اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: من آية : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا .....)

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:21-11-2019
    الساعة:06:45 AM

    المشاركات
    4,887
    العمر
    41

    من آية : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا .....)

    ومن قوله تعالى : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) ، فَحُدَّ السياق حَدَّ الشرط ذي الدلالة الظرفية ولا يخلوان : الشرطية والظرفية ، لا يخلوان من التلازم ، إذ يكون الجواب أو المظروف عند حصول الشرط أو الظَّرْفِ على حَدِّ الاطراد والانعكاس وهو ما أُشْرِبَ دلالة التعليل ، إذ حصول المظروف عند ظرفه من جنس حصول الحكم عند علته أو سببه ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مما اطرد في سائر الأحكام : الشرعية والعقلية والعادية التجريبية ، فثم في علوم التجريب ظواهر مركبة ، إذ تحصل باجتماع شروط وانتفاء موانع فيحصل من السبب أو العلة المجموعة من أجزاء ما به حصول الظاهرة فهي المعلول الآخر أو المسبَّب الناتج ، فعناصر الكون تجتمع في مركب ، ولا يكون التَّرْكِيبُ بمحض التجاور ، بل لا بد من حافز للاجتماع على هيئة مخصوصة ، ولا بد من انتفاء المانع فإذا وُجِدَتْ هذه الصورة المركبة من العناصر والحوافز مع حصول الشروط وانتفاء الموانع ، وُجِدَ المعلول الناتج ، فتلك سنة ربانية جارية في الشرع والكون جميعا ، وهو ما حُدَّ حَدَّ الكثرة فتلك دلالة "إذا" ، فهي شرطية ظرفية ، والكثرة تَنْصَرِفُ إلى كَثْرَةِ السؤال فهو مما يَتَكَرَّرُ ، فضلا عن تقرير المعنى وتوكيده ، فكان السياق الشرطي : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، فذلك من الخبر الذي يجري مجرى الإنشاء ، فَحُدَّ حَدَّ الشرط إمعانا في تقرير المعنى إذ يدور الجواب وهو محل الفائدة مع الشرط الذي حُدَّ حَدَّ الماضي مبنى "سألتموهن" ودلالته دلالة المضارع معنى ، إذ دخول الشرط على الماضي يصرف دلالته إلى المضارع ، فذلك مما يُسْتَقْبَلُ زمانه فدلالته دلالة الشرط ، من وجه ، والظرفية ، من آخر ، فظرف الجواب الذي فيه يقع هو ما عنده يَحْصُلُ الشرط الذي به الكلام صُدِّرَ ، فاجتمعت فيه الدلالتان : دلالة الشرط ودلالة الظرف ، وذلك مما قد يَسْتَأْنِسُ به من يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وقد يُقَالُ ، من وجه آخر ، إن دلالة الماضي معتبرة ، إذ ذلك مما انْقَضَى في العلم الأول ، فالتكليف بالحجاب وسؤالُ رَبَّاتِهِ الحاجةَ من ورائه ، ذلك مِمَّا تَقَدَّمَ في العلم الأول ، وفي لوح التقدير ، ففيه سطرت المقدورات جميعا ، الشرعية والكونية ، ومنها ما تقدم من الأمر بالحجاب ، فهو إنشاء حُدَّ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، حَدَّ الخبر ، فَثَمَّ من المقدورات الشرعية : أخبارٌ وإنشاءاتٌ ، والجميع في حد التكليف يدخل ، فَتَكْلِيفُ الخبر التصديق ، وتكليف الإنشاء الامتثال ، فهو ماض من هذا الوجه ، فَضْلًا أن كُلَّ ما يكون فِي هَذَا العالم فَهُوَ ماض في العلم الأول ، سواء أكان شرعيا أم كونيا ، فإن المقدور الكوني وإن لم يأت بَعْدُ بالنظر في هذا العالم إلا أنه قد أَتَى وَانْقَضَى في علم الله ، جل وعلا ، كما يضرب المثل المشهور بإتيان الأمر في قول الرَّبِّ جل وعلا : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فَلَمَّا يَأْتِ بعد بالنظر في دلالة العهد الخاص ، دلالة الساعة فهي الأمر الذي به ختام الابتلاء فليس بعده إلا الحساب والجزاء ، فَلَمَّا يَأْتِ بعد وإن أتى في العلم الأول ، وأتى في لوح التقدير فَفِيهِ سُطِرَتِ المقدورات جميعا ، أمر الساعة الكوني وأمر الرسالة الشرعي ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن دلالة الأمر في الآية قد اتَّسَعَتْ فهي تستغرق كُلَّ مقدور كوني لَمَّا يَأْتِ بَعْدُ ، الساعة وما دونها ، فضلا أن ثَمَّ وجها يصح فيه حمل الأمر على الوصف الشرعي فَقْدَ أتى إذ علم ابتداء ، وإن لم يأت بعد بالنظر في زمن الرسالات إذ كان الوحي يَتَنَزَّلُ ، فكان يأتي شيئا فشيئا ، فصح تأويل الماضي بالمضارع ، فهو يأتي نجوما تَتْرَى ، بعضها يتلو بعضا ، فَلَمَّا يَأْتِ وسيأتي حتما فذلك وعد الرب صدقا أَنِ : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، واكتمال الدين اكتمال الوحي المنزل ، فإذا ختم بقبض صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَقَدْ أَتَى حقيقة لا مجازا ، إن صح أن السياق سياق مجاز إذ اسْتُعِيرَ الماضي للمضارع إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده خلافا لمن ينكر المجاز في النطق والشرع ، فذلك يجري عنده مَجْرَى التأويل الصحيح المقبول إذ ثَمَّ قرينة رجحت ، وهي ما أطنب به من النهي أَنْ : (لَا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، فكان من النَّهْيِ ما احتمل بالنظر في جنس المخاطب فإن كان مؤمنا فهو خطاب الإرشاد والنصح ، وإن كان كافرا فهو خطاب التحذير والزجر ، فاجتمعت فيه الدلالتان على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض إذ الجهة قد انفكت ، فجهة النصح للمؤمن تخالف عن جهة الزجر للكافر ، وبعده كان الخبر الذي يُنَزِّهُ ، فـ : (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فلا يخلو من دلالة الإنشاء فالتسبيح عبادة إذ المسبِّح يُنَزِّهُ ربه ، جل وعلا ، فهو يحكي تَنْزِيهَهُ عن النقائص ، وهو ما لا يَكْمُلُ به الثَّنَاءُ إلا أن يَزِيدَ فيحكي اتصافه بالكمالات المطلقة ، فيكون التنزيه بلا تعطيل والإثبات بلا تمثيل ، فذكر التسبيح ، من هذا الوجه ، شطر يضاهي شرط النفي "لا إله" في الشهادة ، فَذَكَرَ التسبيحَ وحده ، فذلك مما يجري مجرى الإيجاز بالحذف إذ ذكر شطرا وهو التنزيه وحذف آخر وهو الإثبات إذ المذكور يَدُلُّ عليه لزوما فَبَيْنَهُمَا من التلازم ما يضاهي التلازم بين العلة والحكم ، فكان من التسبيح ما قُيِّدَ في الآية بما سواه من المعبودات الباطلة فَتَنَزَّهَ عَنْهَا وَتَعَالَى ، وذكرها ، أيضا ، يجري مجرى المثال لعام ، وهو جنس النَّقَائِصِ جَمِيعًا ، فذكر أحدها لا يخصص العام ، فالله ، جل وعلا ، قد تَنَزَّهَ عن جميع النقائص .
    والشاهد أن ثم نهيا أَنْ : (لَا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، فذلك مئنة من عدم الوقوع وهو ما يصرف الماضي إلى المضارع على تقدير : سيأتي حتما فلا تستعجلوه ، فذلك تأويل صحيح إذ القرينة صحيحة معتبرة ، وهو ما يوجب حمل الكلام على ظاهره ابتداء بالنظر في سياقه المركب فالكلام مجموع من لفظ ومعنى ، من سباق وسياق ولحاق ، وبكلها يكون درك المراد ، مراد المتكلم الذي يريد معنى بَعَيْنِهِ وإن استعمل لفظا مشتركا يحتمل ، أو استعار لفظا لآخر ، فلا بد من قرينة في السياق تشهد على وجه يحكي قانون اللسان المحكم خلافا لمن سفسط في هذا الباب فحمل الألفاظ من الدلالات ما لا تحتمل إذ أنكر المرجع الأول وراح يخترع من معجم اللسان ما خالف به عن النقل والعقل جميعا ! ، فَثَمَّ ، كما تَقَدَّمَ ، قرينة المبالغة في تقرير المعنى فَإِنْزَالُ ما لم يقع منزلة ما وقع وانقضى ، فضلا عن دلالة في اللفظ وهي ما تقدم من النهي في قول الله جل وعلا : (فلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، وإن احتمل الماضي دلالته على الأصل وهو ما انْقَضَى ، وذلك ما يوجب الحمل على أمر الشرع ، فَقَدْ أَتَى وَانْقَضَى بانقطاع الوحي وقبض صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويحتمل ، من آخر ، دلالة الاستعارة للمضارع بالنظر في زمن التَّنَزُّلِ فَلَمْ يكن الوحي قد اكتمل ، فكان من الماضي ما يحكي دلالة الاستقبال أن سيأتي نجما بعد آخر فلا تستعجلوه ، فثم حكمة في اتصاله أن فُرِّقَ آيا ، فـ : (قُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) ، فكان من كمال التدبر والتفقه ما لم يكن لو نَزَلَ جملة ، وكان من التثبيت ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) ، ومعارضة المثل بأحسن ، فـ : (لَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) ، وكذلك الشأن في الآي محل الشاهد : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، فإن الماضي "سألتموهن" ، مضارع بما دخل عليه من الشرط ذي الدلالة الظرفية ، فتلك قرينة رجحت صرف الماضي عن دلالته الأصلية إلى أخرى لا تَتَبَادَرُ وهي الحال والاستقبال ، وإن كان للاستقبال أدنى ، فهو يجري مجرى التكليف فَتَأْوِيلُهُ يكون بعد ورود خطابه ، فإن ورد الخطاب أَنِ : افْعَلْ أو لا تَفْعَلْ ، فإن تأويله ما يكون بعده في الزمن المستقبل فعلا أو تَرْكًا ، ولا يخلو أن يكون ماضيا إذ تقدم في العلم الأول ، فهو ، من هذا الوجه ، ذو دلالة استغرقت ظرف الزمان كله ما وضع له أصالة وما لم يوضع ، فـ : (إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، فكان من السؤال ما أسند إلى الجمع المذكر في "سألتموهن" ، وهو على الأصل إذ حجاب النساء يكون أمام الرجال لا النساء مثلهن إلا ما قد حكي من قول بعض الفقهاء من إِيَجابِ اسْتِتَارِ المسلمةِ أمام الكافرة لئلا تصف من عورتها ما يجب ستره فالكافرة ليست بمأمونة على سر المسلمة ، وهو ما لا يخلو من نَظَرٍ ، لا سيما حال الضرورة والحاجة كطب أو نحوه ، فَيَجُوزُ للمسلمة أن تَتَكَشَّفَ أمام الكافرة المأمونة حال التداوي ضرورة تقدر بقدرها ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما يجري في حق المسلمة ، أيضا ، فالمسلمة لا تتكشف بلا حاجة أمام المسلمة ، لا سيما في أعصار قد عمت فيها البلوى ، فكان من كشف الستر وذيوع الفحش ما يوجب الاحتراز فلا تَتَسَاهَلُ المرأة المسلمة في أمر التكشف ، ولو أمام مسلمة مثلها ، ولو فيما زاد على الحد المشروع من عورة المرأة أمام المرأة مثلها ، فَتَحْتَرِزُ فيما زاد عنها من مواضع الفتنة من الجسد ، فلا يقال إن ما زاد عن الحد المشروع من السرة إلى الركبة فكشفه يحل مطلقا ولو بلا حاجة ، فذلك مما يحسن ستره وهو من حشمة النفس وحيائها ولو جاز كشفه فليس كل ما يجوز يَحْسُنُ فِعْلُهُ مطلقا فيجري ، من وجه ، مجرى الخارم للمروءة ، فليس كله من المحرم بل ثم من المباحات ما يخرم المروءة ، كالأكل في الطريق أو كشف الرأس في بعض البلاد ، فكذلك كَشْفُ بَعْضِ ما جاز كشفه من العورة فَلَوْ سار رجل في الطريق وهو يستر العورة الواجب سترها ، مخففها ومغلظها ، من السرة إلى الركبة ، لو سار وتلك حاله فإنه لم يقترف ما يوجب الإثم من المحرم ولكنه اقترف ما يوجب اللوم من مباح يخرم المروءة ، فكذلك الشأن في عورة المرأة أمام المرأة ، ولو مسلمة ، فلا تتساهل في كشفها بلا حاجة إن أمام مسلمة أو كافرة من باب أولى ، فلا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، ويكون من الاستتار والاحتشام ما يجري مجرى سد الذرائع إلى كشف ما وجب ستره ، وستر الواجب ، أيضا ، وإن كان واجبا لذاته ، من وجه ، فهو واجب لغيره من آخر ، وهو الاحتراز عما بعد النظر من مُقَارَفَةِ الفواحش ، فكان الأمر أن : "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ" ، فذلك من الأمر الذي اجتمعت فيه دلالات الإيجاب والإرشاد جميعا ، ولا يخلو إسناده إلى ضمير المخاطب المذكَّر الذي استتر إيجابا ، لا يخلو من دلالة تغليب بالنظر في الواجب على المرأة من ذلك ، فإذا خوطب الرجل أن احفظ عورتك إلا من زوجك أو مما ملكت يمينك ، وهما من يجوز لهما الاطلاع على عورة الرجل فهن حلائله الذي جاز له بكلمة الشرع أو حكم الرق أن يفضي إليهن ، فجاز له منهما كل شيء إلا الحيضة والدبر ، كما في الأثر أَنْ : "أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالحَيْضَةَ" ، فالأمران صدر الخبر "أقبل" و "أدبر" مئنة من الإباحة ، وبهما طباق إيجاب استغرق الوجهين في الإتيان المشروع ، وإن كان ثم هيئة أخرى كأن يَأْتِيَ أهله على جنب كما كانت يهود تصنع ، وإن زادت في ذلك فَتَنَطَّعَتْ إذ ضَيَّقَتْ من هيئات الإتيان ما قد حَلَّ ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء مما به تفتح الذرائع إلى المحرم فما سدت ذريعة إلى صورة مباحة إلا وفتحت أخرى تضاهيها إلى صورة محرمة ، لذا كان من المأثور في دعاء المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ" ، فهو يعم سائر المعايش من المطاعم والمناكح ... إلخ ، فأبى يهود إلا تضييق المباح فاتسعت دائرة المحرم وهو ما يلام طبائعهم اللئيمة إذ يسعون في الأرض بالفساد ومنه ما يكون من إذاعة الفواحش فَتَضْيِيقُ المباح وتنفير الناس منه وتوسيع المحرم وترغيب الناس فيه بزخرف من القول والصورة ، والأمر الثالث أن "اتق" ودلالته دلالة الكف ، الأمر الثالث مئنة من التحريم .
    فإذا خوطب الرجل أن يحفظ عورته فالمرأة بدلالة التغليب ومستنده ما اطرد من قرينة العموم في خطاب التشريع ، خطاب الستر ، المرأة تخاطب بذلك وزيادة ، فهي مأمورة أن تحفظ عورتها إلا من زوجها إن كانت حرة ، أو سَيِّدِهَا إن كانت أَمَةً ، فَوَجَبَ أن تحفظها ممن سواهما ، الزوج والسيد ، فمن دونهما فهو إما أن يكون أجنبيا يدخل في عموم الآية أَنْ : (إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، أو يكون ذا محرم فيجوز له الاطلاع على مواضع الزينة الظاهرة دون نظائرها الباطنة ، لا سيما في الأعصار التي ذاعت فيها الفواحش فلم يَرْعَوِ فِئَامٌ من مرضى النفوس أن يطئوا المحارم أو يستمتعوا بهن استمتاع التشهي الذي لا يكون إلا بين الرجل وأهله ، فوجب الاحتراز وإن جاز التكشف أمام المحارم فهو ، أيضا ، مما يجري ، من وجه ، مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها دون تنطع أو تكلف يوقع المرأة أو ذا المحرم في الحرج فإن له من وشائج القربى والرحم ما أَحَلَّ به الله ، جل وعلا ، كشف الزينة الظاهرة ، فإن لم تؤمن الفتنة شرع الستر سدا لذريعة أشنع ، وهي ذريعة وطء المحارم ، فإذا كان النظر إلى أجنبية مما حرم لذاته ، من وجه ، وحرم لغيره سدا لذريعة الوطء المحرم وهو ما يواطئ الفطرة إذ يميل الرجل إلى الأجنبية غير ذات الرحم ، فلا يلام على ذلك بالنظر في جبلة التكوين وما ركز فيها من غريزة الميل إلى الأنثى ، وإنما يلام على ما زاد عَلَى ذلك من إطلاق البصر أو المباشرة المحرمة أو الوطء المحرم ، فَنُهِيَ عن النظر إلى الأجنبية وَنُهِيَ عن مصافحتها وإن لم يجد الناظر أو المصافح شهوة ، فذلك ، أيضا ، سدٌّ لَذَرِيعَةِ ما قد يكون من وجدان الشهوة ، وهو ، من وجه تال ، ذريعة إلى ما بعده من الوطء المحرم ، كما في الخبر الصحيح : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" ، فكان من تِعْدَادِ الذرائع التي أطلق عليها لقب الزنى بالنظر في المآل ، فنزل الوسيلة منزلة الغاية ، فما أفضى إلى الزنى فهو زنى وإن لم يجب فيه من الحد ما يجب في زنى الوطء ، فَنُزِّلَ منزلته في اللقب إمعانا في الذم والتنفير ، وبعده كان التذييل بالغاية ، فـ : "الفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" ، فتلك غاية زنى الجوارح الأخرى نظرا أو سمعا أو بطشا ...... إلخ ، فكان من تسلسل الذرائع ما يواطئ القياس الصريح ، فكل ذريعة تفضي إلى ما بعدها إفضاء العلة إلى المعلول أو المقدمة إلى النتيجة أو السبب إلى المسبَّب ، فَنُهِيَ عن النظر ابتداء ولو بلا شهوة إذ هو ذريعة إلى ما بعده من النظر بشهوة ، وَنُهِيَ عن النظر بشهوة فهو ذريعة إلى الزيادة بالمباشرة المحرمة ولو بلا إيلاج ، وَنُهِيَ عن الأخيرة إذ هي الذريعة إلى الغاية العظمى التي توجب الحد من الوطء المحرم .

    فإذا كان النظر إلى أجنبية مِمَّا حرم لذاته ، من وجه ، فهو ، كما تقدم ، مِمَّا يحرم لغيره ذريعةً إلى الوطء المحرم ، فكذلك الشأن في النظر إلى ذات المحرم وإنما يزاد فيه قيد الشهوة ، فالنظر إليها مطلقا لا يحرم ، وإنما يحرم النظر بشهوة ، كما يحرم إلى ما زاد عن الزينة الظاهرة ، فكل أولئك مما ينهى عنه من باب أولى ، بل النهي في هذه الحال آكد من النهي عن النظر إلى الأجنبية إذ غاية الأول أفحش وهي وطء ذات المحرم فهو أفحش من وطء الأجنبية ، وإن كانا جميعا يدخلان في حد الزنى فهو وطء الفرج المحرم ، سواء أكان أجنبيا أم ذا رحم ، ولكنه في المقابل ، مما يتفاوت في وصفه جرما وفحشا ، وفي عقابه حكما ، إن في الأولى أو في الآخرة ، فالزنى مطلقا يحرم ، ولكن زنى الثيب أفحش من زنى البكر فكان من حد الأول ما هو أشد ، وكذلك الزنى بأجنبية فهو يحتمل الجلد إن كان الفاعل بكرا ، ذكرا أو أنثى ، أو الرجم إن كان ثيبا ، خلاف الزنى بذات المحرم فحكمه القتل أبدا إذ جرمه أفحش إن من بكر أو ثيب ، وكذلك الشأن في الزنى بحليلة الجار فهو أفحش من الزنى بغيرها ، والزنى بامرأة الغائب غازيا أو ضاربا في الأرض فهو أفحش من غيره ، فالجميع فاحش مرذول ولكنه مما يتفاوت ، فيجري مجرى الآحاد المندرجة في جنس مطلق ، فيجمعها لقب واحد يجرده الذهن ، ويزيد فِي كُلٍّ من الفصل ما به يمتاز من بقية الآحاد ، فلكلِّ من الحد الخاص ما يتفاوت في الذم والعقاب .
    وما يقال في النظر يقال في حفظ العورة كما تقدم في الخبر أَنِ : "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ" ، فتوجه الأمر إلى الرجل بالنظر في الفاعل المستتر إذ قُدِّرَ بضمير المخاطب "أنت" ، فضلا عن السياق ، ولم يخل من دلالة التغليب إذ تُخَاطَبُ المرأة ، أيضا ، أن تحفظ عورتها إلا ممن يحل لها من زوج أو سيد ، والسياق وإن انصرف إلى العورة المغلظة بالنظر في السياق إذ خص الزوج وملك اليمين وهما مئنة الوطء ، إلا أنه يستغرق ، أيضا ، العورة المخففة ، وذلك ما يجري ، كما تقدم ، مجرى السدِّ للذريعة ، فالتساهل في العورة المخففة يفضي إلى التساهل فيما وراءها من العورة المغلظة ، فَسَتْرُ الأولى مِمَّا بِهِ تُصَانُ الثانية ، فَيَجْرِي مجرى الحمى ، وذلك أصل اطرد في أحكام الوحي فَعُلِمَ من الاستقراء لفروع الشرع إذ ثم ما ينهى عنه لذاته ، وثم ما ينهى عنه لغيره فهو ذريعة إلى محرم ، وثم ما اجتمع فيه الوصفان فهو محرم لذاته ، من وجه ، وهو ذريعة إلى محرم أعظم ، من آخر ، فالنظر إلى العورة محرم لذاته ، فوجب حفظها ، كما تقدم في الخبر ، وهو كأي مُحَرَّمٍ لذاته مما يباح ضرورة تقدر بقدرها كَتَدَاوٍ أو نحوه .

    فكان من الأمر في الآية أَنِ : (اسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ما نص على الحجاب حال السؤال ، وهو مما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فإن الحجاب يجب سواء أكان ثم سؤال أم لم يكن ، فهو تكليف المرأة خارج بيتها وفي حضرة الأجانب من غير ذوي المحارم ، فثم عموم في الشطر الأول : (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا) ، فذلك العموم القياسي من وجوه إذ تسلط الشرط على المصدر الكامن في الفعل "سألتموهن" مَئِنَّةً من العموم ، فضلا عن تسلط الشرط على النكرة "مَتَاعًا" ، وهو في قوة جنس أعم وهو الشيء على تقدير : وإذا سألتموهن شيئا متاعا أو حاجة ..... إلخ ، وبعده كان الجواب : (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، فَدَخَلَتْ عليه الفاء استصلاحا لِلَفْظِهِ ، من وجه ، فضلا عن دلالة السببية فإن الجواب فَرْعٌ عن الشرط ، كما المسبَّب فَرْعٌ عن السبب ، ولا تخلو من دلالة الفور والتعقيب فذلك آكد في التقرير ، فكان الأمر أن : (اسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، وذلك ما ورد مُنَكَّرًا في سياق الإثبات فَيَجْرِي مجرى الإطلاق ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، فالحجاب قد أُطْلِقَ في الآية ، فكان من القيد ما أبان عن ماهيته المخصوصة في الشرع ، على الخلاف المشهور أيجوز كشف اليد والوجه أم لا يجور ، فَثَمَّ إجماع على ستر ما سواهما من البدن ستر الحقيقة لا ما يشف أو يصف أو كان زينة في نفسه أو لباس شهرة أو ذا ريح عطرة ...... إلخ ، فضلا عن تخصيص آخر في الباب يوجب ستر الوجه واليدين ولو عند من يجيز كشفهما ، إذا كان ثم فساد وخوف ، أو كان ثم جمال تُخْشَى منه الفتنة ، أو كان من الزينة ما قد عَلَا الوجه فَوَجَبَ ستره ، وتلك أمور لو تدبر الناظر مما تختلف باختلاف الأعراف فالزينة منها قدر ظاهر وهو محل إجماع سواء أكان زينة الوجه أم زينة الثياب ، أم العطر الذي به زينة الريح ، أم الصوت بما يكون من ضرب بالأرجل يُبِينُ عَمَّا خَفِيَ من الزينة ، أو الخضوع بالقول فهو زينة في النطق والسمع ، فمعنى الزينة ، لو تدبر الناظر ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، ومنها ما يكون محرما لذاته إن للزوج أو لغيره ، كما في زينة النمص ، ومنها ما يكون مباحا وإنما حُرِّمَ لعارض من خارج وهو ما يكون من الفتنة ، فلا يشرع منها إلا زِينَةٌ باطنةٌ للزوج وحده ، وأخرى ظاهرة لذوي المحارم ، وثالثة تحرم للأجنبي فلا يباح له أن يطلع عليها وإن كانت مباحة في نفسها ، كزينة وجه أو ثوب أو ريح طيبة ..... إلخ ، فثم ما يدخله العرف في باب الزينة ، وثم ما يدخله العرف في باب الفتنة ، إن فَسَدَ الزمان فذلك ، أيضا ، أَمْرٌ يَتَفَاوَتُ ، فقد يكون من الدين في مصر ما به يأمن الناس على أعراضهم ، فَثَمَّ سلطان عدل يحكم بالقسط ، فلا يُظْلَمُ عنده أحد ، فَيُسَوِّي بين الناس ويأخذ على يد القوي فلا يطغى ولا يفجر ولا يستهين بالحرمات إذ ثَمَّ من العقاب ما يخشاه ، وثم من السلطان ما لا يُدَاهِنُ أو يخاف في الله ، جل وعلا ، لومة لائم ، فَثَمَّ من البركة ما يعظم بإقامة العدل وأعظم أجناسه الوحي فهو معدن العدل في الفكرة والشرعة ، فتوحيده أعدل فكرةٍ ، وأمره ونهيه أعدل شرعةٍ ، فذلك مما تَتَّسِعُ به المعايش فَتَتَيَسَّرُ سُبُلُ العفة وَتُسَدُّ الذرائع إلى الفواحش ، ويأمن الناس على حرماتهم ، فَكُلٌّ قد علم مشربه ، والمشرب واسع قد اتسع فلا ينفس أحد على أحد ، ولا تَتَشَوَّفُ النفس إذ حُرِمَتْ حَظَّهَا من المباح فَفُتِحَتِ الذرائع على مِصْرَاعَيْهَا إلى المحرم ، وذلك من شؤم الظلم في الحكومات وإن لم يكن مسوغا لمقارفة المحرم ، ولكن النفس تَضِيقُ بما حُرِمَتْ من حاجتها وقد أخذ غيرها حاجته وزيادة فكان من ظلم الحكومة الجائرة أن رَجَّحَتْ بلا مرجح وَفَضَّلَتْ بلا موجب تَفْضِيلٍ بل قد تُفَضِّلُ الناقص فَتُقَرِّبُهُ وليس لذلك أهلا ، وتظلم الفاضل فَتُبْعِدُهُ وَتُنْقِصُ من حقه ، فَمَنَعَتِ الناسَ حقوقهم وإذا أعطتهم منها شيئا فَفَضْلَةً لا تسد حاجة مع مَنٍّ وأذى وإن لم يكن من كَدِّهَا ولا كَدِّ أَبِيهَا ، فَأَلْجَأَتِ الناس إلى رُكْنٍ ضَيِّقٍ وأوقعتهم في حرج يَعْظُمُ ، فلا يجدون ما به سد الحاجة ، ولا يجدون من سبل العفاف ما به سد الذرائع إلى الفجور ، فَعَظُمَتِ الفتنة بِشُؤْمِ الجور فضلا عن تعطيل أحكام الوحي فيتوجه القول والحال كذلك أن تستر المرأة ما ظهر من زِينَتِهَا وجها وكفا ، وكذلك الشأن في الجمال فهو أمر يتفاوت فلكلٍّ من الرغائب ما يخالف غيره ، فَثَمَّ من يرغب البيضاء ، وثم من يرغب السمراء ، وثم من يرغب الشقراء ...... إلخ ، فمناط الحكم حصول الفتنة وهو معنى ينضبط تارة ولا ينضبط أخرى ، لا سيما في الأعصار المتأخرة لا جرم كان الستر الكامل أولى وإن كان الخلاف سائغا لا يُنْكَرُ فيه على المخالف ما لم يقدح في مشروعية ستر الوجه والكفين ، كما يزعم من يزعم من المخذولين أنها بدعة لا سلف لها من نساء الصدر الأول ، رضي الله عنهن ، فأدنى درجاته الاستحباب بل هو قول الجمهور ، كما تقدم ، فَلَيْسَ منهم من زعم أنه بدعة أو مكروه ، وإن استمسك بعض آخر من المخذولين بقول مالك ، رحمه الله ، إن تغظية الوجه مكروهة في حق المحرِمَةِ بحج أو عمرة ، فَبَتَرَ السياق وأطلق القول بالكراهة ونسبه زورا إلى مالك رحمه الله .

    فكان من الأمر أن : (اسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، فبه حفظ العورة ، فيدخل ، من وجه آخر ، في العموم آنف الذكر أَنِ : "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ" ، فهو وإن انصرف إلى العورة المغلظة إلا أنه يستغرق العورة المخففة ولو سدا لذرائعِ المغلظة ، فيكون الأمر بِغَضِّ البصر ولو إلى الوجه عند من يبيح كشفه ، فذلك من سد الذرائع إلى الفتنة ، فيكون الوجه في حق من يَشْتَهِيهِ أو مَنْ هو مظنة الشهوة وإن لم يجدها حال النظر فذلك مِمَّا يخالف عما اطرد من الطبائع والغرائز فيجري مجرى النادر الذي لا حكم له بل قد يكون ، من وجهٍ ، نَقْصًا في الفحولة وهو من شؤم اعتياد النظر فمن باشر الحرام وَكَرَّرَهُ طلبا للذة المحرمة حُرِمَها فذلك من عاجل العقاب ، وهو ما يواطئ سَنَنًا ربانيا آخر إذ عُومِلَ بنقيض قصده ، فيكون الوجه في حق من يَشْتَهِيهِ أو مَنْ هو مظنة الشهوة يكون من العورة التي يجب غض البصر عنها ، فكان الأمر أَنِ : (اسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، وهو ، كما تقدم ، ما يستغرق السؤال وَغَيْرَهُ فيغض البصر عن كل ما يفتن سواء أكان ثم حاجة وسؤال أم لم يكن .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:21-11-2019
    الساعة:06:45 AM

    المشاركات
    4,887
    العمر
    41

    وهو ما أطنب بعده بالعلة : (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) ، فكان من الإشارة على حد الاستئناف فهو مما يَجْرِي مجرى الجواب عن سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من الأمر بالسؤال من وراء حجاب ؟! ، فكان الجواب الذي حُدَّ حَدَّ الإشارة إلى البعيد مئنة من التعظيم ، فذلك خطب جلل إذ به رعاية مقصد رئيس من مقاصد الوحي وهو حفظ العرض والنسب ولو بالنظر في الغاية فَنَهَى عن الوسيلة إلى المحرم أَنْ شَرَعَ الحجاب للنساء وشرع غض البصر للرجال والنساء جميعا فلا يكون ثَمَّ نظر إلا بقدر الضرورة ، ولا يُحِدُّ الناظر بصره فَيُسْرِفَ في النظرة إذ يُتْبِعُ الأولى أخرى فثالثة فذلك سيل تَتَوَالَى قطراته فيغرق وإنما النار من مستصغر الشرر ، فكان من الإشارة ما قد حُدَّ حَدَّ البعيد تَعْظِيمًا للحكم ، ولا يخلو من دلالة العموم إذ زِيدَتْ فِيهِ الميمُ وهي حرف لَا محل له من الإعراب وإن دَلَّ على معنى الجمع ، فهو حرف مبنى يدل على معنى ، وليس بحرف معنى يستقل في لفظه كحروف الجر والنصب ..... إلخ ، فلا عمل له في اللفظ ولا استقلال له في الرسم ، وإن دل على معنى فَلَيْسَ له محل من الإعراب مبنى ، فضلا أن معناه ، كما تقدم ، لا يضارع معنى سائر الحروف العاملة وغير العاملة مما استقل بِنُطْقِهِ ورسمه ، فكان من الحرف ما قد دل على الجمع المذكر إذ الخطاب للرجال أن يسألن النساء من وراء حجاب ، ولا يخلو الخطاب أن يتوجه إلى النساء أيضا ، فإنهن إن سألن الرجال فَلْيَكُنْ سؤالهن من وراء حجاب ، فيكون من الستر والحشمة ما به تُؤْمَنُ الفتنة ، ويكون من الحاجة أو الضرورة ما يجوز السؤال فلا يكون استكثارا وفضولا من النظر والنطق فهو مما يعلق بالقلب فينجس بصورة محرمة ، وهي مما يُزَخْرِفُ الشيطان إذ يَشْغَلُ الناظر بالمفاتن ولو تدبر المغابن ما أَسْرَفَ في النظرة والفكرة ، فلا تخلو صورة في الأرض من نقص لو تدبره الناظر ما تمنى ، وإنما الحكمة أن يوضع الشيء في محله ، فالشيطان يخالف عنها ، فَتَرَاهُ يوسوس للناظر فَيُزَهِّدُهُ في الصورة المباحة من زوج أو ملك يمين وهو محل النظرة والشهوة المباحة التي لا تورث صاحبها ندما ولا تحمله وَضَرًا ، فعاقبتها الخير إذ بها تُجَمُّ النفوس وتسكن ، فهي تأوي إلى حلال طيب ، فَتَقْضِي الوطر قضاءَ المودة لا قضاء المحرم الذي عظم شؤمه ، فكان من الشهوة المباحة ما هو أولى بالمباشرة فَهُوَ ذريعة العفة وَسَبَبُ العزة بما يكون من ذرية تَنْصُرُ ، فكان من وصاية المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ، فذلك أمر قد عَمَّ إذ اتَّصَلَ بِضَمِيرِ الجمع ، وهو مما احتمل وجوها مشهورة استقرأها أهل الشأن ، فهو يَتَرَاوَحُ بين الإيجاب والندب والإباحة ، وقد يكون مكروها أو محرما فلا يدخل الزواج المحرم في حد الأمر في الخبر فلا يأمر الوحي ، بداهة ، بمحرم ، وثم خلاف أيدخل المكروه أم لا يدخل ، وهو خلاف مشهور في الأصول فَثَمَّ من قال إن المكروه يدخل في حد الأمر ، فإذا أمر الوحي بفعل ، دخل في حَدِّ الأمرِ ما كُرِهَ من هذا الفعل فلم يبلغ حد التحريم فدخل كل ما جاز فعله ولو كان تَرْكُهُ أولى فَلَمْ يَبْلُغْ حد التحريم الجازم ، فكان من الأمر ما احتمل ، كما تقدم ، فضلا عن معنى آخر يُرْشِدُ ، فأرشد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يَتَزَوَّجَ الشباب مَنْ ذلك وصفُها فهو الوصف الأكمل ، وهو ما ورد في موضع آخر من السنة ، فـ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" ، فكان من النداء ما تَوَجَّهَ إلى البعيد فلا يخلو من استحضار الأذهان ، وقد خص الشباب بالذكر فهم أول من يدخل في هذا الخطاب لمكان الشهوة فالشباب مظنتها ، فهم أول من يدخل في هذا الخطاب ، ولا يحول ذلك دون دخول غيرهم من الرجال بل والنساء بالنظر في العلة فَلَهُنَّ من البصر ما يجب غضه عن المحرم أو فُضُولِ النظر الذي قد يُفْضِي بهن إلى الشر فَيُغَضُّ سدا للذريعة ، ولهن من الوطر ما يحسن قضاؤه في حلال طيب ، فمناط الحكم حصول الاستطاعة ، فَهِيَ الباءةُ حِسًّا ومعنى ، فكان من الشرط ما يجري مجرى الإلهاب والتهييج فهو مئنة من الحض ، فمناط الحكم ، كما تقدم ، المعنى الذي اشتق منه الشرط وهو استطاعة الباءة ، وَثَمَّ بَيَانٌ للجنس قد دلت عليه "مِن" في "مِنكم" ، ولا تخلو من دلالة تَبْعِيضٍ وابتداء غاية ، فالثلاثة تجتمع في الغالب ، وبعده كان الأمر الذي استصلح لفظه بدخول الفاء الرابطة في : "فَلْيَتَزَوَّجْ" ، فضلا عن دلالة الفور والتعقيب فذلك آكد في تقرير التلازم بين الشرط والجواب ، تلازم العلة والمعلول ، فَهُمَا يدوران دوران الطرد والعكس على وجه يواطئ صريح العقل ، وَزِدْ عليه دلالة السببية ، فإن حصول الباءة سبب في الأمر بالزواج ، وهو ما أُرْدِفَ بِعِلَّتِهِ ، فـ : "إِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ" ، فكان من الفاء ما دخل على الناسخ "إِنَّ" فحصل باجتماعهما من دلالة التعليل ما يجري مجرى النص وإن غَيْرَ صريحٍ كما قرر أهل الشان من الأصوليين وَالْبَيَانِيِّينَ ، فأطنب بذكر الجوارح عَيْنًا وَفَرْجًا على حد التفضيل "أغض" و "أحصن" وذلك آكد في الإلهاب والتهييج ، فَبِهِ صلاح الجوارح بمادة العفة غَضًّا وتحصينا ، وذلك منطوق يدل على مفهوم فمن لم يستطع فلا يتزوج إذ لم يستوف مؤنة النكاح ، فَثَمَّ عوض منه وهو الصوم ، فكان الإطناب بِمَا زَادَ عن المفهوم ، فالمفهوم لا يدل إلا على تَرْكِ النكاح إذا لم تَتَيَسَّرْ مؤنته دون الإرشاد إلى بدل وذلك ما يوقع الشاب في الحرج فكان من رحمة الرسالة وبلاغة لفظها أن ذَكَرَ العوض مفصلا ، فـ : "مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" ، فكان من الحض الذي دل عليه اسم الفعل "عليه" ، وهو مئنة من اللزوم على تقدير : فَلْيَلْزَمِ الصومَ ، وذلك ، أيضا ، مئنة من إلهاب وتهييج ثان ، فاسم الفعل تأويله اللزوم ، وهو مَئِنَّةٌ من الكثرةِ والديمومةِ ، فَلْيُدَاوِمْ على الصوم ، ودلالة "أل" في "الصوم" مئنة من بَيَانِ الجنس ، فاستغرق الواجب والمندوب وإن انصرف إلى المندوب فالواجب حتم لازم وجد الشهوة أو لم يجد ، وأما المندوب فهو مما يشرع إذا وجد الشاب الشهوة ولم يجد من السبب الطيب المباح ما به يقضي وطره ، وقد يبلغ حد الإيجاب إذا لم يكن ثم سبيل يحول دون المحرم إلا هو ، فالأمر به وإن لم يجب ابتداء إيجاب الفرض كرمضان ، الأمر به في هذه الحال يجري مجرى سد الذريعة إلى المحرم ، فهو واجب ، فضلا أنه ما لا يتم واجب العفة إلا به فهو واجب ، فوجب من هذا الوجه ، وإن لغيره ، ولا يخلو السياق من إطناب بالعطف ، فعطف بالفاء في : "فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" ، ولا تخلو ، كما تقدم ، من دلالة السببية وإن لم تكن نصا فيها ، فضلا عن دلالة الفور والتعقيب ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا يخلو الخبر من دلالة التوكيد إذ صُدِّرَ بأم الباب ، فَثَمَّ ناسخ مؤكد لا يخلو من دلالة أخرى تُقَارِنُ وهي دلالة التعليل فدخول الفاء عليه بعد أمر أو تكليف قد رَشَّحَ فِيهِ دلالة التعليل ، وثم جمل قياسية من التوكيد معنى ، فاسمية الجملة وهي مئنة من الثبوت والديمومة ، فضلا عن تقديم الظرف "له" وحقه التأخير ، ولا تخلو اللام فيه من دلالة الاختصاص ، وذلك ، أيضا ، مما به زيادة التقرير ، ولا يخلو الوجاء من دلالة استعارة ، فإن الخصاء مما يحرم في حق بني آدم ، كما في حديث النفر الذين استأذنوا صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يختصوا فَلَمْ يَأْذَنْ ، فالأمر في حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، وفيه : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ" ، يحمل على التهديد فلا يحمل على إيجاب أو ندب ، ولا يحمل على تخيير يفيد الإباحة ، فَاخْتَصِ إن أردت أو لا تختص ، بل الاختصاء محرم مطلقا لما فيه من المثلة ، فكانت اسْتِعَارَةُ الوجاءِ إذ قَطْعُ دَابِرِ الشهوة أو سد ذرائعها بما يكون من الصوم الذي يضيق مجاريها في البدن ، فضلا عما يحصل لصاحبه من الورع ، فَقَطْعُ دابرِ الشهوة كالوجاء للفحل ، ولا يخلو تَنْكِيرُ الوجاء من دلالة نوعية قياسية في اللسان فهي مئنة من بيان الجنس الذي اشتق منه اللفظ ، فيصدق ابتداء في أدنى ما تحصل به الحقيقة في الخارج فهو ، من هذا الوجه ، يجري مجرى النكرة في سياق الإثبات فهي مئنة من الإطلاق .
    والسياق قد يزيد في النكرة : "وِجَاءٌ" دلالة التعظيم أو التكثير فهو مما ينفع في هذه الحال إن لم يجد الشاب سَبَبَ نكاحٍ طَيِّبٍ ، فكان من الأمر في هذا السياق ما اقتصر على الشباب ، وذكرهم ، كما تقدم ، يجري مجرى المثال الذي لا يخصص العام ، فذكره يجري مجرى الغالب فلا مفهوم له كما قَرَّرَ أهل الشأن ، فَيَسْتَغْرِقُ الخطابُ الشبابَ وَمَنْ دونهم من الرجال البالغين الطالبين للنكاح ، فكل أولئك مما يدخل في حد الضمير ، واو الجمع التي أسند إليها العامل ، فـ : "تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ، فذلك أمر يَتَرَاوَحُ ، كما تقدم ، فهو مئنة من إيجاب إن خشي العنت واستحباب أو إباحة إن لم يخشه ، ولا يخلو من إلهاب وتهييج يجري مجرى الحض فمناط الأمر الودود الولود ، فَهِيَ ودود تسر الناظر ، فَثَمَّ معنى لطيف باطن يجاوز حلاوة الصورة الظاهرة فَثَمَّ من خفة الروح ودقة اللفظة واللحظة ما يقع في قلب الزوج كلَّ موقع ، فذلك وصف العروب التي تَتَحَبَّبُ إلى زوجها وذلك جمال يجاوز جمال الصورة فما تصنع إن لم يكن ثم ود ولطف وخفة روح فتلك معادن الحلاوة حقا ، فالصورة وإن كان فيها حلاوة فما تغني إن لم يكن ثم حلاوة في الباطن فهي تجبر نقص الصورة ولا تجبر الصورة نقصها ، وأكمل الأحوال ما كانت الحلاوة فيه باطنا وظاهرا فإن لم يوجد منها في الظاهر إلا ما تَيَسَّرَ ، وكان منها في الباطن ما تَكَثَّرَ ، فتلك صورة تستوجب الحمد وَبِهَا يسعد الزوج إن فَقِهَ حَدَّ الجمال فجاوز به ما يَتَبَادَرُ من حلاوة الصورة الظاهرة ، فَثَمَّ من الود وصفو المحبة ما قَدْ حُدَّ حَدَّ المبالغة ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده فضلا عن إطناب يجري مجرى اللازم فالودود حلوة المعشر والزوج إليها يسكن ، فيكون من الولد ما يكثر ، فَحُدَّ ، أيضا ، حد المبالغة ، وذلك ما يجري مجرى المظنة فلا يجزم به الخاطب وإنما يجتهد في استقصائه ، بالنظر في أقرانها أما وَأُخْتًا ...... إلخ ، وبعده كان الإطناب على حد التعليل : "فَإِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ، فتلك ، كما تقدم ، دلالة الفاء العاطفة فلا تخلو من معنى السببية وإن لم تكن نصا فيه ، فَثَمَّ عطف وفور وتعقيب لا يخلو من دلالة التعليل ، وَزِدْ عَلَيْهِ الَّتوْكِيدِ اللفظي بالناسخ "إِنَّ" ، وما اقترن به من توكيد المعنى باسمية الجملة ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ، ولا يخلو الاسم المشتق : "مكاثر" أن يتحمل من الضمير ما يرجع إلى المبتدأ ، ضمير المتكلم الذي دخل عليه الناسخ فانقلب ضميرَ نصبٍ في لفظه ولم يَنْقَلِبْ معناه فهو أبدا مئنة من المتكلم سواء أَحُدَّ حَدَّ الرفع المنفصل "أنا" أم حُدَّ النصب المتصل ياء ، وهي ياء المتكلم في "إني" ، فثم ضمير تَحَمَّلَهُ الاسم المشتق "مكاثر" ، فهو فرع عن مضارعه "أكاثر" ، ولا يخلو من المفاعلة ، فالألف فيه ألف المفاعلة كما قرر أهل الصرفيون ، وهي آكد في القصد والإرادة ، فَتَحَمَّلَ العامل "مكاثر" ضميرَ متكلمٍ مرجعه إلى المبتدأ الأول : ياء المتكلم في "إني" ، فَثَمَّ ، من هذا الوجه ، تَوْكِيدٌ بتكرار الإسناد .


    فكان من وسواس الشيطان أن صرف الزوج عن هذه الصورة الطيبة المباحة فزخرف له أخرى محرمة ، سواء أكان ثم حلاوة ظاهرة أم لم يكن فتكون المصيبة أعظم ! ، فحشفا وسوء كيلة ، بل ما تصنع الحلاوة لو كان ثم خبث طبع وسوء معشر ؟! ، فمعدن الحلاوة التي تستجم بها النفس وتسعد بها الروح هي حلاوة الطيب المباح من المناكح التي تَعْظُمُ بَرَكَتُهَا بقضاءِ الوطر وَوِصَالِ مَنْ تُحِبُّ النفس واستخراج ما قَدْ قُدِّرَ من الولد ، فهو زينة بها تُسَرُّ النفوس وتعز الأديان والمذاهب بما يكون من رجالات يذبون عنها إذ دَرَجُوا في مهادها فاستظهروا ألفاظها وَتَشَرَّبُوا أحكامها ، فغض البصر عن الصورة المحرمة سواء أكانت فاحشة أم كانت مما لا يحل من الأجنبية فالنظر إليها يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها فلا يكون ثم إسراف يورث القلب مرضا وطمعا ، فكان النهي عن إظهار الزينة ، ومنها زينة القول الخاضع كما في قول الرب الشارع جل وعلا : (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) ، فكان من النهي ما احتمل ، أيضا ، فهو مئنة من التحريم وتلك دلالته القياسية فضلا عن التحذير والإرشاد فلا يخلو من دلالة النصح بما يَنْفَعُ ، فكان من النهي عن الخضوع ما يجري مجرى السبب أو المقدمة فَنُهِيَ عنه سدا للذريعة وهي المسبَّب والنتيجة من الطمع الذي يحصل في القلب المريض ، فذلك ما قَدْ حُدَّ حَدَّ السببية القياسية ، فالفاء في هذا السياق في "فَيَطْمَعَ" ، الفاء : نص في الباب إذ نُصِبَ المضارع بعدها في سياق النهي الذي صُدِّرَ به الكلام ، وثم من الإطناب بالوصل ما يزيد فِي دلالة التعليل إذ أناط الحكم بالمظنة وهي المحل المريض ، مرض الشهوة ، فكان من الوصل ما يَعُمُّ ، كما قرر أهل الشأن ، فالموصول وإن مفردا في لفظه فهو عام في مَعْنَاهُ إلا أن يكون ثم دلالة عهد خاص وليس ذلك بحاصل في هذا الموضع فهو الاستثناء في هذا الباب ، باب العموم ، فَثَمَّ منه ما اصطلح أنه العموم الدال على خصوص ، فلا يصار إليه بدليل إذ يخالف عن الأصل في باب الموصول وهو العموم المستغرق لآحاده وإن مفردا في لفظه ، فيجري مجرى الدعوى التي تخالف عن الأصل ، فهي قدر زائد يفتقر إلى دليل ناصح ، فمن ادعى دعوى فالبينة عليه ، وإلا فدعواه مجردة عارية من الدليل فلا يجزئ التجويز العقلي في هذا الباب ، فلا بد من قدر زائد يُرَجِّحُ كفة الإيجاب في الجائز فيصير واجبا أو ثابتا وإن لغيره بما كان من دليل الترجيح فهو قدر زائد على الجائز المجرد من دليل الإيجاب أو الإحالة ، فإن لم يُقِمِ المدعي على دعواه بَيِّنَةً فهي رَدٌّ فيجزئ في ردها دعوى تضاهيها ، إذ استويا وتعارضا فتساقطا ، كما يقول أهل النظر والمنطق ، فالموصول في هذا السياق على الأصل فليس ثم قرينة ترجح دلالة العهد الخاص ، فهو مئنة من عموم يستغرق مناطُه المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو وجدان المرض في القلب ، وذلك ، من وجه آخر ، ما يجري مجرى المظنة فلا اعتبار لحقيقة الحكمة ، كما يقول أهل الشأن ، فنهي عن الخضوع وإن لم يكن السامع ذا قلب مريض ، فلا يضر تخلف الحكمة في بعض المحال فذلك لا يقدح في عموم النهي إذ يجري مجرى سد الذرائع فتسد ولو لم يوجد المحل القابل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من النادر الذي لا حكم له فَنَدَرَ أن تخضع امرأة بالقول فيجد الرجل وإن سَلِمَ قلبه ، فيجد من التغير ما به يُزَيِّنُ الشيطان وَيُزَخْرِفُ ليستدرج السامع لما بعده ، فكان من النهي ما قد عم سدا للذريعة صَلُحَ السامع أو فَسَدَ ، ولا يخلو النص على القلب من تَنْوِيهٍ بمحل الإرادة وهو الجنان فهو موضع الداء الرئيس وما النظرة أو اللفظة أو اللمسة إلا حكاية لما قام به من الصورة المحرمة ، فالجوارح تصدق أو تكذب ، كما في الخبر المشهور : "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ، وَالْفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الْقُبَلُ، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ" ، فيجري الأمر مجرى الحكم فهو فرع عن التصور فما يحصل في الجنان من الصورة هو باعث الحكم الباطن حُبًّا أو بُغْضًا ، إرادة فعل هي تأوبل الحب وإرادة ترك هي تأويل الكره ، وذلك ، أي ما يحصل في القلب من الإرادة ، ذلك باعث ثان لحكم الظاهر من أعمال الجوارح .

    فوسواس الشيطان قد خالف بمن ضعف فلم يستعذ ويعتصم بأسباب العفة الباطنة والظاهرة ، فوسواس الشيطان قد خالف به فصرفه عن الصورة المباحة الطيبة إلى أخرى خبيثة محرمة ، فوسوس بالزخرف والزينة ، فكان من الأمر بالسؤال من وراء حجاب ما به سد الذريعة ، فثم ، كما تقدم ، سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة الأمر بالسؤال من وراء حجاب ؟ ، فكان الجواب : (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) ، فَثَمَّ مثال تفضيل ، مثال "أَطْهَرُ" ، وقد يحمل على نَزْعِ الدلالة فليس في سؤالهن بلا ستر ما يطهر ، بل ثم مخالفة عن الوحي تحرم وهي مما يكدر صفو النفس ويقدح في كمال الإيمان والعفة فهو إلى النجس أقرب لا سيما إن احتف بقرائن أخرى كالإسراف في النظر والخضوع في القول والمباشرة باليد ...... إلخ ، فكل أولئك مما ينجس فلا طهر فيه ليقال إن نظيره أطهر منه فليست المفاضلة في هذه الحال بين طاهر وأطهر ، بل هي بين طاهر ونجس ، ولا يخلو الخطاب أن يجري ، من وجه ، مجرى الأولى في القياس ، فإن توجه الأمر في حق أمهات المؤمنين وهن الأطهر قلوبا ، فكيف بمن دونهن من النساء ؟! ، فيتوجه الأمر إلى غيرهن من باب أولى ، ولا اعتبار بمن شذ وسفسط فخرج عن قانون اللسان المحكم فَقَصَرَ الأمر على أمهات المؤمنين دون من سواهن من النساء ، فذلك تحجير لواسع وتخصيص بلا مخصِّص ، فلا يخلو من التحكم الذي يخالف عن قانون الوحي واللسان ، فإن سبب النزول لا يخصص العام الذي نَزَلَ عليه ما لم تكن ثم قرينة تخصيص يجري بها العام مجرى الخصيصة ، فتلك ، أيضا ، دعوى زائدة تفتقر إلى بَيِّنَةٍ ناصحة وإلا وجب العمل بالأصل ، فالعام النازل على سببٍ : يَسْتَغْرِقُ ما سِوَى صُورَةِ السببِ مِمَّا يُضَاهِيهَا في المعنى ، فيستغرق جميع آحاده ، فلا يُعْدَلُ عن هذا الأصل إلا بدليل ، وإلا فاستصحاب الأصل حتم لازم ، فمن ادعى دعوى تخالف عنه وتوجب الانتقال عنه فلا بد أن يورد من زيادة العلم ما يشهد لذلك فإن أورده فمعه من زيادة العلم ما يوجب المصير إلى قوله ، وإلا استصحب الأصل ، وهو العموم المستغرق ، لا سيما وقرينة العموم في خطاب التكليف له تشهد ، فذلك أصل محكم في جميع خطابات الوحي ، الخبرية والإنشائية ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما يقول أهل الشأن ، فالخطاب يستغرق أمهات المؤمنين مواجهةً فَهُنَّ أول من خُوطِبَ ، وَيَعُمُّ غيرهن تَبَعًا إما بالدخول ابتداء في العموم وهو الأرجح ، أو بالقياس على صورة السبب والقياس في هذه الحال يجري مجرى القياس الأولوي ، فَغَيْرُهُنَّ أولى أن يَتَحَوَّطْنَ بِمَا به يطهر القلب من الكدر .
    فَحُمِلَ مثال المفاضلة من هذا الوجه عَلَى نَزْعِ الدلالة ، فهو أطهر لقلوبكم وقلوبهن ، وقد أطنب على حد الطباق إيجابًا قَدِ استغرق الرجال والنساء جميعا ، إذ ذلك مما بِهِ صلاح النوعين ، وخص القلب بالذكر فهو مستجمع الصورة والفكرة ، فإذا حصلت الصورة فيه بشهوة كان الصادر عَنْهُ إرادة الشر الذي به يَنْجُسُ المحل ، فالإرادة فرع عَنِ الصورة ، إذ تجري مجرى الحكم ، وهو فرع عن التصور ، كما يقول أهل النظر ، فالصورة المباحة تُفْضِي إلى مباح ، والمحرمة تُفْضِي إلى محرم فذلك قياس العقل الصريح إذ ثم تلازم في العقل ضرورة بين الوسائل والغايات ، بين المبتدإ والمنتهى ، ومن ثم كان النهي الذي زِيدَ في حده كَيْنُونَةً ماضية في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) ، فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده إذ الزيادة في المبنى مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى ، وهي مما استعير للنهي أن لا تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك عام أُطْنِبَ بعده بالخاص وهو صورة النكاح لأزواجه : (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) ، فذلك من أعظم الأذى له فتلك خصيصة من خصائصه إذ أزواجه أمهات المؤمنين ، وإن لم تكن أمومة تامة بِهَا تثبت الحرمة ، فوجب عليهن الاستتار أمام الأجانب كما الحال في سائر الحرائر ، فهي أمومة التشريف لهن لمكانهن من صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي من رعاية حقه فما عُظِّمْنَ هذا التعظيم إلا أن كُنَّ أزواج البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتعظيمهن تعظيم لزوجهن ، والانتقاص من حقهن بسلب هذه الخصيصة انتقاص من حقه ، فكان النهي الذي عم ، فـ : (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) ، فذلك خبر يجري مجرى الإنشاء أن لا تؤذوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ثم خص : (وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) فَزِيدَ فيه تكرار الأداة ، أداة النفي "لا" ، فضلا عن التَّأْبِيدِ الذي قطع الاحتمال فَأَحْكَمَ النَّفْيَ فلا يُنْسَخُ ولا يُخَصَّصُ ، فضلا عن الإطناب إذ حُدَّ النهي مؤولا من "أَنْ" وما دخلت عليه من المضارع "تَنْكِحُوا" ، فمحضته للاستقبال وهو ما يظهر في النكاح فلا يكون بداهة إلا بعد وفاة الزوج وانقضاء العدة ، خلاف الإيذاء فهو جنس أعم يستغرق إيذاءه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته ، كما في قوله تعالى : (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فكان من التمهيد بين يدي الفعلة أن أبان عن وصفها فهي إيذاء لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولازمه توجه الإيذاء إلى مَنْ أَرْسَلَهُ ، جل وعلا ، فالقدح في المرسَل قدح في المرسِل ، وذلك مما حسن معه الإطناب بختام يتوعد ، فـ : (الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فكان من الإطناب بالموصول ما به حُدَّ الكلام حَدَّ التلازم بين الحكم والعلة ، فأنيط حكم الاستحقاق والاختصاص بالعذاب الأليم وتلك دلالة اللام في "لهم" ، أنيط بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الإيذاء الذي حُدَّ حَدَّ المضارع استحضارا للصورة في سياق التنفير والذم فذلك آكد في الزجر ، فضلا عن اختصاصهم بالعذاب الأليم وهو ما دلت عليه اللام ، كما تقدم ، فضلا عن تقديم الظرف "لهم" وحقه التأخير ، فأفاد ، من هذا الوجه ، الحصر والتوكيد ، وَزِدْ عليه الإطناب إذ مَهَّدَ بالعذاب وهو مما يحصل به الزجر ثم زاد الوصف بالأليم الذي حُدَّ حَدَّ "فعيل" من "فاعل" فهو المؤلم فَحَدَّهُ حَدَّ المبالغة إمعانا في الوعيد والزجر ، وزد عليه التنكير في كلا اللفظين فهو مما يحمل على التعظيم لقرينة السياق فهو عذاب عظيم في قدره مؤلِم في وصفه ، بل هو مئنة الخلد إذ إيذاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قصدا من الكبائر الناقضة لأصل الدين الجامع ، خلاف ما يكون عَرَضًا لم يَتَقَصَّدْ صاحبه الإيذاء كما في سياق تقدم في آي الأحزاب ، فـ : (إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) ، فلم يَتَقَصَّدُوا إيذاءه ، بل ولعلهم قصدوا ضده من الإحسان بإجابة الدعوة ، فالأذى الموجب للردة هو الأذى قصدا ، وهو ما يكون في حقه ما لا يكون في حق غيره من آحاد المؤمنين ، فَبُغْضُهُمْ يحتمل فقد لا يكون على قاعدة دين فلا يبغضهم لأجل دينهم فلا يكفر بذلك بداهة ، خلاف بُغْضِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أبدا ناقض لأصل الملة فلا يُتَصَوَّرُ فيه من انفكاك الجهة ما يُتَصَوَّرُ في آحاد المؤمنين ، فَحُدَّ العذاب أليما ، وهو مئنة من عظم الجرم ، وذلك ما أبان عنه ختام الآي في الأحزاب ، فـ : (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) ، فجرى ، أيضا ، مجرى الجواب عن سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء وهو سؤال التعليل فما علة ما تقدم من النهي ؟! ، فكان الجواب : (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) ، فَثَمَّ جُمَلُ تَوْكِيدٍ قياسي تَحْسُنُ في مواضع الزجر والوعيد ، فَثَمَّ من دلالة التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ما وُضِعَ له اللفظ ابتداء ، فضلا عما انضم إليها من دلالة التعليل ، وزد عليه اسمية الجملة ، والزيادة في الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الجملة الفعلية : (كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) ، ولا تخلو الكينونة الماضية أن تَزِيدَ في المعنى فَرْعًا عن زيادة مبناها ، فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده من القول في غير التنزيل : إن ذلك مما يعظم عند الله ، جل وعلا ، فالكينونة مئنة من ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي وهو ما قد نُزِعَتْ دلالته فهو حكم يَتَّصِلُ حال نزوله وبعدها ، فَسَبُّهُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو الانتقاص من قدره مما يؤذيه ولو بَعْدَ قَبْضِهِ ، بل يؤذيه بعد قبضه إيذاء أعظم لا جرم لم تقبل توبة فاعله بالنظر في أحكام الدنيا ، وإن نفعته التوبة إن صدق في أحكام الآخرة فَيُقْتَلُ ولو أظهر التوبة لئلا تكون تلك ذريعة إلى الزندقة وانحلال عرى الدين فَيَسُبُّ الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإذا أُخِذَ بجنايته أظهر التوبة ثم أعاد الكرة فلا يحسم خبث هذه المادة إلا السيف إن كان ثم حكومة وحي تُعَظِّمُ شرائع التنزيل ومن آكدها حق البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يُوَقَّرَ وَيُعَزَّرَ ، فـ : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) ، فيقتل الساب إذ من يملك حق العفو قد قُبِضَ وليس سَبُّهُ كَسَبِّ أي أحد فهو يعدل سب الدين والوحي الذي أُرْسِل به بل وسب الرب ، جل وعلا ، الذي أرسله فتلك لوازم ضرورية تقدح في أصل الديانة السماوية ، فمعرة السب ، كما يقول أهل الشأن ، تَنَالُهُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يسلم شرفه الرفيع من الأذى إلا أن يُرَاقُ على جوانبه الدم ، فكان من الْعِظَمِ ما زيد في تقريره أن قَدَّمَ الظرف : (عِنْدَ اللَّهِ) ، فعندية الله ، جل وعلا ، مما عظم ، فليست كعندية غيره فَقُدِّمَتْ في اللفظ وحقها التأخير ، فمعناها يشرف ويعظم ، وبه استحقت التقدم والتصدر وبعده كان الوصف الذي نُكِّرَ تَعْظِيمًا ، فالسياق إن جرى على الأصل في اللسان فتأويله : إن ذلكم كان عظيما عند الله ، جل وعلا ، ولم تخل الإشارة ، أيضا ، من إشارة البعيد تعظيما فذلك مِمَّا يَرْفِدُ المعنى في سياق الزجر والوعيد فهو عظيم الوصف ، وذلك شطر ، وهو مناط العذاب الأليم وذلك آخر اسْتُفِيدَ من آي التوبة : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فحصل باجتماعهما من الْبَيَانِ وَصْفًا للفعل وَبَيَانًا للجزاء ما به تحصل العبرة ، فذلك خطب عظيم يَنْقُضُ أصلَ الدين ، وإن كان نكاح المتوفى عنها زوجها مشروعا بعد انقضاء عدتها ، فثم خصيصة جعلته من أشد الأذى في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو استباحة للأم ، وذلك ناقض لأصل الملة ولو لم يقارفه الفاعل فاستباحته ، ولو اعتقادا ، مما يقدح في أصل الدين الجامع ، لا جرم حَاجَّ به ابن عباس الخوارج في مقام الإلزام فإن استحلوا سبي من يقاتلون من المسلمين ، فإما أن ينكروا أمومة الصديقة ، رضي الله عنها ، فيكفروا ، من الوجه ، وإما أن يستحلوا نكاح أمهم ، فيكفروا من ذلك أيضا ! ، وبعده كان الإطناب في سياق التحذير : (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ، فاستغرق على حد الطباق إيجابا بين "تبدوه" و "تخفوه" ، وهو ما عم كل ما يَعْتَمِلُ في النفس ، فالنكرة "شيئا" قد وردت في سياق الشرط فأفادت العموم القياسي كما قرر أهل الدرس الأصولي ، وبعده كان الإطناب في الجواب وهو ما دخلت عليه الفاء أيضا إذ حُدَّ حَدَّ الاسمية ، ولا تخلو من زيادة معنى فهي مئنة من الثبوت والديمومة : (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ، ولا يخلو ، أيضا ، من جمل التوكيد القياسية : الناسخ وهو أم الباب ، واسمية الجملة والإطناب بالكينونة منزوعةِ الدلالة الماضوية فهي مئنة من عموم يستغرق سائر الأجزاء الزمانية أزلا وأبدا وبينهما ما يكون من الأحوال المتعاقبة ، وزد عليه العموم القياسي ، وتقديمه مما يزيد في المعنى إذ تقديمه وحقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، وزد عليه حد الاسم فَعِيلًا من فَاعِل "عليما" من "عالم" فهو مئنة من المبالغة فاستغرق الوصف كل شيء ولو محالا فيعلمه الله ، جل وعلا ، ولو فَرْضًا يُقَدِّرُهُ العقل في سياق التَّنَزُّلِ في الجدال مع الخصم ، كما يضرب المثل المشهور بالإلزام الصريح المعقول في قول ذي الملكوت جل وعلا : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) .

    وبعده كان الرجوع إلى السياق بعد هذا الاعتراض ، فراجع أحكام العورة فنفى الجناح على حد الإباحة ، فـ : (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) ، وأطنب فيمن يباح أمامهن ظهور زينة المرأة فيجوز لها أن تضع حجابها أمامهن ما لم تكن ثم فتنة ، وكان من الإطناب بالعام في قوله تعالى : (وَلَا نِسَائِهِنَّ) ، بعد الخاص وهو ما احتمل إما الجنس مطلقا وبه استدل من جوز وضع الحجاب وظهور الزينة أمام الكافرة ، واحتمل عهدا خاصا وهو نساء المؤمنين وذلك ترجيح مَنْ قَصَرَ ذلك على المؤمنات ، وبعده كان الأمر بالتقوى عامة بعد هذا التكليف خاصة فيجري ، أيضا ، مجرى الإطناب بالعام بعد الخاص ، فأطلق الأمر : (وَاتَّقِينَ اللَّهَ) ، ولا يخلو من دلالة التغليب بالنظر في عموم التكليف فالأمر بالتقوى مما يخاطب به الذكر والأنثى جميعا وإن خُصِصْنَ بِالذِّكْرِ في هذا السياق إذ أَبَانَ عن حكم اخْتُصِصْنَ به وهو الحجاب ، وبعد الأمر كان النص على العلة على حد الاستئناف : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) ، وفيه يُقَالُ ما قد قيل فِيمَا تَقَدَّمَ ، فهو جواب سؤال قد دَلَّ عليه السياق اقْتِضَاءً وهو سؤال العلة : فما علة الأمر بالتقوى وهي مما يستوجب المراقبة في السر والعلن ؟ ، فكان الجواب : (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) ، فهو يضاهي ما قد قيل في قوله تعالى : (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) ، فالعلم والشهادة صنوان في المعنى ، وإن كان العلم أوسع مناطا فهو يستغرق الغيب والشهادة جميعا ، فيكون الإطناب بالشهادة بعد العلم ، من هذا الوجه ، إطنابا بخاص بعد عام .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •