالقلم ، فالقلم أداة الكتابة وَبِهَا يخط الكاتب مُسْتَعِينًا ، وهي سَبَبٌ في خط الكلمات على الصفحات ، فضلا عن دلالة المصاحبة فإن المستعين يَسْتَعِينُ بداهة بسبب يصاحبه إذ يُبَاشِرُهُ وَيُزَاوِلُهُ ، فلا تخلو الباء ، من هذا الوجه ، أن تكون مئنة من اشتراك آخر ، اشتراكِ لفظٍ دل على أكثر من معنى ، إذ لا تَعَارُضَ وَلَا تَنَاقُضَ ، فكان الدعاء أن يُعَزَّ الإسلام بأحدهما ، وكان من ذكر العمرين في بعض الروايات وإن مُتَكَلَّمًا فِيهَا ، فـ : "اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك" ، كان من ذكر العمرين فِيهَا ما يجري مجرى التخفيف فَهُمَا عمر وعمرو ، عمر بن الخطاب العدوي وعمرو بن هشام المخزومي ، فكان من الدعاء أن يعز الله ، جل ، وعلا ، الإسلام بأحب الاثنين ، فعلم الله ، جل وعلا ، الإخلاص والتجرد في عمر ، فكانت حربه على الرسالة حرب مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى الحقِّ مخلصا فهو يُنَافِحُ عَمَّا يعتقده ويدافع ما يخالفه ولو وحيا منزلا ، فلما نظر وتدبر ، كان من إلهام الرب المسدِّد ، جل وعلا ، أن اختاره بالعلم والحكمة ليعز به الدين والشرعة ، فتأويل الدعوة الصادقة من صاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، تأويلها ما قال ابن مسعود ، رضي الله عنه ، فـ : "مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ" ، فإسلامه وإسلام حمزة في السنة السادسة من البعثة ، إسلامهما كان عزا للدين وأهله ، وقد يقال ، من وجه ، إن إسلامهما من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كزوجيه خديجة وعائشة منه ، فإسلام حمزة كخديجة فَقَدْ نَفَعَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خاصة نفسه فكان له منعة لما كان من حمية حمزة مبدأَ إسلامه ، وكذا كانت خديجة ، رضي الله عنها ، فكانت أنفع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في خاصة نفسه ، وأما إسلام عمر فهو كعائشة ، فقد كانت أَنْفَعَ له في دعوته بما بَثَّتْ من سُنَّتِهِ إذ عمرت بعده أربعين سنة أو يزيد ، فَنَفَعَ الله ، جل وعلا ، بها أُمَتَّهُ ما نَفَعَ ، فكذا إسلام عمر إذ نَفَعَ به الله ، جل وعلا ، أمته عِزَّةً وَمَنَعَةً ، فـ : "ما عَبَدْنا الله جَهْراً حتى أسلم عمر" ، فكان من التخصيص بالغاية التخصيص المتصل فهو يُبِينُ عن حُكْمٍ يخالف الْمُغَيَّى فلم تكن العبادة جَهْرًا قبل إسلام عمر وكانت بعده كذلك فانقلبت من السر إلى العلن مئنة من العزة الحادثة بإسلامه وذلك ما يجري مجرى الكناية ، وكان من التقييد بالحال "جَهْرًا" ما حُدَّ حَدَّ المصدر فلا يخلو من دلالة المبالغة إذ تقديره تقدير المشتق : مجاهرين ، فَحَدَّهُ مصدرا إذ صار الجهر لهم وصفا يلازم وإن كانت دلالة الحال دلالةَ الحدوث والتجدد ، و : "كَانَ إِسْلامُ عُمَرَ فَتْحًا ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحْمَةً ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنَّ نُصَلِّيَ بِالْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّيْنَا" ، فَعَمَّ به النفع إسلاما وهجرة وإمارة ، فكان الفتح والنصر والرحمة ، إذ عُمِّرَ ما لم يُعَمَّرْ حمزة ، رضي الله عنه ، وَوَلِيَ من أمر الحكم ما عَمَّ به النفع ، فكانت رحمةُ الشديدِ الذي لَانَ لأهل الحق واشتد على أهل الباطل ، فَوَاطَأَ الآي المحكم في وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، ولم يحرم الشهادة آخر عمره ، ولا تخلو الكينونة الماضية في أجزاء الكلام "كان إسلام عمر فتحا" ، و "كانت هجرته نصرا" و "كانت إمارته رحمة" ، لا تخلو من دلالة ديمومة واستمرار ، فذلك ما اطرد من حال عمر ، رضي الله عنه ، فدعا وصدق في الدعاء أن : "اللَّهُمَّ قَتْلا فِي سَبِيلِكَ ، وَوَفَاةً فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ ، قُلْتُ ، أي أم المؤمنين ابنته حفصة رضي الله عنها : وَأَنَّى يَكُونُ هَذَا ؟ قَالَ : يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِذَا شَاءَ" ، فَدَعَا وَتَوَسَّلَ بالاسم الأعظم اسم الله ، جل وعلا ، فَثَمَّ نِدَاءٌ بِهِ يُتَوَسَّلُ إِلَى الرَّبِّ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، جل وعلا ، وَسَأَلَ الْقَتْلَ على تَقْدِيرِ العامل المحذوف ، فاللهم أسألك قَتْلًا في سبيلك وَوَفَاةً في بَلَدِ نَبِيِّكِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ما لا يَتَبَادَرُ إلى الذهن فالمدينة دار إسلام لا دار حرب ، وهي قصبة الخلافة ، فسألت حفصة ، رضي الله عنها ، سُؤَالَ الْمُسْتَشْكِلِ ، فأجاب عمر ، رضي الله عنه ، جواب الْمُسْتَوْثِقِ : "يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِذَا شَاءَ" ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، عدل وحكمة ، فما خروج الروح وخاتمة الأمر إلا تأويل ما انْقَضَى فيه العمر ، إن خيرا فخاتمة خير وذلك الفضل ، وإن سوءا فخاتمة سوء وذلك العدل ، فذلك مما اطرد وانعكس ، فليس الأمر صدفة تجافي عن الحكمة وإن كان الله ، جل وعلا ، على كل شيء قديرا ، فَثَمَّ مِنْ نَامُوسِ الخلقِ ما أُحْكِمَ ، ولا يظلم ربك ، جل وعلا ، أحدا ، فَعَلِمَ الله ، جل وعلا ، من عمر ما لم يعلم من عمرو بن هشام ، فعمرو بن هشام قد علم الحق فَعَدَلَ عنه فلم يكن ينافح عما يعتقد أنه حق ، بل كان مكابرا يروم الشرف فَأَنَّى يُبْعَثُ في بني مخزوم نَبِيٌّ يضاهي نَبِيَّ بني هاشم ، وعمر ، في المقابل ، طالب للحق منافح عما يعتقد أنه الحق ، وهو ، مع ذلك ، باحث عن الحق فإن وجده لم يجبن أن يَتَحَوَّلَ عن سَالِفِ أمره الذي كان يظنه الحق فَلَمَّا استبان له بَاطِلُهُ أَعْرَضَ عنه وعدل إلى الحق المحكم الذي نسخ ما تَقَدَّمَ وتلك خاصة النفس الشريفة فَلَا يُطِيقُهَا إلا آحاد كان مبدأ أمرهم الإخلاص والتجرد ، فكان من استجابة الدعاء ما واطأ العلم الأول المحيط والحكمة البالغة فَاخْتَارَ ، جل وعلا ، أحبهما ، ولا تخلو "أفعل" التفضيل في بعض الروايات أن : "اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك" ، وإن ضُعِّفَ فحكم بعض المحققين أَنْ لا أصل له ، لا تخلو "أفعل" التفضيل ، من هذا الوجه ، أن تكون منزوعة الدلالة فإن عمر بن الخطاب هو الحبيب وعمرو بن هشام هو البغيض ، فليست المفاضلة بين محبوب وأحب ، بل بين حبيب وبغيض ، فاختار الرب الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، الحبيب عمر ونصر به الملة وأعز به الشرعة .

والله أعلى وأعلم .