اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: ليلة القدر

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:21-11-2019
    الساعة:06:45 AM

    المشاركات
    4,887
    العمر
    41

    ليلة القدر

    ومن حديث الموطإ عن مالك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ. فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ. فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» :
    فكان من الرؤيا المنامية ما أريه القوم على حد التواطؤ وهو مشعر بالصدق في نفس الأمر ، وإن لم يخرج في غير حال النبوة أن يكون مما يستأنس به الناظر فلا يجاوز حد البشرى ، كما في الخبر : "إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ" ، فكان من الطباق رؤيا يَرَاهَا فذلك وجه ، أو تُرَى له فهو آخر فاستغرق الطباق شطري القسمة في العقل ، فضلا أن التواطؤ في غير حال النبوة لا يلزم منه الصدق في نفس الأمر فقد يجري مجرى حديث النفس رغبة في مطلوب جامع ، كأهل بلاء عام بَأَسْرٍ أو نَفْيٍ ..... إلخ ، فقد تَتَوَاطَؤُ رؤاهم بفرج قريب ، وذلك وإن احتمل البشرى لا سيما إن كانوا أهل صلاح وتقوى ، إلا أنه مئنة من حديث نفس يطلب مرغوبا تحبه النفوس فهي تتحدث به في الِجنَانِ ، فيحصل لها رؤيا في المنام ، فلا تكون ، بداهة ، شرعا ، ولا تكون سببا يعتبر حال النظر والتدبر عملا بقدر الشرع المنزل إذ يأمر بمباشرة الأسباب وليس منها بداهة المنام فلا يجاوز في أحسن حال أن يجري مجرى البشرى ، وإنما كانت الرؤيا هنا شَرْعًا ، في الحديث محل الشاهد في رؤياهم ليلةَ القدر ، وكان للمواطئة معنى يعتبر في خبر توقيف لا يُتَلَقَّى بداهة إلا من مشكاة التشريع ، كان لها معنى يعتبر إذ حصلت في زمن نبوة ووحي ، فاطلع صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليها وأقرها ، فإقراره شرعٌ ما لم يستدرك عليه الوحي ، فلما اطلع على رؤياهم وأقرها واستنبط منها الخبر وأردف بالحكم على حد الإلهاب والتهييج في الشرط : "فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" ، فكان من إقرار صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام ، وسكوت الوحي ، فسكوته في موضع البيان : بَيَانٌ ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، فلا يقر الأمة الخاتمة على خلاف الأولى فضلا أن يقرها على خلاف الحق ، فذلك ما يمتنع من باب أولى ، فكان من رؤياهم ما زِيدَ في دلالته فصار شرعا لما تقدم من قرينة احتفت بالرؤيا وهي إقرار الوحي ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يجري مجرى التأويل ، فإن المعنى الراجح المتبادر من الرؤيا أنها تتراوح بين بشرى فهي رحمانية أو حديث نفس لمرغوب يختزنه الجنان فَيُصَوَّرُ في المنام إما صريحا أو بتأويل فيكون من رمز الرؤيا ما يتأوله أصحاب النفوس الشريفة ممن لهم اشتغال بتأويل الرؤى دون قطع بالصحة فليس ذلك إلا للنبوة أو بين يديها فهي ، كما تقدم ، قرينة من خارج تُرَجِّحُ في مواضع الاجتهاد في فتيا أو تأويل رؤيا ، كما في بعض الأخبار عن الصديق ، رضي الله عنه ، فقد أفتى بين يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سلب القتيل فهو لمن قتله ، وأقره صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتأول رؤيا بين يديه فأصاب في بَعْضٍ وأخطأ في بَعْضٍ فليس معصوما كصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلم تكن فتيا الصديق ولا تأويله للرؤيا لم تكن قطعا يوجب التصديق والتمثيل إذ يجري مجرى الاجتهاد في حكم أو تفسير صاحبه بين الأجر والأجرين ، فاحتمال الخطإ جائز ، إذ لا يمتنع إلا إذا كان الحاكم أو المجتهد نبيا ، فإن الوحي ، كما تقدم ، لا يقره على خلاف الأولى في مواضع الاجتهاد كما يضرب المثل في هذا الموضع مرارا باجتهاده صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أسرى بدر ، فنزل الوحي يعاتب ورجح اجتهاد عمر جلالا على اجتهاد أبي بكر جمالا ، فالحكمة تقضي أن يوضع الجلال في مواضعه والجمال في نظائره ، فاجتهد الصديق فلم يصب الْأَوْلَى ومال إلى اجتهاده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة بقومه ، واجتهد عمر فأصاب الْأَوْلَى جلالا يثخن في خصوم الديانة فنزل الوحي يُرَجِّحُ مقاله ، فالرؤيا كذلك فهي ابتداء من الجائز المحتمل ، فقد تصيب وقد تخطئ كما رأى القوم ليلة القدر وتواطئوا عليها فكل أولئك مما يستأنس به فلا يصير شرعا يلزم إذ الشرع لا يكون محتملا للصحة أو الخطإ لمكان العصمة في البلاغ والبيان ، فلا يصير شرعا ملزما وهو جائز قد استوى طرفاه فاحتمل الصحة واحتمل الخطأ ، لا يصير شرعا ملزما إلا أن يكون ثَمَّ مرجح من خارج ، وهو ما كان من إقرار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فجرى مجرى التأويل إذ احتمل ابتداء ، بل احتماله الأرجح ألا يجاوز حد البشرى أو حديث النفس فهي رؤيا منام لا تَنْبَنِي عليها ابتداء الأحكام ، فجاءت القرينة من خارج وهي إقرار النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ صدق رؤياهم فتلك قرينة التأويل التي رجحت المرجوح فجعلته راجحا فصار شرعا لازما بإقرار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له .
    فكان من بلاغ مالك ، وهو من البلاغات التي اشتهر بها مالك في موطئه ، فيبلغ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبينهما اثنان ، فهو من المعضل ، وهو مظنة الضعف الشديد إلا أن لمالك من التحري في الرواية ما جعل لروايات كتابه وإن مرسلات أو بلاغات ، ما جعل لها من الاعتبار ما ليس لغيرها ، فضلا أنه ممن يَرْوِي عن أهل المدينة وهم خلف الرسالة والصحابة ، فلم يكن الكذب فيهم كما أهل العراق ، فَتَحَرَّى العراقيون في الرواية ما لم يَتَحَرَّ الحجازيون ، وكان من رواية الأخبار في الحجاز ما إليه تطمئن النفوس فكان ما كان من التخفف في الشرط برواية جملة مرسلات وبلاغات ، منها هذا البلاغ ، وقد اجتهد من اجتهد من المتأخرين فوصل هذه البلاغات ، فجمع الطرق واجتهد في تحديد أعيان الساقطين من الإسناد ، فكان من رؤيا رجال من الصحابة ما حكاه مالك حكايةَ ما لم يسم فاعله في : "أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ" ، فَحُذِفَ الفاعل إيجازا للعلم به ، بداهة ، وهو الله ، جل وعلا ، فهو من يُرِي عباده ما شاء من الرؤى فهي من جملة ما يخلق من الصور والمثل ، فالرؤيا مثال في العلم له تأويل في الشهادة ، فيبشر بما هو آت مما لم يحصل بعد فلا زال في علم الغيب ، فيكون تأويله وقوعه ، وذلك معنى من جملة معان فُسِّرَ بها التأويل واستأنس له أهل التحقيق بقول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) ، فتأويله وقوعه فكذا الرؤيا فإن تأويلها وقوعها في الشهادة ، فهي مثال في الغيب لَمَّا يأتِ تأويله بعد ، فخالقه في الجنان صورة وفي المنام رؤيا وموقع تأويله في الخارج هو الرب الخالق ، عز وجل ، فهو من أراهم رؤيا الليلة ، ليلة القدر ، وهو الذي قدر التواطؤ فكان مما استأنس به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَصَدَّقَ ما عليه قد تواطئوا وتلك ، كما تقدم ، القرينة التي بلغت بالرؤيا حد الإخبار والإنشاء ، فجاوزت حد البشرى والاستئناس ، فكان من إقرار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" ، فكان من التوكيد بالناسخ ما يجري مجرى القياس فذلك الأصل في دلالة الناسخ ، ولا يخلو في هذا الموضع أن يجري مجرى التعليل فهو خبر يمهد بين يدي أمر تال قد حُدَّ حَدَّ الشرط المهيِّج الملهِب ، كما تقدم ، فكأن طلبه التحري لها في السبع مسبَّب ونتيجة ، فالسبب والمقدمة ما تَقَدَّمَ صدر الكلام على حد الاستئناف بالناسخ ، فتأويل السياق على هذا الوجه : تحروها في السبع الأواخر إذ قد تواطأت رؤياكم على ذلك ، فصدر الكلام بالتوكيد الذي لا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة التعليل ، فهو ، من هذا الوجه ، مئنة من عموم في دلالة لفظ مشترك قد دَلَّ على أكثر من معنى في سياق واحد على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض ، وبه ، كما تقدم مرارا ، يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فكان من التوكيد بالناسخ ما افتتح به الكلام فذلك أوقع في الأذهان ، فـ : "إِنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ. فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" ، وزد عليه اسمية الجملة فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا أرى رؤياكم قد تواطأت ، والمضارعة في الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الجملة "أرى رؤياكم قد تواطأت" ، فكان الإطناب في الأخبار بالعامل المضارع "أرى" وبه استحضرت الصورة ، والفاعل الذي استكن إيجابا في عامله فدل عليه المذكور المتقدم وهو ضمير المتكلم ، فياء المتكلم في "إني" تضاهي الضمير "أنا" الذي استتر إيجابا في العامل "أرى" ، فالضمير "أنا" إذ وقع في محل الرفع فمكافئه إذا كان منصوبا أو مجرورا هو ياء المتكلم ، كما في صدر الكلام في "إني" ، وَثَمَّ ، أيضا ، من التوكيد ما صُدِّرَتْ به جملة المفعول الثاني "قد تواطأت" ، فتقدير الكلام : إني أرى رؤياكم متواطئة ، فالجملة في محل نصب المفعول الثاني إذ الرؤية تحمل على الرؤية العلمية وهي مما يتعدى إلى مفعولين ، فَثَمَّ تعد في السياق يجري مجرى القياس ، فتعدى عامل الرؤية العلمية إلى معمولين أحدهما اسم مفرد والثاني جملة قد صدرت بأداة التحقيق "قد" إذ دخلت على الماضي "تواطأت" ، فدخول "قد" على العامل الماضي مئنة من التحقيق ، كما قال أهل الشأن ، فَتَوَاطَأَتِ الرؤى في السبع الأواخر ، وذلك ما لا يعارض رواية العشر ، ورواية التماسها في ليال بعينها ، فإن من التمسها في العشر فقد التمسها في السبع إذ تندرج في العشر ، ومن التمسها في ليال مخصوصة من العشر فلا تخرج عن جملة العشر ، فهي أخص من النص العام الذي استغرق العشر جميعا ، ولا تعارض بين عام وخاص ، كما يقول أهل الشأن ، فالرواية الأخص تبين الأعم إذ ترجح ليال بعينها فَلَهَا من هذا الوجه امتياز وترجيح لا يوجب القطع أنها عين الليلة المطلوبة ، فلا تعارض لا سيما على القول الراجح أنها مما يَتَنَقَّلُ في العشر لا سيما الليالي الوتر ، وهو ما ورد النص عليه في موضع آخر ، فزاد العموم المجمل بيانا إذ ثم تخصيص بالنص الذي أمر بِتَحَرِّي الوتر ، فهو قاض في النص الأعم الذي يأمر بتحريها في العشر ، فمنها الشفع ومنها الوتر ، فجاء النص يخصص فَضَيَّقَ دائرة التحري لتقتصر على الوتر ، فـ : "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ" ، فكان من الجمع بين الروايات ما زال به التعارض ، فلا تعارض بين الأخبار إذ جميعها مظنة التحري الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ما حُدَّ حَدَّ الشرط في قوله : "فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" ، فكان الشرط الذي عم ، وثم كينونة ماضية زيادتها في المبنى ، من وجه ، مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى فهي مئنة من ديمومة تجري مجرى التوكيد فالمتحري شديد العناية أن يصيبها ، ومن ثم كان الجواب الذي اقترن بالفاء : "فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" إيجابا فلا تخلو من دلالة الربط بين الجواب والشرط ، فكان الجواب الذي حُدَّ حَدَّ الأمر القياسي في "فَلْيَتَحَرَّهَا" فاللام لام الأمر الجازمة ، ولا تخلو دلالته أن تكون الدلالة الناصحة ، فالأمر في هذا السياق يحمل على الإرشاد والندب فلا إيجاب إذ القيام سنة بالمعنى الاصطلاحي في الفقه وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه أو هو مما أَمَرَ به الشرع لا على سبيل الاقتضاء وإنما على سبيل التخيير وإن كان جانب الفعل أرجح فالترك يجوز ولكنه مرجوح فضلا أن صاحبه قد يلام إذ فَوَّتَ على نفسه الخير العظيم واللوم يزداد إن كان الترك على حد الاستخفاف والتهكم بل ذلك مما قد يفضي به إلى إثم أعظم فالتهكم والاستخفاف بالوحي قد ينقض أصل الدين الجامع ، فكان من القيام ما هو سنة وهو ما أبان عنه الخبر في موضع آخر ، فـ : "إِنَّ اللهَ فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ" ، فكان من التصدير بالناسخ ما تقدم من دلالة التوكيد فذلك قياس اللسان الناصح ، وكان من اسمية الجملة في سياق الفرض ، وهو نص في الإيجاب ، فحسن التوكيد بالاسمية والإطناب في الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الجملة : "فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ" ، مع ما تقدم من تكرار الإسناد فثم ضمير قد استكن في عامل الفرض جوازا ومرجعه المبتدأ وهو الاسم الكريم "الله" الذي يجري مجرى الفاعل المعنوي ، فكان فرض الصيام الواجب مما ثبت بوحي الكتاب النازل ، فـ : (مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ، وكان سن القيام مما ثبت بوحي السنة ، كما في الشطر الثاني من الخبر : "وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ" ، فَالسَّنُّ يحتمل المعنى اللساني الأعم وهو ابتداء الشيء ، فقد ابتدأ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك لما قَامَ لَيَالٍ وقام الصحابة وراءه فترك القيام في الجماعة خشية أن يفرض ، ولم يتركه منفردا ولم يَنْهَ الصحابة أن يصلوه في جماعات متفرقة في المسجد فَلَمَّا قُبِضَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم زال المانع فلا يُخْشَى فرض القيام إذ قد قُبِضَ خير الأنام عليه الصلاة والسلام فلا شرع يَتَنَزَّلُ بعده فانتهى القيام أن يكون سنة فرأى عمر ، رضي الله عنه ، رأيَ المجتهد أن يجمع الناس على إمام واحد فيردهم إلى بادئ الأمر إذ صلوا خلف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان إماما واحدا تصلي بصلاته الصفوف من خلفه ، فجمع عمر الناس على أبي بن كعب بعده ، فاحتمل السن هذا المعنى اللساني وهو ابتداء الفعل واحتمل آخر ، وهو محل الشاهد ، فتلك سنة الندب فلا فرض ، فذلك يجري مجرى القرينة التي صرفت الأمر في "فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" إلى الندب لا الفرض ، فضلا أنه أبان عن ماهية التحري فهي تجاوز الاجتهاد في تعيينها إلى آخر في إحيائها ، وإحياؤها جنس أعم يستغرق القيام والقراءة والاعتكاف والذكر ..... إلخ من أجناس العبادة ، فيجري ذكر القيام ، من هذا الوجه ، مجرى الخاص الذي يراد به عام ، فهو كالمثال المبين لما يستحب في هذه الليلة من العبادات وذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل لا يخصصه ، ولا يخلو الإخبار عن فرض الصوم وقيام الليل أن يجري مجرى الإنشاء أَنْ : صوموا رمضان فرضا وقوموا ليله ندبا ، وهو ما يعدل ألف شهر من العبادة والتنسك ، فضلا أنه سبب في غفران الذنوب ، وذلك وعد لا بد له من حدود ، فلا بد من استيفاء شروط وانتفاء موانع ، فكان من العطاء أَنْ مُنِحَتِ الأمة الخاتمة هذا الفضل العظيم فعمرها قصير ، فلا تجد من فسحة العبادة ما وجدت الأمم السابقة وأعمارها أطول ، فكان من بلاغات مالك آخرَ سمعه عمن يثق من أهل العلم ، فذلك مما اختلف في توثيقه ، فثم من جعل وصف الراوي أنه ثقة دون تسمية عينه ، ثم من جعله توثيقا معتبرا إن صدر عن إمام معتبر في نقد الرجال أو كان ممن عُهِدَ أنه لا يروي إلا عن ثقة فهو من المتحرين في الرواية ، فلا يروي عن أي أحد ، وإنما يروي عمن يرى أنه ثقة ، فروايته عنه في أدنى أحوالها توثيق من الراوي إذ لا يصف شيخه أنه ثقة وهو لا يعتقد تعديلَه إلا إن كان كاذبا يروم ترويج كذبه فيكتم اسم شيخه لئلا يفتضح ضعفه أو كذبه ، وليس ذلك ، بداهة ، حال إمام محقق كمالك ، فلا يوثق إلا من يعتقد أنه ثقة ، وإنما الخلاف هل ذلك يجزئ في توثيق شيخه وإن جهلت عينه فلا تضر إذ وثقه الراوي عنه ، وهو إمام معتبر ، فالخلاف هل يجزئ ذلك أو أن جهالة عينه تحول دون توثيقه وإن كان الراوي عنه إماما جليلا كمالك ، رحمه الله ، فلا يلزم أنه ثقة عنده أنه ثقة في نفس الأمر فقد يتصنع له في حال فيظهر ما لا يبطن من الورع والتقوى ، وهو ليس بذاك ، فلا بد من تحديد عينه أولا ، ومن ثم اعتبار حاله بجمع كلام أئمة أهل الشأن فيه ، والترجيح بين أقوالهم .
    فكان من رواية مالك ، وهو محل الشاهد ، أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ: أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ فتقالها، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ , أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، فسمع ثقة وهو من طبقة تابعي التابعين فمحدثه تابعي ، فيكون ثَمَّ انقطاع آخر لو سُلِّمَ أن شيخه ثقة فجهالة عينه لا تضر ، فهو تابعي يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك حد المرسل وهو من أنواع الضعيف وإن كان ضعفه مما ينجبر فليس الضعف الشديد كالمتروك أو المعضل ..... إلخ من الأجناس شديدة الضعف ، فكان من سماعه ممن يثق به أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُرِيَ أعمار الناس قبله ، وتلك رؤية قد أسندت ، أيضا ، إلى ما لم يسم فاعله فمن أراه هو الله ، جل وعلا ،ـ ورؤى الأنبياء حق خلاف رؤى غيرهم كما تقدم صدر الكلام ، فقد أُرِيَ الصحابة ليلة القدر في السبع الأواخر ، فلم تكن رؤياهم وإن تواطأت لم تكن حقا مطلقا كرؤيا الأنبياء ، فما كانت رؤياهم ليلة القدر في السبع الأواخر حقا إلا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أَقَرَّهَا ، فكانت حقا بإقرار الوحي لا أنها ابتداء حق ، خلاف رؤى الأنبياء فهي ابتداء من الحق لمكان العصمة ـ، إذ هي جنس من أجناس الوحي كما قد رأى الخليل في منامه ذبحَ ابنه إسماعيل فكان أمرا واجب النفاذ وهو ما أرشد إليه الذبيح أباه ، فأمره ناصحا مرشدا ، ولم يخل أمره من تلطف إذ صدَّرَه بنداء الأب نداء البعيد مئنة من التعظيم ، فضلا عن مكان الأبوة وهي مما يشعر بالتأدب والبر ، فـ : (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ، فحذف الآمر فهو الرب الخالق ، جل وعلا ـ، الذي أوحى إلى الخليل ، عليه السلام ، في رؤيا المنام أن يذبح ابنه ، فكان أمر الابن ناصحا يرشد أَنِ : (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) ، فَحُذِفَ الفاعلُ إيجازا ، كما قد حُذِفَ في الخبر الذي أُرِيَ فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعمارَ الناس قبله وأعمارَ أمته ، فذلك وحي بغيب تَقَدَّمَ فأطلعه الرب ، جل وعلا ، عليه ، سواء أكان رؤيا المنام أم رؤيا العلم أم رؤيا النفث في الروع أن يُلْقَى إليه الوحي إلهاما ..... إلخ ،ـ فالرؤية في هذا السياق تحتمل هذه الأوجه جميعا ، إذ كلها مما يحصل به الوحي يقينا ، كما قَرَّرَ مَنْ قَرَّرَ ممن استقرأ أجناس الوحي المنزل ، فكان من تقال أعمار أمته إذ لا يبلغون في العمر ما بلغ الأولون ، وهو ما أبان عنه في موضع آخر من الخبر أن : "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ، إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ" ، وذلك ، أيضا ، من جملة الغيب الذي لا ينال إلا بالتوقيف فلا يتلقى إلا من مشكاة التنزيل ، وإن سنة لا تُتْلَى تلاوةَ الآي المعجز ، فهي من التنزيل بالنظر في المعنى ، فتدخل في الوحي ، من هذا الوجه ، فالوحي والتنزيل كلاهما ، لو تدبر الناظر ، جنس تندرج تحته أنواع ، فمنه تنزيل معجز بالنظم والمعنى ، ومنه آخر بالمعنى فلفظه من كلام الرسول المبلِّغ المبيِّن ، فكان من تقال أعمارهم ما قد أريه النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يبلغون من العمل ما يبلغ الأولون فثم فسحة في العمر ، خلاف من تأخر فعمره يقصر عن طول عبادة ونسك ، فكان من البركة في الأجر أن يُجْزَى القليل من العمل بكثير من الأجر ، فكانت العطية والمنحة من رب العزة ، جل وعلا ، فـ : أَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، فذلك من الإجمال في العطاء فأعطاه الليلة ، ليلة القدر ، ووجه العطاء ما كان من عظم الأجر ، فذلك ، من وجه ، يضاهي استفهام التشويق في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) ، فكان من الجواب ما أردف السؤال ، فكان السؤال تشويقا ، وكان الجواب حالا فذلك آكد في تقرير المعنى ، فـ : (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) ، وقد أظهر في موضع الإضمار فالقياس أن يضمر إذ تقدم المرجع وهو ليلة القدر ، فالقياس أن يضمر ، فـ : هي خير من ألف شهر ، فأظهر في موضع الإضمار تعظيما لها بإبراز لفظها ، من وجه ، وتسجيلا للمعنى من آخر ، وذلك ما أطنب به الخبر آنف الذكر : أَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، فكان إجمال أول في العطاء ، وكان بيان العطية بإبراز قدرها على حد الاستئناف : خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، ولا تخلو من إيجاز حذف على تقدير : هي خير من ألف شهر ، فحذف المبتدأ المسند إليه ، واكتفى بالخبر المسند فهو محط الفائدة ، فكان من بيان العطية قدرا ، وكان من زيادة الخيرية وصفا في الآي المتواتر : (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) ، فكان من التَّنَزُّلِ ما ضُعِّفَتْ عينه ، عين العامل نَزَّلَ ، فهو مئنة من تكرار الفعل فزيادة مبناه مئنة من أخرى في معناه ، فتكرار النزول مئنة من شرف الليلة فلا تَتَنَزَّلُ الملائكة أرسالا إلا لحدث جلل فضلا عن الإطناب خاصا بعد عام فالروح فيها ، فَعُطِفَ عليها عطف الإفراد تشريفا وتنويها بقدره ، فَتَنَزَّلَتْ بإذن الله ، جل وعلا ، فالباء تحتمل السببية ، فلا تَنْزِلُ إلا بأمر الله ، جل وعلا ، فذلك أمر التكوين النافذ الذي ورد في مواضع أخرى من التنزيل ، فـ : (مَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) ، والباء ، من وجه آخر ، تحتمل المصاحبة فهي تَتَنَزَّلُ بالأمر المقضي في الأرض ، فَيُقَدَّرُ في السماء ، ثم يكون تَنَزُّلُهُ وتأويله في الأرض ، وكلا الوجهين يصح على وجه يُجَوِّزُ الجمع بَيْنَهُمَا في سياق واحد ، وهو ، كما تقدم مرارا ، شاهد به يستأنس من جَوَّزَ العموم في دلالة اللفظ المشترك ، وَثَمَّ بَيَانٌ للجنس قد استغرق ، فَتَتَنَزَّلُ الملائكة : (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) ، وذلك ما خُصَّ بالعقل ، فهو أمر التقدير الكوني فَيَنْزِلُ في تلك الليلة من المقادير ما يستغرق السنة ، وثم إطناب في فضيلة الوصف ، فـ : (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ، فكان من تقديم السلام ما نكر تعظيما ، فقدم وحقه التأخير فهو محط الفائدة ، فضلا عن التنكير فهو ، كما تقدم ، مئنة من التعظيم ، ولا يخلو اللفظ من دلالة الدعاء فيجري مجرى الإنشاء أن اللهم اجعلها سلاما ، وأنزل السلام على الأرض فيها ، فذلك مما تُخَرَّجُ به الحال المشهودة فلا تخلو من عدوان أو ظلم ، فيكون السلام فيها سلام الإنشاء الآمر ، أو هو مما يجري مجرى الإخبار بالغالب فغالب أحوالها الخير وإن لم تخل من شر وعصيان فهو قليل يَنْغَمِسُ في كثير غالب من الخير والسلام الذي يعم حتى مطلع الفجر ، فكل أولئك مما يحض الناظر أن يتحراها ، وهو أمر يجاوز تعيين الوقت إلى إحيائها بالعبادة والذكر ، فخص القيام على حد الشرط ، فـ : "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" ، فهي كالصوم الذي وُعِدَ فاعله بالغفران إن جرى مجرى الإيمان والاحتساب ، فكان من الجواب ما حُدَّ حَدَّ الماضوية : "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فضلا عن إيجاز الحذف إذ حُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، فلا يغفر الذنب إلا الله ، جل وعلا ، وهو ، كما تقدم ، مما قيد بقيد جامع يستغرق نصوص الوعد جميعا ، فلا بد من استيفاء شروط وانتفاء موانع وإلا اجتزأ الناظر أن يقوم ليلة القدر ولا يؤدي بعدها فرضا ولا يجانب ذَنْبًا فقد غُفِرَ له ما تقدم ! ، ولا يخلو ذلك من قيد ثان ، فتلك صغائر الذنب التي تكفرها الفريضة بعد الفريضة خلافا للكبائر وما كان فيه حق للخلق فلا بد من توبة خاصة ولا بد من أداء الحقوق إلى أهلها أو استبرائهم رضى لا كرها أو حياء يلجم صاحبه فيضمر السخط وقد أظهر الرضى فيستلب حقه بسيف الحياء فلا عبرة بعفوه إن كان عاجزا لا يطيق الوصول إلى حقه ابتداء ثم يكون له الخيار إن شاء استوفى عدلا وإن شاء ترك فضلا ، إلا إن كان الاستيفاء أرجح بالنظر في المصلحة العامة كاستيفاء الحق من طاغوت أو ظالم قد عمت به البلوى فالعفو عنه إضرار بالخلق إذ يُسَلَّطُ عليهم فيجترئ إذ لم يعاقب ، فالأخذ بالعزيمة في حقه آكد ، درءا لشره المستطير ، فلا يحسن العفو عنه بل قد يأثم من عفا في النقل إذ سلط الظالم على الخلق ، وفي العقل إذ وضع المعروف في غير أهله .
    فَشُرِعَ في ليلة القدر إذ تعظم العطية ، فذلك وجه القدر فيها ، وإن احتمل التضييق ، فالأرض تضيق بالملك والروح وذلك مما يعظم به الخير ويقل الشر ، فإن شغل المحل بالخير يحول دون شغله بالشر ، فالمحل إذا شغر من مادة اشتغل بضدها فتلك طبائع الأشياء في الحس والمعنى ، وقيل القدر من التقدير ففيها تقدر مقادير العام ، والمعاني كلها تصح ، فلا يخلو لفظها من اشتراك يعم ، فشرع في هذه الليلة من العبادة عامة ، ومن القيام خاصة فهو ما يصدق في كل صلاة بعد العشاء ، إن في رمضان أو في غيره ، فَلَئِنْ نُدِبَ القيام في كل وقت فهو في رمضان آكد ، وهو ما دل عليه النص العام : "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" ، فذلك أعم في الدلالة من قيام ليلة القدر ، فثم وعد أعم يستغرق رمضان كله ، وثم آخر أخص يقتصر على ليلة القدر ولا تعارض إذ الخاص فرد من أفراد العام ، فمن قام رمضان فقد قام ليلة القدر بداهة فهي داخلة في حده ، ومن قامها فَيَصْدُقُ فيه أنه قد قام رمضان إذ قام بعضه ، فيكون ذلك من الخاص الذي أريد به عام أو من بعضٍ أريد به كلٌّ ، وكلاهما يصدق بالصلاة حتى ينصرف الإمام فيكتب له من الأجر قيام ليلة ، فليس بداهة كمن قام بعد الإمام فيتفاضل الناس في القيام قدرا ووصفا ، وإنما يجري ذلك مجرى الأجر ، فمن انصرف مع الإمام فهو كمن قام الليلة كلها بالنظر في الأجر لا في الحقيقة كما يقال فيمن جلس يذكر الله ، جل وعلا ، في مصلاه حتى تشرق الشمس فَلَهُ أجر حجة وعمرة تامة ، إن صح الخبر ، فلم يحج ولم يعتمر فلا يسقط عنه الفرض بداهة وإنما له من الأجر بقدر ذلك ، وشرع من الدعاء ما اختصت به هذه الليلة ، كما في حديث عائشة ، وقد سألت سؤال المسترشد : "إِنْ وَافَقَنِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ فَمَاذَا أَقُولُ؟"، فجاء الجواب الناصح ، أَنْ : "قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" فكان من تصدير الجواب بالأمر ولا يخلو أن يكون بيانا لماهية مخصوصة ، فضلا عن دلالة الإرشاد إلى الدعاء المندوب ، فالأمر في هذه الحال قد جمع دلالات الندب والإرشاد وبيان الماهية ، فكان من تصدير الجواب بالأمر "قُولِي" ، ثم الدعاء بالاسم الأعظم على حد النداء المحذوف الذي نابت عنه الميم فألحقت بآخر الاسم وَحُذِفَ النداء من أوله ، وهو ما قدر بعيدا مئنة من التعظيم فذلك مما يحسن في مقام الدعاء والتوسل ، فتوسل بتعظيم الجليل تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن ناداه نداء البعيد ، فذلك من التوسل بالوصف ، وصف العظمة ووصف العلو ذاتا وقدرا وشأنا ، وثم آخر بالاسم وهو الاسم الأعظم اسم الله الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، وبعده كان التصدير بالناسخ في "إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ" فهو مئنة من توكيد قياسي وذلك مما يحسن ، أيضا ، في تقرير الاسم والوصف في سياق المدح توسلا فضلا أنه يوطئ لما بعده من الطلب : "فَاعْفُ عَنِّي" ، فهو يجري مجرى التعليل الذي صدر به الكلام ومن ثم أردف بالمعلَّل ، فتقدير الكلام : اعف عني وهو ما استوجب سؤالا يقدره الذهن فقد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة هذا الدعاء والطلب أن تَعْفُوَ عني ؟ ، فكان الجواب : لأنك عفو تحب العفو ، فكان من التوسل باسم الْعَفُوِّ الذي يمحو أثر الذنب ، وكان الإطناب بوصف الفعل الذي حُدَّ حَدَّ المضارعة "تُحِبُّ الْعَفْوَ" ، فذلك من الإطناب في الإخبار ، فكان خبر أول بالاسم وثان بالفعل ، وذلك القياس في اللسان إذا اجتمع خبران ، فيقدم الاسمي وبعده الجملة سواء أكانت اسمية أم فعلية كما في هذا السياق ، فكان من الإطناب ما يحسن في مقام الثناء بالوصف الحسن توسلا بين يدي الطلب ، ولا يخلو الخبر الثاني أن يجري مجرى المفسِّر لاسم العفو ، فهو من يحب العفو ، وبعده كان الانتقال إلى الطلب عطفا بالفاء فإنها مئنة من الفور والتعقيب فضلا عن دلالة السببية ، فإن طلب العفو سببه أنه مطلوب من عَفُوٍّ يحبه ، فكان الدعاء أن : اعف عني ، ولا يخلو من جناس اشتقاق بين الدعاء "اعف" والاسم "عفو" وذلك آكد في تقرير الدلالة السببية فالجناس في الاشتقاق مئنة من اتحاد المادة ، فَالْعَفْوُ يُطْلَبُ من الْعَفُوِّ فهو الذي يعفو ويمحو أَثَرَ الذنب وذلك ما أطلق فاستغرق سائر الذنوب وإن كان كَبِيرُهَا ، كما تقدم ، مما يستوجب توبة خاصة ، فلا يجزئ فيها دعاء العفو المطلق .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 02-06-2019 في 08:42 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •